مقالات

“الإعلام بلا صاحب”.. ومخاطر تشغيله “بالريموت”


ساحة الإعلام تتمادى حتى أصبحت تبدو أنها بلا صاحب، فلم يعد التنافس يجرى بين الإعلام الرسمى أو إعلام الدولة وبين الإعلام الخاص أو إعلام المال، وإنما أصبح بين أطراف متعددة بعضها معروف وكثير منها مجهول بحيث يمكن أن نضيف تعبيرات مثل الإعلام المركزى والإعلام اللامركزى، كل واحد الآن عنده ما يسمى فيس بوك، أو صفحة شخصية، أو تغريدة، أو موقع، أو “تويتر” (والله ما أعرف الفرق)، يمكن أن يعتبر نفسه محطة إعلام مستقلة ذات سيادة، وهذا طيب برغم صعوباته ومخاطره التى لا تخفى، ومن أهمها فى بلد مثل مصر أن هذا النوع من الإعلام اللامركزى لا يصل إلا لمن يملك أدواته ويحفظ أبجديته، أما الخطر الأخطر فهو أن هذا الإعلام اللامركزى، جاهز لأن يديره سرا الأقوى والأخبث عبر العالم، وهو ينتزع حقنا فى التفكير التآمرى لأفكار وسياسات المتآمر الأقوى والأخبث، ليحتكره هو لنفسه ينفذ به مؤامراته، فينقلب هذا الإعلام اللامركزى إلى “مشتل” مزرعة أفكار المغير، أو حظيرة لتسمين القطيع الذى يقف فى الطابور انتظاراً لدوره، حتى يحين موعد ذبحه حين يصبح ذلك أكثر مكسبا من إبقائه ومواصلة تسمينه.567

بالرغم من كل ذلك فإن مهمة الإعلام بكل أشكاله تزيد هذه الأيام لأننا فى أمس الحاجة إلى تشكيل وعى جديد قادر على استيعاب الموقف (بل المواقف) الجديدة على طريق النهضة الجديدة إلى المدنية الحديثة فالحضارة المتجددة بمشاركتنا إلى وجه الحق تعالى ما أمكن ذلك.

عدت إلى الوصايا العشر التى كتبتها أمس وأول أمس فوجدت أننى وجهتها جميعا إلى الإعلام الرسمى، والإعلام المالى، وأنها مجرد نصائح لا تحدد، ولو على سبيل الاقتراح، آليات لتطبيقها.

وحين تبينت احتمال أن رسالتى قد توجهت إلى العنوان الخطأ، قلت أصحح نفسى وأوجهها إلى الإعلام الأكثر اتساعا، وإذا بى أجد نفسى (تخيلا) وسط آلاف بل ملايين الفيسبوكات والمواقع والتغريدات والحاجات الأخرى!!، وشككت فى جدوى أن أخاطب كل هذا الشتات، فتوقفت، ثم عدت وأنا أتذكر الاتهامات التى غمرت مؤخرا بعض المشاركين فى 25 يناير، وأنها قد تكون قد ظلمت أغلبية الذين وثقوا فى رسائل هذا الإعلام اللامركزى، ولم يقرأوها بمنظار التفكير التآمرى البقائى، فانساقوا إلى ما انساقوا إليه وهم يحسبونه خيرا، (وهذا ذنب فى ذاته) وإذا به يلوح بخيرٍ ما حين حقق إنجازات لم تكن ضمن حسابات ماسك “الريموت”، فأقول لنفسى خير وبركة، لأنهم لو لم ينساقوا إلى ما انساقوا إليه لكنا الآن نرزح ربما لثلاثين سنة أخرى، تحت وطأة ما كنا فيه، وربما ألعن.
إذن ماذا؟

لأننى أثق بالبشر، وأثق فى هدْى ربى لمن خلق من قبل ومن بعد، ولأننى فرحان بالانتماء لهذا النوع من الأحياء الذى أمره ربه فى خاتم رسالاته بأن ” ‏‏اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ”: فلأواصل خطاب وعى هؤلاء الذين خلقهم ربى وأكرمهم بأن ينتموا إلى هذا النوع الرائع من الأحياء، المسمى “الإنسان” فما بالك وهم يعيشون فوق هذه الأرض الطيبة واسمها “مصر”؟

يلحقنى من بعيد صوت يقول: “كلا”، فأتساءل هل شطحتُ من جديد، ثم من هذا الذى ينبهنى إلى شطحى، وإذا برحمة ربى تفيقنى لأكمل الآيات بعد أن توقفت عند “عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ” فيتردد فى سمعى ووعيى: “كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى، أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى”، فأقول: إذن علينا ونحن نأمل هكذا فى وعى جديد، وإعلام لا مركزى (ومركزى) أكثر مسئولية وأقدر على حمل الأمانة أن ننتبه ألا “نستغنى”، حتى لا نطغى، وأيضا أن نواجه من استغنى وطغى بما يستحق من رفض وحذر قوة واستقلال وتآمر مضاد نافع للجميع !

فتحضرنى الآية التالية: “إِنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعَى” فأطمئن، ما دامت الرجعى إليه وحده، وما دمنا نحن البشر المستضعفين نواصل المحاولة معا فى مواجهة طغيان من استغنى فى كل مكان، فالجولة التالية، وإن شاء رب العالمين: الجولة الأخيرة: هى لنا ما حَمَلنا الأمانة بحقها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى