مقالات

عن زيارة محب لمدينة تارودانت بعد غياب ….




خلال جولة أردتها أن تكون سياحية و أعيشها بكل نوستالجيا بمدينة تارودانت ، بعد انتهاء مهمة كنت أقضيها هناك في النواحي فيما يخص عملي ، اكتشفت أن للأسوار صوت وصمت ليس كالذي أعرفه عن المدينة ، والناس غير الناس ، ولو أن سمعي يقتنص تلك اللكنة الجميلة لسكان المدينة ، ولناس هوارة الكرام …،
و بما أنه لم يكن لدي في محفظتي كتاب أقرأه كعادتي ، بحثت عن مكتبة أشتري ك
تابا أو كتابين من أجل القرأة . لكن الصدمة كانت قوية – على حد غناء المطرب عبد الهادي بلخياط – . فلما كنا نتأسف لما أغلقت دور السينما أبوابها في كثير من المدن ، وبعد ذلك ، قلنا لا بأس ، السينما في وطننا لا يستفيد منها الناس كما ينبغي ، ولا تقدم فكرا ولا فنا بقدر ما كانت من معاول الهدم والتخريب لكثير من الشباب في مرحلة ما ، لكن أن تغلق مكتبات ، ولا تكاد تجد كتابا تقرأه فيما تبقى منها ، فهذه كارثة عظمى … مكتبتن أغلقت أبوابهما ، واحداهما ، تحولت الى محل للأكلات والوجبات السريعة ، والأخريات تعرض فقط تشكيلة من كتيبات الطبخ و سلسلة كتب الأبراج و بعض كتب تفسير الأحلام ، وبعض الكتب الخاصة بالأطفال للتلوين و الترفيه أقرب منها الى التعليم والتربية و التثقيف ، والتكوين، بالاضافة الى الجرائد المتعفنة بركاكتها التي لا يقرأها أحد ، اللهم الا الكلمات المسهمة و المتقاطعة التي من أجلها يشتريها أولئك الذين يحرقون الوقت و الجو أنفاسهم بسجائر رخيصة على أرصفة المقاهي .. . وبعد ذلك التجأت الى القسارية – كما يسمونها هناك – لا زلت أذكر مذ كنت تلميذا في الثانوي نهاية الثمانينات ، وفي الجامعة بداية التسعينات ، كنت كل مرة أقصد المدينة أشتري من هناك كتيبات قديمة .فقد كان ثلاث بائعين يبيعونها على الأرض ، ومن هناك اشتريت كثيرا من سلسلة المسرح العالمي التي لم أتمكن من شرائها ، ابان صدورها وسلسلة المنفلوطي ، وجبران خليل جبران الخ ، وكانت الصدمة ثانية : لم يعد هناك باعة كتب قديمة ، الا واحدا لديه محل صغير ليس لديه الا بعض المقررات المدرسية المهترئة ..
ما لفت انتباهي هو بدل المكتبات ، انتشار محلات اصلاح و بيع الهاتف النقال بشكل غريب ، حتى محلات البزار و الصناعة التقليدية لم يعد لديها ذلك السحر والأسطورة التارخية التي كنا نعرفها ونستنشقها و نحن نمر مب القسارية مع الاحساس بالهيبة و التاريخ …
الأسوار هي الأسوار و التاريخ.. وأنا جالس في مكان عند أحد الأبواب أسترجع وأتذكر التاريخ و الأمجاد ، وأبحث ذلك في صمتها وأصوات الناس وعيونهم ولغتهم ، ابتسمت ، والله ، وتحولت ابتسامتي الى ضحك ، كاد يكون أشبه بالجنون حتى لاحظ ذلك بعض المارة حين وجدتني محاطا بقطط كثيرة في المكان .. وانتبهت أكثر فاذا الشوارع كلها و كذا الأزقة لا تخلو من أعداد كبيرة من القطط ….. ياأالله مدينة لم تعد فيه مكتبات ، ولا تجد في المكتبات الموجودة كتابا ، و سحر وجمال التاريخ لم يعد كما كان ، أه ، بالمناسبة ، وانا جالس عند مدخل المدينة أراقب السور الكبير والباب الرئيسي ،فاذا باحدى الشاحنات المتوسطة تكسر جزءا من الباب وهي تدخل المدينة ، ولم يكن لذلك أي تفسير …
كل هذا ، وحتى بوابة المعهد التي كانت في السابق دائما مفتوحة ، ويمكنك أن تزور الثانوية / المعهد و تزور الأساتذة والشيوخ و المكتبة ، مغلق جدرانه الخارجية بلافتات كبيرة، ولوحات اشهارية مفترسة مستفزة ، كل هذا لم أجد غير أن المدينة الجميلة الهادئة المتزينة بالتاريخ وأسوارها العظيمة ، ولكنة الهوارة ، والشلحة المنتاكية ، وبلحاف نسائها الأزرق والسماوي والأسود الذي يخفي جمالا بكرا و أسطوريا تعبر عنه تلك العيون الكحل والزهرية – أصبحت مدينة القطط والأسمنت .. وضيلع التاريخ والمجد .. للأسف.

نوض تقرأ.أكادير.

محمد رضوان.tn taroudant


محمد رضوان 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى