مقالات

المال العربي السايب


انتشر منذ أيام قلائل مضت على شبكة التواصل الاجتماعي مشهد شاب، محسوب على العرب والمسلمين، يقوم، بكل غطرسة ومفاخرة، برمي أوراق مالية على جسد راقصة عربية. ويبدو من المشهد المصور في الفيلم القصير، أن المكان في ملهى ليلي، كما يظهر في الفيلم عدد من الشباب، المحسوبين على العرب والمسلمين، يجلسون وراء طاولاتهم المغطاة بالمشروبات المحرمة، وأمامهم راقصات يتمايلن على أنغام موسيقى عربية. الشاب المستهتر بما أنعم الله عليه من مال، لم يكتفِ بوضع أوراق البنكنوت على رأس الراقصة لتسقط على جسدها المتمايل كالحية السامة، بل يتمادى بدس جزء منها في صدرها، في مشهد مقزز، ثم يقوم بغرف عدد هائل من هذه الأوراق من عربة أحضرها له خدمه المرافقون له، ورميها في الصالة، وكأنه طفلٌ يقوم ببعثرة ألعابه ورميها في الهواء، مما حير العاملين في الملهى، في كيفية القيام بتجميعها من على الأرض، لكثرتها، فهي قد غطت أرض الملهى بكامله.
تذكرت هذا المشهد وأنا أشاهد لقاءً تليفزيونياً من إحدى القنوات الفضائية العربية، مع أحد لاعبي كرة القدم، وهو لاعب لاتيني شهير، ولا داعي لذكر اسمه هنا. سأل المذيع، المُضيف، اللاعب عن المشروع الخيري الذي أسسه في بلاده ؛ فرد عليه اللاعب، مبتسماً، أنه يقوم بإرسال أموال شهرياً، إلى عدد من الأسر الفقيرة في قريته التي ولد فيها على شكل هدايا عينية، هم بحاجة إليها، أما الأموال الأخرى، وهي محددة بميزانية شهرية، فيرسلها إلى المؤسسة الخيرية التي أسسها بمشاركة زوجته، قبل بضع سنوات، وهي عبارة عن مأوى للأطفال اليتامى، لتتمكن هذه المؤسسة من توفير الغذاء والملابس والألعاب، وتربية وتعليم هؤلاء الأطفال حتى يكبروا ويلتحقوا في الجامعات، ويشقوا طريقهم بأنفسهم.
مشهدان لشابين وضعته أمام عيني لأقارن بينهما، فوجدتُ شتان بينهما. الأول شاب عربي مسلم، تربى في بيئة مسلمة، والآخر غير عربي وغير مسلم، وترعرع في قرية غير عربية وبيئة غير مسلمة. الأول يبدو أنه ولد وفي فمه ملعقة ذهبية، والآخر وُلد في بيئة فقيرة، كما ذكر في سياق المقابلة. الأول سفيه، مستهتر بنعمة الله التي مناها عليه، والآخر احترم النعمة وقدرها خير تقدير. الأول تربى في بيئة مسلمة، ويعرف تماماً الحلال والحرام، والآخر تربى في بيئة غير مسلمة، ولا يفقه شيئاً عن الدين الإسلامي، ولكنه عمل بما أوصى الله به ورسوله الكريم خاتم النبيين.
كم كبر الشاب اللاتيني، لاعب كرة القدم الشهير، غير المسلم، في نظري، وهو يقوم بأعمال إنسانية لأبناء قريته التي لم ينسها، رغم تنقله في بلدان عدة، منذ سنوات، كلاعب رياضي كبير تطلبه مختلف الأندية الرياضية العالمية، حتى استقر به المقام في احد البلدان العربية الخليجية. وكم هو فخر لقريته وبلاده التي، مؤكد، سيأتي يوم ليعود إليها إنساناً فاضلاً، يحمل في قلبه حباً عظيماً لها ولشعبها، لأنه ببساطة أحترم نفسه واحترم التربة التي أنجبته واحترم بيئته التي تربى فيها، ورد لها الجميل بأحسن مما يجب. أما هذا الشاب العربي، النكرة، ركل النعمة، وعمله المشين هذا، ينم عن خلل في التربية، وعدم الشعور بالمسؤولية تجاه دينه ووطنه وشعبه وأسرته، إنه نموذج للشباب العربي الضائع في مواخير منتشرة في بلادنا العربية للأسف، حيث يتم إحراق سنوات العمر في مسالكها القذرة، ومعها تضيع أموال طائلة كان من المفترض أن تذهب إلى من يستحقونها من الفقراء والمعوزين في بلادنا العربية، التي تئن شعوبها تحت وطأة الفقر ولعبة الحروب والصراعات الدموية على السلطة، وفي دهاليز السياسة، الساخرة من الإنسان العربي الذي عاش طوال عمره يبحث عن ذاته وهويته المتلاشية.
ما يبعث على الحزن والأسى أن نرى شباباً عربا، لا يفكرون البتة في كيفية إحداث التغيير في أنفسهم، ويرمون مثالبهم على شماعة الأوضاع السياسية والاقتصادية في بلدانهم. الشاب الرياضي الذي استحضرناه نموذجاً للإنسان الخير الذي يناضل من أجل التغيير، عانى الكثير من الصعوبات والعراقيل التي صادفته في ريعان شبابه وهو في بلاده، وليس بخافٍ عما تعانيه بلدان أمريكا اللاتينية من الفقر وانتشار المخدرات وغير ذلك من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، إلا أنه تحدى هذا الواقع وصمم على المضي نحو تحقيق هدفه في الحياة، ولم يستسلم ولم يخنع أو يقف مكتوف اليدين، متفرجاً. وبعد أن وفقه الله وأنعم عليه بالنجاح، لم يكفر بهذه النعمة، بل زكى وتصدق على أبناء قريته، أليس هذا من قيم وتعاليم ديننا الحنيف ؟
الخلاصة، أن الأوضاع المتردية في بلادنا العربية، سببها الأنانية المفرطة للساسة العرب المتواطئين مع الشيطان، الذي يوسوس لهم ويصور لهم بريق السلطة والخلود فيها، وهي سراب، كلما يقتربون منه يتلاشى بريقه، وتخيب آمالهم وأمانيهم لتنتهي حياتهم بالسقوط على وجوههم، آجلاً أم عاجلاً، لتدوسهم أقدام شعوبهم الفقيرة، التواقة إلى الحرية والانطلاق نحو آفاق التغيير والبناء والتقدم، والعيش بكرامة، كبقية الأمم والشعوب في البسيطة. ومن هؤلاء الساسة ومن المقربين منهم، من المتزلفين والمنافقين، يأتي من لا يعي مسؤوليته ولا يفقه دوره في مجتمعه، رامياً وراء ظهره بكل القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية، ويبعثر بما وجده من مال وفير، في مواخير الفساد الأخلاقي التي لا يوجد فيها غير العرب، الباحثين دوماً، عن الشهوة الحرام والجنس الرخيص. لذلك كانت أمة ضحكت منها الأمم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى