مقالات

قامع أكبر ثوراتي’: الشعب يريد إسقاط رئيس وست نساء وكاتب سيناريو!


دخلت الجريدة الالكترونية ‘زمان الوصل’ مجال الانتاج الدارمي بمسلسل إسمه ‘رئيس ونساء’، المسلسل جديد بثت منه حلقتان حتى الآن على ‘اليوتيوب’. ومنذ أن بثت الحلقة الأولى ملأت الدنيا وشغلت الناس، والسبب أن هذا العمل الذي انتظره الناس طويلاً أخذ يتعرض لنقد لاذع من النقاد والجمهور على حد سواء، لكن منتجي العمل يصرون على الترويج له، ربما على اعتبار أن كل نقد أو سخط على العمل يزيد من شهرة المسلسل أكثر!
لكن هل تكفي حلقتان لتقييم مسلسل تلفزيوني أم أن المكتوب مقروءٌ من عنوانه؟!
حقيقة ومهنيا يجب أخذ خطوة للوراء ومحاولة تحليل الشكل والمضمون والابتعاد قدر الإمكان عن التلخيص السريع للانطباعات الأولى وإلا ما جدوى النقد؟
عمل تافه، عمل سخيف، عمل بائخ، عمل سطحي، بالمقابل عمل جيد، عمل كويس، عمل حلو عمل مهضوم.
خارج هذه الثقافة الانطباعية التي يحق لكل متلقي أن يعلن عنها، يجب أن نقول إنه لا يمكن تقييم أي عمل فني من أولى حلقاته. لكن التساؤل ما زال قائماً ما الذي جعل الكثير من النقاد حتى الأكثر حصافة يسارعون لإصدار فرمان تتفيه لعمل الذي لم يشاهدوه كاملاً حتى الآن؟
أعتقد بأنها النوايا الطيبة على أبعد تقدير والتشوق لرؤية عمل فني درامي سوري مناصر تماما للثورة مع فنانين أعلنوا بلا مواربة مواقفهم المنحازة للشعب ومطالبه منذ البداية، يحظون بسمعة طيبة وينظر إليهم نظرة احترام وتقدير.
تبدو ردود الفعل عند معظم المشاهدين، وهم حوالي 25 ألفا على ‘اليوتيوب’ للحلقة الأولى وبضع آلاف للحلقة الثانية، أنهم قد صُدموا وأصيبوا بخيبة كبيرة لأن المسلسل لم يكن على قدر التوقعات؟

كوميديا للتنفيس وأخرى للاختناق

كل المشاهد تجري داخل موقع واحد يفترضه المسلسل حتى الآن هو القصر الرئاسي.
لن يتعب المشاهد في توجيه الإسقاط بشكل مباشر على الهدف، فقد لجأ المسلسل لتقنية الشاشة داخل الشاشة لعرض مشاهد توثيقية واقعية حقيقية تخدم فكرة العمل.
الإضاءة مدروسة والتصوير محترف يخدم التصوّر الفني. اعتمد العمل على الإضاءة لإظهار الوجوه التي تلعب المبالغة بعرض قسماتها وملامحها وانفعالاتها الدور المحوري للمرسَلَة التعبيرية.
الديكور مكتظ في بعض المشاهد كما في مشاهد الحلقة الأولى تشعر المشاهد بضيق لا يتناسب مع الهدف الكوميدي فالكوميديا الساخرة السوداء يفترض أن تساعد على التنفيس لا أن تشعر الإنسان بالضيق والاختناق كالواقع تماما! ومازال الديكور بحاجة للدراسة على الأرجح. وإن كان موظفاً لخدمة البيئة الفنية للعمل.
من حيث الشكل بدت العناصر الفنية متوفرة وجادة وواعدة لانتاج مضمون.
أعتمد الكاتب وهو السناريست والمخرج أيضاً على فكرة محاكاة ساخرة لوضع العائلة (المالكة) في سوريا مغامراً بتقديم القصة المعروفة للجميع بأسلوب تهكمي يعتمد على المبالغة في الأداء لمحاكاة الشخصيات الرئيسية بالواقع، مازجا بين الأزمنة بلا ربط منطقي، عذره في ذلك أن الحدث والشخصيات لا تسير ضمن زمن درامي بمقدار ما تقفز بالزمن على أساس أن المشاهد شريكٌ عارفٌ بالقصص المشغول عليها.
تدور المشاهد الأولى حول فجيعة موت الرئيس الأب، ويصل الخبر بينما كان الرئيس الابن يلعب البلاي ستيشن! تبدو الأم المتحكمة متسلطة، تصدر قرارها بجعل هذا الولد اللاهي خلفاً للأب، عبر كسر واضح لحقيقة الحدث الواقعي، ففي الحقيقة الرئيس الابن قطع دراسته حين قتل أخوه الذي كان يُعدُّ ليصبح رئيساً. وليتدارك الأب خسارته أشرف بنفسه على تثقيف ابنه الثاني ست سنوات كاملة لتحضيره وتهيئته وتعبيد الطريق أمامه.
في المسلسل تدور ليلة موت الرئيس الأب في فلك مجموعة من النساء، الأم المتسلطة والعشيقة والزوجة والأخت والمستشارة.
يُظهر الرئيس عنفا عجيبا، تحت صدى صوت الأم المتسلطة: كون رجّال.. كون رجّال كون رجّال، تفصح عنه مشاهد مصورة لطائرات الميغ وهي تدك الأحياء السكنية.
المشاهد التي تشكل اللوحات تبدو متكلفة وخالية من البهجة، المبالغة التي يعتمدها الممثلون لإظهار البعد الداخلي للشخصيات وتصوير حجم بطالتها وبشاعتها الداخلية غير موفقة، والنتيجة إحساسٌ كبير بالملل رغم أن زمن عرض الحلقة الأولى لا يتجاوز عشرة دقائق!
النص ضعيف، رغم أن كاتبه ومخرجه واحد من أبرز كتاب السيناريو السوريين وأكثرهم جرأة وعمقا في الطرح، فؤاد حميرة. فنصه وإخراجه وحّدا من أمكانيات الممثلين، فهم عادة أفضل أداء بكثير، وكان من المتوقع أن يرفع حضور ممثلة قديرة مثل مي سكاف من سوية العمل ويكون أكثر تأثيراً وعمقاً، لكنها بدت مستسلمة للرؤية الإخراجية الملتبسة، ونحن نكتب من البداية على أمل أن تتغير الرؤية لاحقاً ويأخذ العمل بتدارك الأخطاء وسد الثغرات التي تملؤه.
نعود للنص، يصلنا مباشرة إحساس بأن عدم وضوح الفكرة في رأس المؤلف هو ذاته لدى الممثلين، بينما لم تساعد الحلول الإخراجية المبتكرة من طراز وضع ترجمة للحوار من أغاني كتاب القراءة للأطفال وتحديدا قصائد الشاعر الراحل سليمان العيسى لخدمة ما تقوله الصورة، إنما زاد هذا الصنيع من الإحساس بالثقل والتكلف الكوميدي الذي لم ينجح حتى برسم الإبتسامة لدى شريحة واسعة من المتلقين بدليل الكم الهائل من التعليقات المحتجة.
الحلقة الثانية لم تكن بأحسن حال وإن كان إرجاعُ الرئيس الراحل من الموت لمحاكمة كاتب السيناريو فيها من الدلالات القوية ولكن ما نفذ وكيف نفّذ جعل من الحلقة الثانية أخت الأولى تلقى ذات المصير.
ونحن بانتظار باقي الحلقات علّ شيئا أخر يحدث.

الثورات مفجرة الإبداع

وجد الشباب السوري فرصة في الثورة لإظهار الطاقات الكامنة لديهم من خلال أكثر من عشرين وسيلة تعبير مختلفة. وأثناء مراجعة المرئي منها، كانت هناك عدة محاولات جادة، سبقت تجربة زمان الوصل مع نساء ورئيس، لإنتاج مسلسل سوري ليبث على الانترنت. بتكلفة زهيدة تؤسس لصناعة إعلام بديل بعيداً عن احتكار التلفزيونات، وآليات عمل شركات الإنتاج والتوزيع التي تتطلب عادة علاقات وواسطات ومجاملات وتنازلات وتمسيح جوخ وبوسة إيد!
بدأت المحاولات مع بداية الثورة حيث قام مجموعة من الشباب بإنتاج لوحات تلفزيونية خاصة باليوتيوب بعنوان ‘حرية وبس′.
العمل كان محاكاة للوحات سابقة قام بها بسام كوسا وفايز قزق بعنوان (أمل ما في). لكن هذه اللوحات تكسر فكرة المكان الواحد تغير الموقع مرة إلى ورشة الحدادة وأخرى داخل المعتقل، واستطعت رصد أكثر من سبعين لوحة منها بعضها يرقى ليكون في مصاف احترافي كبير من حيث الفكرة والمعالجة والتنفيذ.
المسلسل الثاني الذي عثرت عليه هو (مصاصة متة)، ويبدو مبتكراً للغاية من حيث استخدام تقنيات مسرح الدمى لصناعة محاكاة طريفة لواقع حال الأسرة الحاكمة إيّاها وصناع القرارالأمني في سوريا، عبر لوحات منفصلة متصلة مشغولة بشكل جيد. لعب الأخوان ملص فيها دورة البطولة مع طاقم عمل جيد، لإظهار عشرات اللوحات الطريفة المليئة بالفكاهة والتوثيق والمحاكاة.
اختياري الثالث هو (ويكي الشام- قصر الشعب) وهو مسلسل يستخدم تقنية stop motion وهي عبارة عن تحريك بسيط لرسوم ‘الأنيمي’. أستطاع مسلسل ‘الأنيميشن’ الساخر هذا حصد عدد كبير من المشاهدات حول نفس الفكرة، فشخصية درامتيكية مثل بشار الأسد وأعوانه مغرية لصناع ‘الأنميشن’. ولو توفرت لمنتجيه إمكانيات فنية للتحريك والاعتناء بالسيناريو لكان العمل واحداً من أرقى ما أنتجه شباب الثورة السورية حتى اليوم.
ويعتبر إنتاج 15 حلقة بإمكانيات فردية بمثابة تحد كبير لمنتجي العمل. فصناعة ‘الأنيميشن’ عالية التكاليف لكن قدرتها التأثيرية كبيرة أيضا، كما يتضح من عدد المشاهدات التي قاربت نصف مليون مشاهد في إحدى الحلقات التي تحمل عنوان ‘قامع أكبر ثوراتي’!
في المقابل هناك محاولات كثيرة غير ناضجة لخلق دراما بديلة أو دراما ثورية، معظمها مستمدة من أرث هذا القطاع الناضج نسبيا. أذكر على سبيل المثال مسلسل (مجنزرة وكلبشة)، والذي بث على قناة ‘سوريا الغد’ على الرغم من أنه يعاني من مشاكل تقنية كثيرة. كما نسخت فكرة مسلسل (بقعة ضوء) من دون أن تترك النسخة المقلدة أي أثر يذكر.
من منطلق إحساس السورين بالحاجة لدراما ناجحة تحكي عنهم وعن معاناتهم وعما كابدوه طيلة الثورة، يأتي غضبهم وسخطهم على عمل أقل من المنتظر ومن المأمول. فلطالما كانت حياة السوريين مادة دسمة لدراما الدموع والضحك على حد سواء. المنحازون للثورة السورية انتظروا خروج مسلسل ناضج من قبل الفنانين الذين لم يخبوا أملهم في إعلان الذين أعلنوا موقفا صريحا من النظام، بينما خرس النجوم وشبّح المشاهير، فجاء مسلسل ‘رئيس ونساء’ كأول عمل فني يقوم به محترفون بهذا المجال… هل وصلت الرّسالة؟!
القدس العربي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى