مقالات

في العدالة الانتقالية


يقع مفهوم العدالة الانتقالية موقعاً وسطاً بين المفهوم الحقوقي – القانوني والفلسفي للعدالة، وبين تعريفٍ “استثنائي” لَهَا تفرضه ظروف استثنائية لا يُناسبها إعمال – أو إنفاذ- المنظومة القانونية القائمة: إما لعدم اشتمالها على الأحكام الخاصة بالوقائع الحاصلة في ظروف استثنائية، أو بسبب الحاجة إلى مقاربة “النازلة” بأحكام الإجماع والتوافق لا بأحكام الزجر الجنائي… الخ. لكنها، في الأحوال كافة ، عدالة لا غبار عليها لأن “فلسفتها” تقوم على كشف الحقيقة، وإحقاق الحق، وإنصاف مَن حِيفَ في حقهم في الظروف التي تنظر فيها: في وقائعها وملابساتها.
ليس من شك في أن الاستفهام لا يقوم على عبارة عدالة إلاّ لسبب هو اقترانُها بعبارة انتقالية. والعبارة هذه توحي بأن الأمر يتعلق بحالةٍ غير عادية أو طبيعية يُخشى من أن تنال من معنى العدالة، الذي يرادِف المرجعية الدائمة للقانون، والتطبيق الصارم – غير الانتقائي – له.
فالقانون، في الفلسفة السياسية الحديثة، هو التعبير المادي والمؤسَّسي عمّا يسميه روسو – ودخل بعده في نسيج الفكر السياسي والحقوقي – باسم الإرادة العامّة. وعدم ممارسة الانتقائية في تطبيقه إنْ هو إلاّ التعبير المباشر عن مبدأ المساواة في المواطنة: حقوقاً وواجبات. غير أن الطبيعة الانتقالية للعدالة لا تنال، في شيء، من تلك المعاني جميعها، لأن العدالة الانتقالية لا تخترع قيماً ومعايير جديدة تطبّقها على الحادثات الاستثنائية، وإنما هي تكيِّف منظومة القيم والمعايير مع أوضاع استثنائية تفرض نفسَها، وخاصة حينما لا تكون منظومة التشريع القانونية القائمة ملائمة، أو حينما تكون – هي نفسُها – في حاجةٍ إلى تشذيبٍ وتطويرٍ وإعادةِ تأهيل.
ما يُحْكَم به على العدالة الانتقالية يسري حكمُه على المراحل الانتقالية في السياسة والسلطة، كلاهما يَعْقُبان مرحلة تغيير وتحوّل في علاقات السلطة: تغييرُ نظام سياسي بثورة، أو بتوافق بين النظام والمعارضة، تكيُّفُ نظامٍ سابق مع ضغوط التحولات وضروراتها وإقدامُه على إجراء إصلاحات واسعة تَفُكّ حالَ الانسداد فيه وفي الحياة السياسية، قيامُ سلطةٍ وطنية جديدة… الخ. في هذه الحالات جميعاً تضغط الحاجة إلى توفير أجوبة انتقالية عن حاجات سياسية واجتماعية وإنسانية لا تَقْبَل الترحيل، أو التعليق على مواعيد لاحقة تقوم فيها مؤسسات الدولة – السيادية والتمثيلية والتنفيذية المنتَخَبة – أو منظومتها التشريعية والقانونية الجديدة. وهذه الحاجة الحيوية هي، بالذات، ما يؤسّس للحالة الانتقالية شرعيتها ومشروعيتها.
هذه هي القاعدة الفلسفية التي عليها قام مفهوم العدالة الانتقالية، بوصفها جزءاً غيرَ قابلٍ للفصم من مفهوم العدالة الكلّيّ، وبوصفها حاجة حيوية اضطرارية لمقاربة مسائل الحقيقة والحقوق في الظروف غير العادية، أي تلك التي يتعذر فيها إنفاذ منظومة التشريعات والقوانين العادية أو القائمة. إنها عينُها القاعدة الفكرية – والسياسية – المرْعية في مراحل الانتقال التي يُلجأ فيها، مثلاً، إلى إحداث إعلانات دستورية استثنائية، عند تعطيل العمل بالدستور والشروع في كتابة آخر، أو إلى تشكيل حكومات انتقالية غير منتَخبَة، لأن البرلمان حُلّ، وشبيه ذلك من الإجراءات الانتقالية المناسبة لمثل هذه الظرفيات. وكما لا يُنْظَر إلى هذه الإجراءات الانتقالية كنقضٍ للدولة والشرعية، أو تقويضٍ لهما، بل كَمعْبرٍ ضروري لإعادة بنائهما على أسسٍ جديدة، كذلك لا يُنْظر إلى العدالة الانتقالية كنيْلٍ من العدالة، بل كاستكمالٍ لبناء منظومتها. وفي الحالتين، في حال المراحل الانتقالية والعدالة الانتقالية، يكون لمبدأ التوافق الدور الحاسم في بناء تلك الأوضاع الانتقالية. وغنيّ عن البيان أنّ ما توافق المجتمع عليه له من الشرعية والحُجّية ما للقانون أو الدستور، فهُمَا – أيضاً – مما يقع التوافق عليهما في الأحوال العادية.
هكذا أخِذ مفهوم العدالة الانتقالية، عند التطبيق، في عشرات من التجارب في أوربا الشرقية، وأمريكا اللاتينية، وافريقيا، وهكذا عرفناه – جزئيّاً – في بلدان عربية مثل لبنان، والمغرب، وتونس (وإن كان المثال المغربي هو الأجرأ حتى الآن). وإذ كشفت تجاربُ العدالة الانتقالية تلك عن إمكانيات مذهلة، في مجال تصفية المواريث الثقيلة الموروثة عن أحقاب الاستبداد، أو عن النزاعات الأهلية: العرقية، أو الطائفية، أو المذهبية، ووفّرت لها أجوبة عدالية وإنسانية سلّمت بمظلومية من تحيَّف الاستبداد في حقهم، أو مَن وقَع الظلم عليهم وقعاً مميتاً، وبَنَتْ على ذلك التسليم/الاعتراف إجراءات للإنصاف وجَبْر الضرر، وصلت – أحياناً – إلى الاعتذار الرسمي، فإن النتائج الايجابية لتلك التجارب تفرض علينا التسليم بأن العدالة الانتقالية هي، اليوم، الخيار الوحيد الأنسب لمقاربة مشكلات الماضي في بلادنا العربية، ففي هذه البلاد مخزونٌ هائل من الإساءات لكرامة الإنسان، وآدميته، وحقه في الحياة، صنعها استبداد السلطة والاستبداد الأهلي العصبوي الذي فجَّر الحروب الأهلية…
جريدة الصباح.
تارودانت نيوز.Belkziz

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى