أعلام من بلادي.

الشيخ/الأمير أبو زكرياء يحيى الحاحي


مقـدمــة : أنجبت منطقة سوس عبر تاريخها الطويل شخصيات فذة، لمعت في مختلف مجالات الحياة الفكرية والدينية والسياسية، وأسهمت بنصيب وافر في بناء تاريخنا الوطني، وإرساء دعائم نهضتنا الثقافية وبناء صرح حضارتنا المغربية المتميزة. لكن عوامل الطمس والإندراس أتت على كثير من الأحداث والمعالم والشخصيات، حتى صرنا نجهل أشياء كثيرة عن ماضينا، وعن رجالاته وأعمالهم وإسهاماتهم في التأسيس لبناء الحاضر الذي نعيشه اليوم.

ولعل من ضمن تلك الشخصيات التي تتطلب منا إلتفاتة وجهدا للتنقيب عن أخبارها وإعادة الاعتبار لدورها في بناء تاريخنا المحلي والوطني: شخصية العالم/ الشيخ/ الأمير أبي زكرياء يحيى بن عبد الله المنّاني الحاحي. فقد جمع هذا الرجل في شخصيته بين جوانب قل ما اجتمعت في غيره، وشملت إسهاماته المتنوعة المجال العلمي باعتبار الرجل فقيها محدثا ومسندا أثريا، والمجال الديني/الصوفي لكون يحيى شيخا صوفيا شهد معاصروه بولايته، كما شملت مجال السياسة باعتبار يحيى قائدا عسكريا وزعيما سياسيا أسس إمارة قوية ظل يوسع مجال نفوذها إلى أن وافته المنية.

ولعل اهتمامي بهذه الشخصية يأتي لما لحق أدوارها من غبن، وأخبارها من سوء فهم و تجاوز في التأويل من طرف عدد من المؤرخين الأجانب والمغاربة. وسيجد القارئ الكريم في هذه المقالة نبدة مختصرة عن حياة يحيى الحاحي تلقي قبسا من نور حول معالم شخصيته، في انتظار صدور دراستنا الموسعة حول هذه الشخصية ومختلف إسهاماتها في تاريخ تارودانت والمغرب.

1. مرحلة النشأة بإداوزداغ :

استقر الولي الصوفي الكبير الشيخ عبد الله بن سعيد الحاحي عند “أيت تامنت” بتافلالت الواقعة بقبيلة إداوزداغ بالأطلس الكبير الغربي على على بعد حوالي ستين كلمترا (60كلم) شمال شرق تارودانت، وسرعان ما تزوج من السيدة عائشة بنت إبراهيم الشريفة، وهي من (إداوزيمر)، فرزق منها بأبنائه يحيى والحسن وصفية وزينب. من هنا نعلم أن يحيى كان كبير إخوته، وأن ميلاده تم بعد سنة (964هـ/1557م). وقد أورد المختار السوسي، أثناء تعليقه على كتاب (روضة التحقيق في ذكر مناقب أبي بكر الصديق)، الذي ورد فيه ذكر يحيى الحاحي في أحداث جرت سنة 971هـ، ما نصه : “ولا أحسبه (يعني يحيى الحاحي) إلا صغيرا جدا، أو غير مولود سنة 971هـ”. وانطلاقا من مقارنة هذه التواريخ بباقي مراحل حياة الشيخ يحيى نرجح أن يكون ميلاده فيما بين 965هـ و970هـ.

نشأ يحيى بزاوية زداغة، التي كانت مركزا علميا متميزا، فتلقى تعليمه الأول بمدرستها على يد والده عبد الله بن سعيد، ثم شرع في دراسة مبادئ مختلف العلوم التي كانت تدرّس إذ ذاك بهذه المدرسة. فحفظ القرآن، وأخذ مبادئ العربية والفقه والتوحيد، كما تلقى مبادئ التربية الصوفية، فكان أبوه بذلك أول أساتذته. ولا ريب في أن المكانة العلمية الرفيعة التي أدركها يحيى، فيما بعد، كانت أساسا من تأثير هذا الوسط الذي نشأ فيه وتربى. فقد فتح عينيه وسط مدرسة تعج بطلاب العلم، ومجالس القراءة والذكر، وانتصب للتدريس بها شيوخ أجلاء كان لهم ذكر عاطر في أوساط معاصريهم. كما حوت خزانة علمية من أكبر خزانات المغرب في ذلك العصر، جمعت كتب التوحيد والفقه والتصوف…
2. الرحلة في طلب العلم :

لم يكن بوسع الشيخ عبد الله بن سعيد، وهو الذي جال وارتحل لأجل طلب العلم واستكمال التكوين، أن يقصر تربية ابنه البكر على ما كان يتلقاه بزاوية زداغة. لذا لم يكد يحيى يجاوز منتصف العقد الثاني من عمره، حتى بعثه والده في رحلة لطلب العلم على يد مشاهير علماء العصر. فقادته هذه الرحلة إلى ثلاث محطات رئيسية هي : فاس، مراكش، ودرعة.
2.1.فـي فــاس :

احتلت مدينة فاس خلال القرن (10هـ/16م) مكانة متميزة في الميدان العلمي بالمغرب، خاصة وأنها استقبلت عناصر ثقافية جديدة من العدوة الأخرى مثلها العلماء الأندلسيون المهاجرون، أو من الحدود الشرقية، خاصة علماء تلمسان. وسرعان ما انصهرت هذه العناصر في بوتقة العلم، وكوّنت حلقة متميزة في السلسلة العلمية التي عرفتها المدينة عبر تاريخها. فاحتفظت فاس بمميزاتها القديمة، المرتكزة على التعمق في دراسة الفقه المالكي والعناية بعلوم القرآن، دون أن تغض الطرف عما حُمل إليها من العلوم الحديثة والعقلية.

شكلت مرحلة الدراسة بفاس منعطفا جديدا في حياة يحيى الحاحي، وجعلته ينفتح على آفاق علمية أرحب مما كان متاحا له بزاوية أبيه. فتتلمذ على طبقة من خيرة علماء العصر كالإمام النحوي أبي العباس أحمد بن قاسم القدومي (ت : 992هـ)، وإمام فاس الكبير أحمد بن علي المنجور المكناسي (ت : 955هـ)، والأستاذ الأديب أبي العباس أحمد بن علي الزموري (ت : 1001هـ)، وقاضي الجماعة بفاس عبد الواحد الحميدي (ت : 1003هـ) ، والفقيه الصالح الحسن بن عبد الله بن مسعود الدرعي (ت : 1006هـ)، ومفتي فاس وخطيبها أبي زكرياء يحيى السراج(الأصغر) (ت : 1007هـ)، وقاضي الجماعة بها أبي القاسم بن أبي النعيم الغساني (ت : 1032هـ).

من ثم تمكن يحيى الحاحي من ضمان تكوين علمي متين ومتنوّع، وانفتح على أصناف من العلوم الدينية واللغوية، والعلوم العقلية، التي كان يدرسها هؤلاء الشيوخ، كعلوم الفقه والحديث والتفسير والقراءات، والعروض والنحو، وعلم الكلام والمنطق… فكان من الطبيعي أن يبلغ يحيى بشفوفه العلمي تلك المكانة الرفيعة التي فاق بها معاصريه، وسرعان ما سنراه يصبح عالما مشاركا، وأديبا بليغا ناظما وناثرا، ومدرّسا شهيرا، ومربيا صوفيا، “توجهت إلى زيارته الهمم، وركبت إليه النجائب”.
2.2. فـي مراكش :

إذا كانت فاس قد استأثرت بمركز الصدارة في الميدان العلمي خلال الدور الأول من حياة الدولة السعدية (915-984هـ/1509-1576م)، فإن مراكش أدركت أوج عزها العلمي مع بداية عهد السلطان أحمد المنصور (986-1012هـ/1578-1603م)، فغدت المركز الثقافي الأول في كل الغرب الإسلامي. وتقاطرت عليها أفواج من العلماء من داخل المغرب وخارجه : من سوس وفاس والأندلس والمغرب الأوسط.

لعل هذا التحول كان وراء انتقال يحيى إلى مراكش، بعد أن أرضى نهمه العلمي بما أخذ عن علماء فاس. وربما كان انتقاله إلى مراكش أواخر العقد التاسع من القرن العاشر الهجري. وقد لقي بمراكش عددا من الشيوخ لم تحتفظ لنا المصادر سوى باسم اثنين منهم هما : أبو عبد الله محمد بن عبد الله الرجراجي (ت : 1022هـ) الذي تولى الإفتاء وقضاء الجماعة بمراكش، واشتهر بتضلعه في سائر العلوم الشرعية واللسانية، وانكبّ على التدريس والتأليف، ثم أحمد بن محمد السالمي (ت : 1040هـ) وقد تولى التدريس والإفتاء بمراكش، واشتهر بتمكنه في العلوم النقلية والعقلية، وأفاد معاصريه من الفقهاء والطلبة باجتهاداته ومحاوراته الفقهية.
2.3. فـي درعــة :

ما إن أنهى يحيى الحاحي رحلته العلمية إلى كل من فاس ومراكش، حتى اتجه إلى درعة ليأخذ على يد شيخها الكبير أحمد بن محمد أدفال السوساني الدرعي (ت : 1023هـ). وكان هذا الأخير قد انتصب للتدريس بجامع (قصر آدوافال) بلكتاوة على ضفاف نهر درعة، بعد أن جال في المغرب وأخذ عن مشاهير الشيوخ بدرعة وفاس، ولزم الشيخ أحمد بن موسى السملالي حتى وفاته سنة 971هـ. بعد ذلك رحل إلى المشرق رحلتين لقي خلالهما عددا كبيرا من المشايخ بمصر ومكة والمدينة : كمحمد بن محمد البكري، وبركات بن محمد الحطاب، ونجم الدين الغيطي، والسيد المقدسي، وغيرهم.

عاد أدفال، بعد ذلك، إلى بلده مكتمل العلم والصلاح، وطارت شهرته فقصده الطلبة والعلماء للأخذ عنه. وهذا يحيى بدوره، بعد أن لقي مشاهير شيوخ عصره بفاس ومراكش وأخذ عنهم وأجازوه، ينتقل من جديد إلى درعة قاصدا الشيخ أدفال. وقد ذكر الإفراني أن يحيى الحاحي أخذ عن الشيخ أحمد أدفال كثيرا من الفنون، وأجازه في علوم الحديث إجازة عامة، وسبق أن وقفنا على حجم لائحة الكتب التي رواها عنه، وقد تنوعت بين الفقه والحديث والتفسير، والنحو والفرائض والحساب…

2.4. إجازة أحمد بابا التنبكتي :

يرد اسم العالم السوداني الكبير، الشيخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي ضمن قائمة الشيوخ الذين أجازوا يحيى الحاحي. وقد كانت إجازته له في عدد من الكتب والأحاديث الواردة بإجازة الخرقاني. ومعلوم أن أحمد بابا امتحن هو وأهله عندما سيقوا أسرى من تنبكتو إلى مراكش، على يد قائد السلطان المنصور : محمود بن زرقون سنة : (1002هـ).واستمروا في الأسر إلى أن أذن المنصور بإطلاق سراحهم في الحادي والعشرين من رمضان عام : (1004هـ) وعندها انتصب أحمد بابا للتدريس بجامع الشرفاء بمراكش.

خلال هذه الفترة كان يحيى الحاحي قد أنهى رحلته لطلب العلم وعاد إلى زاوية أبيه بزداغة حيث انتصب للتدريس، وكانت عودته هذه خلال السنوات الأولى من تسعينيات القرن 10هـ. كما أن إجازة أحمد بابا له أرخت ب : 13 ذي القعدة عام : (1008هـ). ومن تم يكون التنبكتي من شيوخ الإجازة بالنسبة ليحيى وليس من شيوخ الدراسة.
3. مرحلة الانتصاب للتدريس :

كانت درعة آخر مرحلة في جولة يحيى العلمية، التي أنهاها، كما أسلفنا، مع مطلع تسعينيات القرن 10هـ. إذ ذاك عاد إلى زاوية أهله في زداغة مكتمل العلم والصّلاح، شيخا من شيوخ العلم والتصوف، أديبا كبيرا متمكنا من ناصية القوافي. فانتصب للتدريس، إلى جانب شيوخ الزاوية، وعلى رأسهم والده عبد الله بن سعيد. وقد استمر يحيى قائما بوظيفة التدريس زهاء ثلاثين سنة مع أبيه، ومن بعده. فطارت شهرته في أنحاء سوس وقصده أعلامها للأخذ عنه. وكانت له مشاركة في عدد من الفنون : كالحديث، والفقه، والنحو، والتصريف، والتصوف… وقد كرّس الشيخ يحيى الحاحي جزءا هاما من حياته لنشر العلم، وهو ينتقل بالسّكنى بين زاويتهم في تافيلالت، وفي (سهب زبوز) بأولاد تايمة، وبين تارودانت.

4. رئاسة الزاوية وإعلان الإمارة :

كان الشيخ عبد الله بن سعيد الحاحي من ضمن الذين أودى بهم الطاعون الجارف الذي ضرب المغرب عام (1012ه/1603م)، والذين كان من ضمنهم أيضا السلطان أحمد المنصور الذهبي. وكان من الطبيعي أن ينتقل أمر زاوية زداغة إلى الشيخ يحيى بن عبد الله لرسوخ باعه العلمي وعلو سنده الصوفي. وقد عرفت الزاوية في عهده أوج ازدهارها بالرغم من الأوضاع العامة التي عرفتها البلاد، فقد كان شخص يحيى ضامنا لتبعية قبائل سوس لزاويته واستقرار الأوضاع العامة بالمنطقة. فكرس حياته خلال هذه المرحلة للتدريس وتربية المريدين، فطارت شهرته وقصده طلاب العلم والراغبون في التربية الصوفية السليمة، وتكاثر أتباعه. وقد لخص الإفراني هذه الوضعية بقوله : ” وكانت ليحيى شهرة عظيمة بالصلاح، وأتباع كثيرون كوالده وجده. وتوجهت لزيارته الأمم، وركبت لها النجائب. ”

ولعل هذه المكانة التي تمتع بها يحيى وكثرة مريديه وأتباعه من القبائل السوسية، هي التي جعلت السلطان السعدي زيدان بن أحمد المنصور يستجير به ضد الثائر ابن أبي محلي الذي دخل العاصمة مراكش وطرد منها السلطان الشرعي، فقضى يحيى على هذه الثورة بعد أن هزم جيش ابن أبي محلي في معركة “جليز” عام (1022هـ/ 1613م)، وأعاد السلطان إلى عرشه بالقصر البديع بمراكش. لكن إخلال زيدان بشروط الاتفاق الذي على أساسه ناصره الشيخ يحيى وأعاده إلى عرشه وأهله، و ومن ضمن هذه الشروط : تَرْكُ سبيل الظلم، وتخفيف الجبايات على الرعية، وطرد اليهود من بلاطه وخدمته… كان دافعا مقنعا جعل الشيخ يحيى يخلع بيعة السلطان زيدان ويؤسس إمارة قوية بتارودانت ظل يوسع نفوذها ويدافع عن مقوماتها إلى أن قُتِل مسموما عام ( 1035هـ/ 1626م) فنقل جثمانه إلى زاويته بتافلالت بقبيلة إداوزداغ حيث ضريحه الآن إلى جانب قبر والده سيدي عبد الله بن سعيد.صادق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى