مقالات

الكوميديا الساخرة سلاح يخيف السياسيين ويهدد الأمن القومي


nissrineقبل الثورات العربية لم يكن يجرؤ أحد على انتقاد السياسيين بالأسلوب اللاذع والطريقة التهكمية العالية التي نشاهدها اليوم. كنا بحاجة إلى ربيع ينفض الغبار عن الرموز والأصنام والفراعين، التي كلست حياتنا وجعلت من ذواتها موازية للذوات الإلهية، انتقادها ممنوع والاقتراب منها من محرمات الصحافة والرأي.
تعيث فساداً، تنهب الأوطان وتورثها لأولادها وتخطط ليحكمها أحفادها، تستقبل وتودع وتستمر باستفتاءات وبيعات مزورة غير حرة ولا نزيهة، وليل نهار تسبح بحمدها جوقة من المستنفعين.
وحدها النكتة الشعبية كانت تدور سراً وتفوح في الأسواق كرائحة البخور لتفضح مكامن النتن. يتداولها الناس بغرض الضحك لكنها تحمل في طياتها زفرات اليأس والتنفيس وقلة الحيلة. اعتاد عليها الكبار وتركوها تحوم بلا رادع، فهم وجدوا أن لا ضير من النكتة الطيارة، فلنعزي كثرتها للحشيش، خدروا البلد بالحشيش والخوف والنوم، وصبوا جام رقابتكم على الكلمة الحرة الشجاعة الواعية في الصحف والكتب والبرامج التلفزيونية. وليكن مصير كل من تسول له نفسه انتقاد الحاكم وتوعية البشر غياهب السجن وسنين العتمة والنسيان!

اختفاء باسم و’يوتيوب جو’

النكتة ابنة الشعب المصري. لكن رياحا عصفت به من كل الجهات، الحاكم وأولاده وشركاه، الشعب والثورة والثورة المضادة، ‘ديمقراتورية’ الاخوان و’ديكتاتوطية’ البسطار العسكري.
الشعب ينقسم بين فصيلين دوما. لا توجد حلول وسطى عند الشعوب المقهورة والمقموعة، والتي يعني لها المزيد من الصبر، انهياراً في الاقتصاد والمعيشة ووقف الحال. لذا مثلا لم يكن أسلوب باسم يوسف في بداية ثورة 25 يناير يعجب مؤيدي النظام السابق. بينما وجده أنصار مرسي لاحقاً سمجا وثقيل الظل، بل وكافراً وعميلاً..الخ، إلى أن اختفى تماما في عهد السيسي.
وللأمانة الصحافية فهذا النوع من برامج الكوميديا السياسية والاجتماعية الساخرة لا يمكنها أن تقوم بدورها النقدي المعارض ما لم تعمل بهذه الآلية.
التشنج سمة شعبية في كل الصراعات السياسية. لكن أن تصل إلى التهديد بالقتل أو الملاحقات القضائية المتكررة، فهذا يؤكد أن هناك نقصا كبيراً في الوعي بهذا النوع من البرامج. وبهمسة صغيرة، لو أن الرئيس أو الحاكم أو القائد حارب الكوميدي أو الناقد أو الكاتب فتأكد أنه إما مصاب بجنون العظمة أو أنه غارق في الخطأ حتى أذنيه!
لن يتوقف الحس النقدي الشعبي الساخر في مصر باختفاء شخص، أليست مصر ولادة، وحلاوة روحها شربات. فلا بد أن شابا مثل ‘جو’ سيجد طريقه إلى ‘اليوتيوب’. و’جو’ نسخة أصغر عمراً من باسم يوسف، يقدم برنامجه ‘جوتيوب’ بالطريقة ذاتها التي بدأ بها برنامج (البرنامج) وبالالتقاطات النقدية نفسها وبأسلوب أكثر شباباً.
وكعادة هذه البرامج التي ترصد آراء الشارع وتصريحات السياسيين في خطبهم، ويتم تقطيعها بالمونتاج بطريقة تسلط الضوء على المبالغات والأخطاء الفادحة التي يقع فيها شعب منقسم الآراء وعاطفي ما زال بحاجة للالتفاف حول زعيم يؤلهه ويمجده ويتغزل به، وبين عثرات السياسيين والعسكريين في معرض لهاثهم لتثبيت أنفسهم على كرسي الحكم.

إذا كنت كذوباً.. فكن ذكورا!

لعل الشارع المصري ما زال محسودا، لأن الانقسام فيه ينحصر بين طرفين. لكن في لبنان الأسبق والأشهر في تقديم هذه النوعية من البرامج، ويمزج فيها بين نقد الظواهر الاجتماعية من الشوارع حتى حميمية المنازل. ويمرر النقد السياسي حسب توجه القناة للخصوم والمنافسين.
فعلى سبيل المثال برنامج ‘بس مات وطن’ على شاشة LBC وبرنامج DNA تقديم نديم قطيش على شاشة المستقبل. الأول يقدم مجموعة ‘سكتشات’ هزلية ساخرة للشخصيات المؤثرة في المشهد السياسي، حيث يقوم الممثل جان بو جدعون بالتنكر بأشكال زعماء الطوائف والأحزاب ورموزها مثلا، وتقوم مذيعة بمحاورته. بينما ينتهج البرنامج الثاني سياسة المقارنة بين تصريحات السياسيين في الخطابات والمواقف الآنية حول الثورة السورية ويضعها في مقابل نقيضها من تصريحاتهم أيضاً على مبدأ إذا كنت كذوباً فكن ذكورا. وعلى الرغم من أن المشاهد اللبناني معتاد على هذا النوع من النقد، إلا أن التشنج السائد منذ بداية الثورة السورية وتعارض المواقف بين تأييد لنظام بشار الأسد ومعارضة له ولحليفه حزب الله، الذي تدخل بشكل سافر كطرف في هذه الحرب، أشعل الغضب بين حلفاء الطرفين.
فبعد حلقة ‘بس مات وطن’، التي تم فيها تقليد زعيم حزب الله في عام 2012 نزل أتباعه على الشوارع ليقطعوا الطرقات ويشعلوا الإطارات ويطالبوا القناة بالاعتذار عن المساس بشخصية يعتبرها مؤيدوها رمزا مقاوما ودينيا يقترب من مصاف الأنبياء.
وتكرر الأمر في حلقة 9/11/2013 وتحول إلى تحرك شعبي غاضب على ما اعتبروه إهانات في عدة مناطق، حيث يتجمع أنصار الحزب.
وانسحب السجال ليصبح نغزات وشتائم شخصية متبادلة بين المخرج ناصر فقيه، المحسوب على حزب الله، الذي يقوم بإخراج البرنامج الكوميدي ‘مافي متلو’ على MTV وبين مخرج ‘بس مات وطن’ شربل خليل!!
إذاً لا عتب على عامة الناس، إذا كان مخرجو الأعمال، الذين يفترض أنهم صناع اللعبة الفنية ويعرفون البير وغطاه سيفقدون أعصابهم ويخرجون عن نص اللياقة، لكن ليس هذا موضوعنا، فلنعد سريعا لأنني سأحدثكم عن برنامج سوري غريب وعجيب، مضحك ومبك في آن معاً.

المذيعة المقنعة وحكايتنا مع العنزة

العنوان يستلهم حكاية شعبية عن العناد والتشبث بالرأي الخاطئ. تقول الحكاية إن صديقين رأيا كائنا أسود يتحرك فوق جبل، فتراهنا، الأول قال إنه طائر، والثاني قال إنها عنزة، بعد برهة طار الكائن فقال الأول: ألم أقل لك بأنه طائر. فأجاب الآخر بعناد: عنزة ولو طارت!!
إذاً هو برنامج سوري ثوري كوميدي ساخر، ولأن الثورة السورية، التي قام بها الشباب السوري السلمي يتيمة، استمات النظام أولا، ثم الأيدي الخفية لإجهاضها والتعتيم عليها، فهي برامج لا تلقى التمويل الكافي ولا حتى جهة إعلامية تتبناها وتخرجها للعلن على شاشة تلفزيون.
ستستغرب حين تبحث عن البرنامج أن ‘تتراته’ بلا أسماء لفريق العمل، فالمقدمة مندسة سورية، والمعدون والعاملون مندسون آخرون، وحتى المخرج مندس. أما الممولون كما يظهر في ‘تترات’ النهاية فهم قائمة طويلة من أسماء الجهات والدول التي اتهم المتظاهرون منذ البداية أنها هي التي رسمت لهم فصول المؤامرة الكونية على نظام الأسد، وأنها تدفع لهم مقابل المغامرة بأرواحهم من أجل الحرية والكرامة، أمريكا، قطر، إسرائيل.. كوميديا أكثر من سوداء، وأكثر مراراً من السخرية. فهذه المجموعة المغامرة ستكون حياتها مهددة، سواء كانت داخل سوريا أو خارج سوريا، لذا فالمقدمة تخفي كامل وجهها بقناع!!
وكعادة السوريين الذين خرجوا من سنوات الصمت في شوق للتعبير بحرية ولنقد كل ما يحدث من سلبيات وألاعيب يشارك فيها جميع الأطراف، فعناوين البرنامج تدلنا على مضامين الحلقات، فكانت أولى الحلقات بعنوان حسون والبوطي، والتي ترصد تصريحات وتصرفات مفتي الجمهورية ورجل الدين الكبير المؤيدين للنظام. وفي حلقة ‘زينب والذئب’ تناول البرنامج فضح اللعبة الاستخباراتية الإعلامية، التي قدمت الفتاة زينب الحصني على أنها حية ترزق، للطعن برواية الثوار الغاضبين بعد أن استدعي أهلها من قبل أحد السجون لاستلام جثة متفحمة على أنها هي. حتى الجيش الحر ورموز المعارضة لم تسلم من نقد البرنامج.
ليكن هذا المقال دعوة لكل القراء والمشاهدين لإعادة النظر في هذه النوعية من البرامج.
شاهدوها بأقل قدر من العصبية وبأكثر ما تستطيعون من الضحك. فحالنا الذي وصلنا إليه لم يعد يحتمل المزيد من التشنج والانقسامات. فكروا فقط بأن الديكتاتوريين والمتعنتين بآرائهم يريدوننا أن نقول بأن اللبن أسود، وأن الدم أبيض، وأنها ‘عنزة ولو طارت’! يريدون بالقوة أن يفرضوا علينا أن نقول ‘منحبك’ للحاكم، وأن نضع البسطار على رؤوسنا، وأن نقتنع أن المذلة الآمنة أفضل من الموت. يريدوننا أتباعاً بلا تفكير وأغناما تتبع ألحان الرعاة، حتى وإن ساروا بنا إلى حيث القحل والجفاف والدمار.
فكروا أن من يخاف من النكتة يحسس على بطحة فوق رأسه، وأن من لا ينتبه إلى النقد ويأخذ به ليقوّم مساره وممارساته يستحق أن يصبح مثاراً للسخرية. أنا المهرج خفتوا ليه.. إيـــــه الله يرحمك يا صلاح جاهين.
تارودانتنيوز.
عن القدس العربي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى