مقالات

الغـابــةُ لا الشّجَــرة


ما كَرَّسَتْهُ النظريات الشِّعرية القديمة، عند العرب، وهو ما سينعكس سَلْباً على الكتابات الحديثة، هو أنَّ الشِّعر، هو الوزن، وما تبقَّى، ليس بنفس قيمة هذا الدَّالِّ، كونه’ الدَّالّ الأكبر’، أو هو ‘القيمة الشعرية’ التي لا يمكن أن يَحْدُثَ الشِّعر دُوُنَها.
هذا ما جعل النقاش الذي دار حول الشِّعر، في الخمسينيات من القرن الماضي، يَنْصَبُّ حول هذا العُنْصُر، وهو ما ظّلَّ مُسْتَمِرّاً، خصوصاً مع ما سُمِّيَ بـ ‘قصيدة النثر’، دون النَّظر إلى الشِّعر، باعتبار ماضيه، أو بالعودة إلى أصول مفهوم ‘الشِّعر’ ذاته، لِمُراجَعَتِها، وإعادة بناء فرضياته، التـي تَمَّ تَعْتِيمُها، بمفهومٍ آخر مُهَيْمِنٍ، هو مفهوم ‘القصيدة’ التي كانت أساس ما تَمَّ تكريسُه من ‘قواعد’ و ‘قوانين’، كان لعصر التدوين دور اللحظة الحاسمة في تَثْبيتها، وفـي اعتبارها، ما سَيُمَيِّز الشعر العربي عن غيره مِنَ المقترحات الشِّعرية المُصاحِبَة له، أو باعتبـاره، التَّوْقيعَ الشَّخْصِـيََ للثقافة العربية، قياساً بما كان عنـد ‘الآخر’، غير العربيِّ.

حين شَرَعَ النَّصُّ في ابْتِذَال القاعدة، وفي تغيير قوانين الشِّعر، أو في تشويشِها، بالأحرى، عاد النقد، أو مَنْ عَمِلُوا على ممارسة الشِّعر نقداً، إلى الاحتماء بـ ‘القاعدة’، وإلى إحياء المفاهيم والنظريات، ليس في أصولها البعيدة، بل في ما أصبح بمثابة البديهي والمُسَلَّم به، من قبيل حَصْر’الشعر’ في ‘القصيدة’، أو تعريف أحدهما بالآخر، دون العودة بكُلِّ واحد منهما إلى مصدره، أو إلى الأصل المَفْهُومِيِّ الذي جاء منه، أي ‘التَّسْمِيةَ’ بالمعنى الهايدغري، بما في ذلك الأصل اللغوي الذي يجمع بين الاثنين، أو يفصل بينهما.
*أعيدُ، هنا، ما كُنتُ قُلتُه وكتَبْتُه فـي أكثر من مكان، فـ ‘الشِّعر’ لُغَةً، ليس جمعاً بل كثرةً، وحتـى إذا اعتبرناه جمعاً، فهل ‘القصيدة’ مفرده؟
*في غير العربيةِ، الفرنسية، تحديداً، هذا الإشكال غير مطروح، لأنَّ الأصل اللغوي بين Po’me وPo’sie هو نفسه، وهو ما يجعل من مشكل ترجمة Po’me بـ ‘قصيدة’ من قبيل إسقاط مفهوم له بنـاؤه، وأصوله المفهومية على مفهوم لا يحمل نفس المعنى، وهذه من مُعْضِلات الترجمة عندنا.
ما يزال الشِّعرُ، عندنا، وهو يدلُّ على الكثرة والتنوع، وليس على الجمع، وهذا هو معنى أصل المفهوم، يعيش على مفهوم ‘القصيدة’، وعلى ‘تأسيسها’ بتعبير ابن طباطبا العلوي، الذي كان من مؤسِّسي المفهوم، أو الدَّاعين إلى تأسيسه، أي بنائه، حتى لا ينفرط ‘عيارُه’.
مشكلةُ الشِّعرية العربية المعاصرة، هي مشكلةٌ مفهومية بالدرجة الأولى، كون هذه الشعرية لم تُؤسِّس مفاهيمها، وبقيت تعيش على مفاهيـم ‘القصيدة’، في ما هـي سَعَت للخروج علـى النموذج القديم، أو سَعَت لِـ ‘تأسيس′ مفهوم ‘الحرية’ في الشِّعر، وهو، بالأسف، مفهوم، كانت، هو الآخر تستعيره من مرجعٍ، فَهْمُه للحرية، وممارسته لها، كتابةً، كان أكثر جُرْأَةً وتَحَرُّراً، مما أقْدَمَت عليه تجربة ‘الشِّعر الحر.’
‘ القصيدة’، في بنائها، وفي ‘تأسيسها’، جاءت من الممارسة الشَّفاهِيَة، والشَّكْلُ، أو التوزيع الذي كُتِبَت به، كان انعكاساً لهذه البنية المُتَرَسِّبَة في قاعها، وهو ما ينسجم مع طبيعة الزَّمَن الذي جاءت منه.
*هل زمن ‘القصيدة’ كاختيار شفاهيٍّ، هو زمن ‘الشِّعر’ باعتباره اختياراً مفتوحاً على مقترحاتٍ، عملت النظرية النقدية القديمة على طَمْسِها وتهميشها، في مقابل دَعم ‘القصيدة’، وهي اختيار واحد مفرد، هو النموذج ‘الجاهلي’ الذي قَبِلَ به ‘المُدَوِّنون’ العرب، رغم أنه جاء من خارج الدِّينِ، أو كان، في قاعدته العامة، شعراً ‘وَثَنِياً’ ؟
*ما سيجعلنا نذهب في مشروعنا الشِّعري إلى ‘الكتابة’ باعتبارها ممارسة شعرية بمعنيين، فهي مفهوم بطبقتين، وهو ما يجعلنا نحرص على كتابته بخط أسود بارزٍ، كونه يحمل في طياته، معنى ‘الشِّعر’، أو هو ممارسة شعرية، بكل تمظهراتها الكتابية الغرافيكية، أي ما له علاقة بالصفحة، والكتابةُ، باعتبارها وَعْياً له علاقة بالخط، وبمزاولة الكتابـة بحسب ما تقتضيه وضعيـة النص علـى الصفحة الواحـدة، أو الصفحة المزدوجة، كما كان هَجَسَ بذلك مالارميه.
الوعي الكتابي، هو غير الوعي الشفاهي، وهذا ما جعلنا نقترح، في كتابَينا ‘حداثة الكتابة فـي الشعر العربـي المعاصر’، و ‘الكتابـي والشفاهي في الشعر العربي المعاصر’، مفهوميْ ‘حداثة القصيدة’ لِنُشِيرَ به إلى ما سُمِّيَ، في حينه بـ ‘الشعر الحر’، و ‘حداثة الكتابة’ لِنَدُلَّ بها على ما يتجاوز هذا المفهوم، وما يتجاوز الممارسة الشعرية المُصَاحِبَة له، بما فيها ‘قصيدة النثر’، التي نرى أنَّ الأشكال التي أصبحت تُكْتَبُ بها اليوم، هي أكبر من هذا المفهوم، وهو ما لم تَسْتَشْعِره حتى سوزان برنار نفسها، في مقاربتها لنماذج، هي في ممارستها النَّصِّيَة، توسيع لأرضِ اللُّغَة نفسها، بإعادتها إلى أصلها الشِّعـريِّ الذي لم تكـن فيه المسافة بين لُغَـةٍ لـ ‘النثر’ ولُغَـةٍ لـ ‘الشعر’ قد حَدثَت بعد. هذا ما تؤكده اليوم النصوص الإبداعية المُؤَسِّسَة، أعني النصوص الأولى، في كل الثقافات الإنسانية، وهي اليوم مُتَاحَة، وأصبحت رَهْن يَدِ القارئ.
الكتابةُ، بالمعنى الدِينامِيِّ المفتوح، وبوعي النَّصِّ كممارسة كتابية، تَتِمُّ على الصفحة، في إبَّانِها، أي في لحظة الكتابة، وبما تَتَّخذه من تنويعات، في التوزيع الخطيِّ، وفي أشكال الحروف وأحجامها، في مظهرها الخَطِّيِّ، وانتقال النص من الوزن إلى الإيقاع، ليس كدالٍّ أكبر، بل كدالٍّ أوْسَع، وبتوسيع أفق اللغة، دون حَصْرها في لُغَةٍ للشعر، أو بالأحرى لـ ‘النَّظْم’، وأخرى للنثر، كما عَمِلَت الشعرية القديمة على تكريس الفرق بينهُما، أو اختلاق لُغَتَين، الفاصلُ بينهما كان دائماً، نوع من الوَهْم، الذي كان أبونواس، وأبو العتاهية، بشكل خاص، خَرَقاهُ، ما جعل النَّقْدَ يُوَاجِهُهُما؛ الأول، بما أدخله من تعابير ‘المتكلمين’ و ‘الفلاسفة’، في شعره، والثاني، بِجَرِّه الشعر إلى الكلام العام، أو البسيط، أي إلى ما كان يُعْتَبَرُ من قبيل ‘النثر’.
وأيضاً، بنقل النص من الغنائية التي كان الصوت الواحد فيها هو الحاضر، إلى النص المًرَكَّب، ذي الأصوات، والضمائر الكثيرة المتداخلة، أي بإضفاء البناء المسرحي ـ الدراميِّ على النص، من خلال الحوار، وأيضاً السرد، وأشكال الاسترجاع المختلفة التي إمَّا أن تكون عودةً إلى الماضي، من خلال الحوار مع مرجعياتٍ قديمة، من التاريخ أو التصوف أو الشعر نفسه، أو بالعودة إلى الذاكرة نفسها، كاستعادةٍ لمشاهد، أو لحظاتٍ، لها علاقة بسياق النص، أو بفكرته.
كل هذا وغيـره، أصبح من المقترحات التـي خـرج بها الشِّعر عن ‘القصيدة’، ونَقَلَ بنيـة النص الشِّعريِّ، من البساطة إلـى التركيب، ومن الدّال الواحد المُهَيْمِن، إلى تَعَدُّد الدَّوَالِّ وتشابُكها.
*هل، في مثل هذا الوضع، تستطيع ‘القصيدة’ كمفهوم، وكـ ‘بناء’، أن تُمَثِّلَ هذا البناء المتشابكَ المُرَكَّبَ، وأن تكون انعكاساً للوعي الكتابي الذي تمثله الشعرية المعاصرة، من خلال تراكُب الدَّوالِّ، ومن خلال، ما سمَّاه ميشونيك بـ ‘القيمة الشِّعرية’، باعتبارها هي المحك الذي يمكن أن يضع النص في سياق الشِّعر، بمعناه الكثير والمتعدِّد، أي بما هو اقتراح مفتوح على كل الاحتمالات، وأشكال البناء، لا باعتباره شكلاً حاسِماً مُنْتَهياً، لا يقبل الزيادة ولا النُّقصان؟
*هذه من المآزق التـي سقط فيها النقد النمطـي، الذي ظلَّ وفياً لتجربة ‘الشعر الحر’، التي وجد فيها، رغم ما تعرضت له من نقد، في بداياتها، البديل الأفضل، قياساً، بما أصبح يَفِدُ عليه من مقترحاتٍ، نَأَت بالشعر عن ‘القصيدة’، أو تركت الوزن وراءها، وذهبت إلى الإيقاع، الذي ما زال هذا النقد، أو هؤلاء النقاد، يَتَلكَّأون في استيعابه نَصِّياً، لأنهم لم يُرَوِّضُوا آذانَهُم، أو ما يُسَمُّونَه بـ ‘الذائقة الشعرية’، على هذه الأصوات الجديدة، التي هي انعكاس لأصوات الواقع النثرية، أو ذات النَّفَس المُتَشابِك الذي لم يعد يسير بنفس وتيرة تفاعيل الخليل، ولا بنفس وتيرة تفاعيل نازك الملائكة، والشُّعَراء الذين لم يستطيعوا ابْتِدَاعَ إيقاعاتِهم الخاصة بهم.
هذا ما كان حُجَّةَ حجازي، الذي ما زال يستشير مُعْجَمَـيْ ‘لاروس′ و ‘لوروبير’، لإعطاء معنًى لمفهوم الإيقاع، وكأنَّ ما تُقَرِّرُه المعاجم، يصير أكبر من النص، إذا حاولنا أن نستعيد، ما قاله أبو العتاهية بشأن العروض.
جَرَتْ مياه كثيرة تحت الجسر، وحجازي، ومَنْ يسير على ‘إيقاعه’، لا يَرَوْنَ صيرورةَ الماء، أو يكتفون بالنظر في الماء دون إدراك تَمَوُّجاتِه.
ما تزال ‘القصيدة’ هي ما يحكم رؤية هؤلاء للعالم، وهي رؤية معيارية، لم تخرج عن نُظُم الشِّعر، كما جاءتنا، في جوهرها، من قديم الشِّعر، أي من ‘القصيدة’ كمقترح شعريٍّ، حَجَبَ غيره، أو صار هو ‘عيار الشعر’، وليس فقط عيار ‘القصيدة’.
ما نحنُ بصدده، في هذا الكتاب، هو تأكيدٌ للِصَيْروُرَة. المفاهيم والمعايير التي بها نقرأ الشِّعر، أو نُسَمِّيه، نعمل على تقويضها، ليس نظرياً، أي من خارج النص، وما يُصاحبه من ‘نقد’، بل من خلال النص الشِّعريِّ، كما يجري اليوم في الشِّعرية العربية المعاصرة، ومن خلال تأمُّلنا في المقترحات المختلفة عند مَنْ ما زالوا يُنْتِجون، ويكتبون، وليس عند مَنْ انْحَسَرَت تجربتهم الشِّعرية في زاوية من زوايا هذا المشهد الشِّعْريِّ الفُسَيْفِسائيِّ، الذي ليس من السَّهْل حَصْرُه في ‘القصيدة’ ولا في شكل بنائها، ولا في المفهومات النقدية التي ما تزال تعيش على الماضي، البعيد والقريب معاً، دون وعي الصيرورة، وما حَدَثَ من تجاوُز في هذا السياق.
تقتضي الحداثة الشِّعرية أن نواكب تحوُّلات النص، ما يعتري الكتابة الشِّعريةَ من اختراقاتٍ، فنقد الشجرة التي تخفي الغابةَ، لم يعد يصلح لقراءة شِعْرٍ نَافِرٍ، خرج عن ‘الطَّوق’، أعني طوق المعايير التي طالما وجد فيـه النقد مُتَّسَعاً لإضفاء الشَّرعية الشِّعرية علـى هذا الشَّاعـر، ونفيها عن غيره.
الغابةُ اليوم، هـي الأفق الذي يمكن أن يُتِيحَ لنا النظر فـي الشِّعـر، وقراءته، دون حَصْره فـي مثال، أو في نموذج. انتهـى شعر النموذج، وأصبحت الشِّعرية المعاصرة، تَحْتَكِمُ فـي شِعريتها للقيمة الشعريـة، وهي، هنا، ليست معياراً، أو حُكْمَ ‘قيمة ٍ’، بل إنها تحمل معنى الإضافة، والتَّنَوُّع، وتؤكِّد معنى الكثرة في الشِّعر، كما تجعل من الوعي الكتابي، يكون أحد أهم تأسيساتها، في ما هي لا تنفي الشفاهية في الشِّعر، بل تعمل على الحَدِّ من هَيْمَنَتِها، وتحويلها، بالتالي إلى قيمة مُضافةٍ، وليس إلى قيمة شعرية كُلِّيَة، كما يحدُثُ حين نُعلي من قيمة الوزن والإيقاع، ونجعلهما ‘الدال الأكبر’ في الشعر.
في هذا العمل، وهو جزء من مجموع ما كتبناه، شِعْراً ونَظَراً، هو تذكيرٌ للنسيان، بتعبير فوكو، فالغابة هي ما علينا أن نذهبَ إليه، لا الشجـرة، إذا أردنا أن نُدْرِكَ ما يَحْفـَل به الشعـر اليوم، من تَنَـوُّع واختلاف، وما يحفل به من اختراقات.

عن منشورات الاختلاف ودار الأمان وضفاف ببيروت، صدر للشاعر صلاح بوسريف كتاب نظري في الشعر بعنوان ‘الشِّعر وأفق الكتابة’ من القطع الكبير، ويتوزع الكتاب إلى مجموعة من الفصول: ‘الشعر وأفق الكتابة’ و ‘ما بعد القصيدة’ و ‘القيمة الشعرية’ و ‘في صداقة الشعر’، إضافة إلى مقدمة، بعنوان ‘الغابة لا الشجرة’:

تارودانت نيوز
عن القدس

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى