مقالات

فضائيات الترفيه الإعلامي العربي: اختطاف وتبعية وتلصص!


في العالم العربي الذي يعاني من شُح الأفكار الإبداعية، وشح الإمكانيات الإنتاجية، تتطلب حمى التنافس إعادة إنتاج المحتوى الإعلامي الغربي، حيث طبق الإعلام العربي دون وعي أنماط الاستهلاك الغربية، كما يفعل في كثير من عادته الاجتماعية، وتطور التماهي مع الغرب إعلامياً في جلب المزيد من برامج الجنس والفضائح التي برزت في الفضاء العربي كنتيجة لانعدام التخطيط في أغلب الفضائيات العربية.
فظهرت دعوات تطالب صراحة بتوسيع حدود الموضوعات، والضغط المستمر على نوع معين من البرامج بما يخدم طلبات ورغبات الجمهور، وإستراتيجيات الأنظمة الحاكمة؛ هذه الدعوات غير نزيهة مطلقاً؛ فالفضائيات العربية بصورتها الحالية مختطفة من بعض الأفراد ممن يحملون أفكاراً غير أفكارنا، وقيم غير قيمنا، ومن يجرؤ من الباحثين العرب على تحليل محتوى ما تبثه الفضائيات العربية يكتشف أنها لا تمتلك حتى الآن رؤى إستراتيجية لكيفية توظيف قنواتها الفضائية لخدمة مصالحها الوطنية، فكيف يمكن لها أن تخدم جمهورها بشكل أخلاقي!

نفايات شركات الإنتاج الإعلامية

أمست الساحة الإعلامية العربية مستوعباً لنفايات شركات الإنتاج الإعلامية، تتلقى من الخارج أفلاماً ومسلسلات وبرامج لا تخضع لاشتراطات الرقابة والأخلاق العامة مما جعل الجمهور على اختلاف مراحله العمرية يُقلد ما يشاهده تلقائياً، فتكسرت الحواجز بين الذكر والأنثى، وشاع الفراغ الذهني والثقافي، ووفق هذا النمط يتم الآن إعادة إنتاج الإنسان العربي اسماً وشكلاً ولكن المحتوى؛ الله وحده يعلم خطورته في المستقبل بعد أن تحوّل الجمهور في الغالب الأعم على شكل وروح واحدة.
وهنا لا يمكن انكار رغبة الكثيرين في التقليد الأعمى لكل ما هو غربي او لكل ما هو مخالف لطبيعتنا العربية، وإضافة إلى ذلك فالغرب بقوته الإعلامية نظم هو الآخر عملية إجلاء قسرية ضدنا لكل مواقع الممانعة الثقافية والوطنية والقيمية، وبات الإعلام العربي بكل تشعباته الفكرية والثقافية أسيراً لعملية الاحتلال الثقافي، رافق هذا الاحتلال فساد الإدارة الضابطة وانشغل الإعلامي بما هو هامشي، وتغلبت الأهواء القطرية على القومية، وعزل الإعلامي نفسه في مبررات محلية ضيقة حجبت عنه الأهم تحت دعوات الإنشغال بالهموم المحلية.
وفي المقابل توحدت الفضائيات العربية المتقاربة في الشكل والمضمون وأصبح لها مراكزها الخاصة لبث وتبادل الإفساد وإن كانت غير معلنة، وتوحد بعضهم في مجموعات إعلامية لتخويف المعارضين، وعمدوا إلى بناء التشكيلات حتى في شركات الإنتاج الإعلامية، وأصبح لهم كادرهم الخاص لكل مراحل الإنتاج بدءاً من الفكرة ووصولاً إلى أقنية البث للمشاهد المغلوب على أمره الذي لا يدرك خطورة الاندماج.

أين الالتزام الأخلاقي تجاه الموضوعات الإنسانية؟

إن جميع المبادئ والمواثيق التي أكدت على مبدأ حرية التعبير والرأي، نظمت مسؤولية وسائل التعبير والتزامها الأخلاقي تجاه الموضوعات الإنسانية، وكُل ما صدر من إعلانات ومواثيق، تعرضت اليوم لنكسة كبيرة ليس بالتجاوز والاختراق لنصوصها؛ لكن بالعبث بالقيم التي أعلنتها من خلال توظيف وسائل الإعلام لأغراض لا إنسانية تمنح القويّ سلطة المصادرة والإلغاء، وأضحى مبرراً ومقبولاً أن تقوم وسائل الإعلام باستخدام الحيل والأكاذيب لتزييف الوقائع عبر الحذف واللصق أو إعادة صناعة المواد الإعلامية.
فغاب تقدير أهمية الوقت عند المشاهد لأن معايير المتابعة اختلفت، وأصبح المشاهد يتقبل ما يبث إليه وهو مستسلم تماماً بعد أن حطم الإعلام أهمية قيمتي ‘الوقت والقيمة الاجتماعية’ لصالح الاستهلاك السريع والإثارة، وإلا كيف سمحت الثقافة اللحظية لأفلام عربية متعدد بالبث متضمنة عبارات ومشاهد خادشة للحياء والآداب العامة وحكايات مكررة تبدأ وتنهي في ملهى ليلي وخمور ودعارة ومخدرات وعصابات دولية.
وفي التبرير يتذرع الكثير من المنتجين والفنانين والمخرجين المدافعين عن هذا النمط من الأفكار أنها تحاكي المجتمعات العربية، وأن مقص الرقابة هو السبب في ولادة حالات الكبت النفسي والضياع الجنسي في المجتمع، ولهذا لجأ المضطربون إلى إخفائها إما خوفاً أو نفاقاً من المجتمع، أو أن الظروف الراهنة تقف عاجزة أمام حرية الإبداع.
وظهر من يدافع عن واقحة المعروض تلفزويونياً، فعلى سبيل المثال قالت رنا الأبيض في صحيفة شيحان الأردنية 13 يونيو 2011م، أن جرأة المعروض تلفزيوينياً لا تفوق واقحة جرأة الواقع، واكدت إنها تعكس الواقع المجتمعي العربي الذي يشهد حالات من الزنا الفكري واللفظي أكثر مما تقدمه الدراما، مشيرةً إلى أن هناك أزواجًا في مجتمعاتنا يقومون بممارسة مهنة ‘القوادة’ على نسائهم والمتاجرة بهن’، ولكنها نسيت في خضم اندفاعها لتبرير انحدار المستوى الإبداعي واللجوء إلى مشاهد وأفكار الزنا؛ أن نسبتهم من المجتمع ضئيلة جدًا، ولا تستحق التعريف بهم وبتصرفاتهم تلفزيوينياً إلا من أجل غاية الله وحده يعلم منتهاها!!
وللأسف أصبحت موجات الإغراق والإسفاف والتقليد في الفضائيات العربية سياسة متعمدة تهدف إلى تسطيح الذاكرة ومسخ الأذواق، وتشوية التاريخ وتهجير كل ما هو جاد في حياتنا، وهي سياسة واضحة المعالم محددة الأهداف للإجهاز على كل ما هو راق في ذاكرتنا الجماعية، وما تقدمه الفضائيات العربية بصورتها الحالية لا يتعدى عن تقديم نماذج مشوهة مقطوعة الصلة بالواقع، وجدت لها طريقاً في سوق المنافسة، وتحولت الشاشة إلى مصنع للنجوم لأغراض تجارية، لها علاقة بشكل مباشر بسيطرة الإعلان على الفضائيات، فتحولت التسلية إلى تمجيد للمنتج الإعلاني.
وأمام هذا يظهر التساؤل الذي يدور في ذهن المشاهد العربي وهو: ما القيمة المضافة التي تقدمها تلك الفضائيات ببرامجها؟ وما هي القيم والأفكار العائدة للفرد العربي الذي يبقى مشدوداً فاغراً فاه لمتابعة أحداث تقدم على الشاشة بدون خجل ودون التفات إلى الضمير المهني والوازع الديني والأخلاقي، ويُصرف عليها الملايين لإلهاء الجمهور عن واقع حياتهم وصرف انتباههم إلى اهتمامات اخرى.

فضائيات عدائية وتلصّص ونرجسيّة

وللأسف برامج الفضائيات المجدولة تحت بند المسابقات والاتصال والربح هي الأكثر متابعة، وهي التي أسهمت بشكل واضح في غياب القيمة الحقيقية للإعلام الفضائي العربي، بعد أن ركزت على نوع واحد يمكن جمعه تحت مسمى (الرقص) الذي يخاطب الغرائز والجسد، والمحرك الرئيس له راية حرية التعبير التي ترفرف فوق الراقصات!! والتبرير الاجتماعي والأمني لهذه الحالة هو حاجة الجيل الجديد إلى إظهار النزعة العاطفية لإبعادهم عن الإرهاب والتطرف!! فهناك من يقول ‘لو إن العالم العربي بأسره تحول إلى ستار اكاديمي تغني فيه الشعوب وترقص في الشوراع بنات وشباب لما ظهر في العالم الإسلامي الشباب الإرهابي’.
وتلك الفضائيات قدمت أنواعاً مختلفة من برامج الترفيه قائمة على عدائية وتلصّص ونرجسيّة وتفاهة وبلاهة، كلّها تدعو المشاهد إلى التلذّذ بصورة طفوليّة ومنحطّة، قدموا فيها ما هو فاسدٌ يضرّ بالجسد أولاً ويلوّث العقل أخيراً.
إن تعود المشاهد العربي على اهتزازات الجسد وهو الأمر الواقع حالياً في الترفيه الإعلامي العربي وقائم على طرق وأساليب لا شعورية، أسهم في تكوين جيل جديد ممسوخ ثقافياً، وتكرار مشاهد الرقص وتعويد الجمهور عليها بحجة متغيرات العصر فإنه وبكل بساطة يمحي الإرث الحقيقي للأمة بكل ما تحمله من قيم، ويستبدله بالقيم الاستهلاكية التي يروج لها الإعلام والتي تدور في أغلبها لافساد قيمتي العفة والأخلاق التي من أجلها ظهرت الكثير من برامج الفضائيات العربية!!

الترفيه المُقلد ثقيل الدم!

للأسف أصبح عقل الجمهور مغيّب يستقبل ما يقدم له دون تمحيص، فتعطل التفكير الذي أسهمت فيه البرامج، ونتج عنه عدم قدرة الجمهور على الحكم والنقد، وحتى الرفض لأي فكرة تُقدم له، وأصبح الجمهور متلقي ساذج لكل ما يبث دون محاكمة أو حتى مراجعة من طرف عقله، لأنّ عاملي الدهشة والانبهار التي تقوم عليها الصناعة الإعلامية طوّقته تماماً من مختلف الجهات كما يطوّق ثعبان ‘الأناكوندا’ جسد الضحية ويسحق عظامها قبل افتراسها.
والتعود الذي نشاهده عند الجمهور يزداد يوماً بعد يوم، وكذلك الفضائيات التي تقدم الترفيه ثقيل الدم المُقلد تزداد هي الأخرى يوماً بعد يوم، فتراجعت ثوابت الجمهور وأصبحت البرامج مثل الوجبات السريعة تأتي جاهزة، وما على الجمهور إلا المتابعة لتبدأ أفكاره في الانسلاخ تلقائياً.
هذه التبعية التي تغذي عقل المشاهد العربي تقوم على تعزيز عقدة الشعور بالنقص من خلال إبراز النمط الغربي على أنها الحياة المُثلى السعيدة التي يجب أن يسير عليها الجميع.
إننا أمام حالة غير مسبوقة من الإنحطاط الإعلامي وسوف تسألنا عنه الأجيال مستقبلاً بعد أن سمحت مواثيق الشرف الإعلامي العربية بافتتاح قنوات للرقص وفي المقابل أغلقت قنوات ديينة تحت حجج التحريض.
تارودانت نيوز
عن-القدس العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى