مقالات

تصريح بضياع بطاقة هوية وميلاد حالة مدنية


تعتبر تارودانت المدينة la médina تجمعا تاريخيا يستحق مكانة مناسبة في التراث الوطني، لذلك وجب أن يخضع على الدوام أي تغيير لمعالمها المعمارية في اطار التحولات الحضرية لمعايير خاصة تراعي الجوانب العمرانية والمؤهلات التجارية ، لأن مجموع ذلك التراكم التاريخي وتداخل بعضه ببعض، جعل تارودانت المدينة تعد مند عقد السبعينات من القرن الماضي وجهة سياحية وطنية ودولية بامتياز، لما تتميز به من التراث المعماري الأصيل والمنتوجات الطبيعية والصناعة التقليدية المحلية، حتى أضحت اليوم تارودانت المدينة موطن استقرار عدد من الأشخاص الأجانب الذين يقدرون قيمة الأصالة التقليدية وحجم الموروث التاريخي وغنى وتنوع الفضاء الطبيعي بالمحيط .

للأسف الشديد، تبقى مجموع هذه الخصوصيات غير مؤهلة ولا يتم استثمارها بشكل يحافظ على ما هو موجود والبحث عن المفقود، حيث أصبحت اليوم تارودانت المدينة نسخة هجينة بين الحاضرة التاريخية ونمط المدينة العصرية، نسوق هنا حصريا نموذجين الأول تجاري والثاني عمراني، قبل ذلك تجدر الإشارة أن هذه الورقة مجرد قراءة ووجهت نظر لتصحيح المظهر الحضري وارجاع الوضع الى نصابه التاريخي وتغليب جانب حس المسؤولية الجماعية المشتركة على المنفعة الفردية والمصلحة الذاتية.

مبدأ القراءة من السوق البلدي المسمى مند القدم جنان جامع والذي يعد “رواق” تجاري مركزي بالمدينة، فيما يعرف في قاموس السياحة الأجنبية بالسوق البربريle marché berbère ، جميل أن توجد مطحنة عصرية وسط فناء “رحبة” الزرع ، لكن ما ليس مقبولا أن توجد جوارها ورشات للنجارة وجوار ورشات النجارة نجد محلات المطعمة، وقد تجد مثل هذا الوضع التجاري بصورة مغايرة في نقط معينة من شوارع المدينة حيث يتجاور صاحب المطعمة السريعة وتاجر التجهيزات المنزلية أو الأفرشة والبقالة مع حرفي المهن الملوثة والمحدثة للضجيج بل هذه الأخيرة استوطنت عمق الدروب والأزقة السكنية المفروض أن يسود فيها الهدوء والراحة والسكينة .

عدد من هذه الحرف والمهن بل جميعها دون استثناء، قبل أربعة عقود كانت محصورة في نقط معينة يقصدها المتبضعون دون لف أو دوران وبحث وسؤال والترجل من مكان الى آخر، الرودانيون يتذكرون جيدا أسماء أماكن هي في الواقع علامة تجارية “لا يبغون عنها حولا” رغم أنها استبدلت قصرا نذكر منها سوق الخضارة يجاوره فندق الكتان وفندق الثمر والسكر يجاورهما دريبة الصوف ثم العطارة وتسمى كذلك زنيقة الدجاج مدخلها قوس من آجور الفخار يعد سابقا واحدا من خمسة أقواس لحرم الولي سيدي وسيدي؛ زنيقة الدجاج أو العطارة تفضي بدورها الى فناء رحبة الزرع والخضر وهو” براح أرض في ملكية المكرم الحاج العباس بن عمر المصلوحي المراكشي الذي جعل البراح وقفا حبسيا على ضريح الولي سيدي وسيدي يبيع فيه المسلمون الزرع والخضر وغير ذلك مما يباع ولا يحسد فيه أحد أحدا وكل المسلمين فيه سواء. العقد الحبسي حرر قبل221 سنة أي في سادس دي القعدة الحرام 1214هـ ” الفناء المذكور بعد تحويل السوق الى جنان جامع مطلع السبعينات، سيُعرف مند ذلك التاريخ باسم الرحبة القديمة وتوجد بها كذلك صابة العسل وفوقها ” مصرية ” الغزل؛ يتفرع عن فناء الرحبة زقاقان الأول يسارا وهو المسمى سيدي وسيدي خاص ببيع أحمال حطب الزيتون والأركان، فيما الزقاق الثاني قبلة يعرف بصف الخرازة، كان من بين الحرفيين الذين يشتغلون فيه ويمتلكون به ورشة حرفية رودانيون بسطاء “يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف لا يسألون الناس إلحافا”، ومع ذلك أسدوا للاحتلال الفرنسي بتار ودانت ضربات قوية موجعة وصفعات مدوية هزت أركانه الأمنية والعسكرية. من زقاق الخرازة الذي ينتهي بقوس آجور وهو ثاني مدخل لحرم سيدي وسيدي يتفرع عنه منفذان، الأول يمينا وهو السوق الكبير الذي يمتد طولا وينتهي بسوق السروج “الحلايسية” والثاني يسارا وهو سوق السماط أو “البلايغية”، لم يتبقى منه الا بضع متاجر يجلس في عمقها رجال كهول تجلل وجوههم مسحة وقار ما جعلهم يفضلون الانزواء داخل المحل عوض الجلوس ببابه وانتظار الذي لا يأتي الا مع المناسبات العائلية والأعياد الدينية. تجمع حرفي آخر مجاور لهذه السلسلة التجارية امتهنه على الخصوص يهود تارودانت حيث برعوا فيه وتفننوا وأتقنوا هو سوق الصياغة الخاص بحلي الفضة وأحجار اللوبان السوداني الحر وبقية أحجار الزينة التقليدية، كانت به عشرات الدكاكين ذات الأبواب الخشبية المزدوجة ، يليه فناء/براح “الجوطية” تحيط به دكاكين حرفة نسيج الدراز والتجارة المتعلقة بها من غطاء أفرشة وكساء ألبسة، أما باحة “الجوطية” فيعقد بها مرتين في الأسبوع يومي الخميس والأحد سوقين، الأول للسمسرة “الدلالة” أما الثاني فيخصص لبيع المستعمل من الأواني المنزلية النحاسية والمعدنية وأدوات العمل الحديدية والخشبية وكل ما نال منه الزمان وتهالك بكثرة عمل الإنسان لكنه لازال صالح نسبيا للاستعمال.

ماذا يمكن أن نقول اليوم بخصوص النقطة الأخيرة لوحدها فقط كملاحظة تسجل في إطار ضياع بطاقة الهوية وتبني حالة مدنية ، بائعوا الأفرشة والأثاث والأواني والتجهيزات المستعملة وحتى قطع الغيار الميكانيكية والاليكترونية أصبحوا منتشرين في كل حي، دون الحديث عن المحلات التي تكون مناسباتية، والتي تفتح أبوابها وفق إجازة العامل المهاجر، مثلها حرفة الخرازة العصرية التي أبدعت فيها يد الحرفي الصانع التقليدي الروداني، هم مجموعة من الشباب لم تسعفهم الظروف في متابعة دراستهم، يعملون على وجه التضامن فيما بينهم لإنشاء ورشات عمل صغيرة منزوية بسومة كرائية شهرية، غالبا في دروب ضيقة ويشتغلون حتى وقت متأخر من الليل، رغم كل الصعاب المادية والمطبات التسويقية فهم يصنعون منتوجات جلدية تقليدية غاية في الإتقان والجودة والإبداع الفني بثمن رمزي لا يتعدى 100درهم للوحدة محليا ليصل الى 30 أورو بالجارة اسبانيا على يد سماسرة الجلد من مراكش وفاس الذين يدركون قيمة الإبداع الروداني والإثقان الفني.

عموما تقنين عملية منح الرخص الإدارية من قبل المصالح المعنية، ووضع برنامج طموح من أجل ضم مجموع هذه الحرف أو المهن بعضها لبعض حسب التخصص التجاري وجمع شتات التجارة في أمكنة معينة يقصدها الزبون مباشرة، من شأن ذلك تنظيم التجارة الداخلية وإعادة الإعتبار للمدينة الأثرية بالحفاظ على موروثات حضارية رودانية متنوعة، اضمحلت وتشتت بين الدروب والأزقة و”الشوارع” بفعل تغليب ما هو عائد مادي على حساب ما هو مكسب تراث تاريخي محلي ساهم بقسط وافر الى الأمس القريب في ترويج صورة المدينة التاريخية التي كان يسمع بها السائح الأجنبي قبل الزائر الوطني.

هذه الرؤية التنظيمية قد تبدو نظريا واعدة وعمليا مستحيلة، لكن لنأخذ كمقاربة عملية وقياس تجاري محلات بيع السمك الطري، سابقا كانت التجارة تدار بمنطق عشوائي، دون الحديث عن الشروط الصحية لمحل عرض المنتوج وظروف بيعه، وفي كل مساء يضطر مستخدم النظافة التابع للمستودع البلدي للقيام بطواف جمع مخلف نفايات التنظيف محل بمحل من شارع الى آخر، وعند كل توقف تخلف “البيكوب” بقايا سوائل نتنة ناتجة عن عصارة الأحشاء وزيت السمك، دون الحديث عن تكلفة الوقود والعامل الزمني؛ بعد طول مدة وبشراكة مع المجلس الحضري المحلي موّل مجلس الجهة مشروع سوق نموذجي لبيع السمك الطري بكل ما تحمل الكلمة من معنى تجاري، شيّد على أرض في ملكية الدولة وهي المسماة “عرصة بيضاوش” بمجمع الأحباب. علاقة بالتجربة الناجحة المذكورة وللعلم بالشيء، جميع تارودانت وترابها داخل مدار السور نصفه أراضي أحباس والنصف الثاني تقاسمه الناس. ما المانع من عقد شراكة مع نظارة الأحباس وتحويل بعض العقارات الحبسية ذات الموقع الاستراتيجي والمساحة المناسبة لإحداث سوق نموذجي مماثل لبيع الدجاج الذي يطرح مشاكل حضرية وخَدمات جماعية لا تختلف عن مشاكل تجارة السمك سابقا ؟ ما المانع من احداث سوق نموذجي للزيتون بأصنافه ومشتقاته في مدينة عرف عنها تاريخيا بعد اضمحلال زراعة قصب السكر ومعاصر تحويله وتصنيعه، تعويضها بزراعة أصول الزيتون ومعاصره التقليدية حتى بلغ عددها خلال السبعينات بمدخل باب الزركان لوحده 11 معصرة تقليدية منها 7 تضم كل منها 2 رحي؟ ما المانع من احداث سوق نموذجي للخضر والفواكه عوض العشوائية التي يعرفها فناء الرحبة القديمة واحتلال الملك العمومي جوار ضريح سيدي وسيدي والزاوية التجانية حيث تقوم الدنيا ولا تقعد كلما عُلم أن الحاجب الملكي سيحل بذات المكان؟ حفاظا على مكسب الأصول التجارية وقرب التجارة من المواطن وتموقعها في قلب المدينة، تستغل في المشروع مقبرة الخرازة الملاصقة بالجوار – مقبرة الأعيان المخزنية – علما أن آخر من دفن بها هو الباشا حمو المكناسي سنة 1318هـ وبعض الشرفاء الرودانيون زمن وباء القيس la peste، من الناحية الشرعية لقد مضت أزيد من 40 سنة على آخر عملية دفن بها، من الناحية العملية تحويلها الى مشروع تجاري مهيكل أفضل من وضعية الأرض المهملة/ المزبلة التي توجد عليها اليوم، من الناحية الجبائية ذاك أحسن من الوضعية العقارية لنظيرتها بدرب الحشيش التي تحولت الى موقف عشوائي للسيارات خارج التغطية الجبائية للبلدية والعائدات الكرائية لنظارة الأحباس، ونقطة تصريف الرق الأبيض ومحل قضاء الحاجات البيولوجية للحيوان ثنائي الأرجل ورباعي الحوافر. ما المانع من إحداث مجمع للخرازة العصرية، هذه الحرفة التي تعد امتداد تراثي وتجديد فني لثقافة رودانية أصيلة ظهرت مع عقد الأربعينات من القرن الماضي، علما أنه قبل هذا التاريخ “ما كاين غير القشابا فوق جلد أو لحفا كالبرد كالصهد ” والصور التاريخية الرودانية القديمة خير شاهد.

هذه جملة مقترحات مشاريع لإعادة هيكلة وتنظيم التجارة الداخلية بشكل راق يراعي الخصوصية المحلية ويساير المتطلبات العصرية، ستمكن من رفع كلفة “طواف الإفاضة” في البحث بالنسبة للزائر المغربي الوافد على المدينة، و”سعي الصفا والمروة” بين نقط البيع بالنسبة للمواطن الروداني، وتخفيف الكلفة المادية للمحلات المنتشرة حاليا، وتحقيق عائد مداخيل إضافية للمصالح الإدارية المعنية، وضبط الخدمات الجماعية، والمساعدة على تصريف منتوجات التراث الثقافي المحلي الذي أبدعت فيه وتفننت وأتقنت أيادي عينة من الشباب الروداني الذي لم تسعفه الأيام لإثبات كفاءته الدراسية واستعاض عنها بكفاءته الحرفية أو التجارية، وفضل عرق الجبين وتعب اليمين عوض الاتكاء على الجدران بملتقى الأزقة والدروب وتكتيف الأيادي فوق الصدور ونبش أعراض المرور.

عديدة هي المهن والحرف بتارودانت التي تحتاج الى إعادة الهيكلة التجارية وفق منظور يراعي الأصالة التراثية والتجديد الحضري، عديدة هي العقارات الحبسية المتواجدة داخل حزام الأسوار تستغل بشكل صوري فقط من أجل إثبات حيازة التصرف الى حين، لماذا لا يتم التفكير على المستوى المحلي والإقليمي والجهوي، وتنسيق الجهود للخروج برؤية إجرائية بل رؤى عملية تطبيقية تمكن تارودانت المدينة la médina من استرجاع مجدها بل أمجادها التجارية أيام كانت ملتقى تبادل ومقايضة بين القوافل التجارية القادمة من وهران مرورا بفاس ومراكش شمالا، ومن تلمسان و تافيلالت مهد الدولة العلوية شرقا، و شنقيط والنوبة وبلاد السودان صعودا من الجنوب؟؟؟

بعد تسمية تارودانت عمالة اقليم سنة 1980، تقرر تبني توجهات ادارية حضرية وصفت وقتئذ بالواعدة للاقلاع بالمدينة، كان أول قرار في اطار سياسة المدينة هو التحكم في جريان مياه ساقية تافلاكت ومنع التزود داخل السور لسقي الأجنات الفلاحيةpetits vergers والعراصي jardins fruitiers ، هذه الأخيرة غالبا تكون للفسحة الخاصة وامتداد ملحق بالدور السكنية الرودانية الأصيلة داخل مدار السور؛ الأجنات والعراصي تتغدى من الساقية الدائمة الجريان تافلاكت الممتدة على مسار المدينة شمالا وتعد احداثية طوبوغرافية مند عهد الحماية الفرنسية التي عملت على تهيئتها بالخرسانة والحديد من1939 الى1942 بسواعد رودانية وفق نظام الكلفة والسخرة . يتفرع عن الساقية مجريان أسبوعيان بالتناوب، الأول يسمى “مصرف جامع” لسقي أفدنة كل من باب الخميس وتافلاكت ودرب اسمكان/العفو ومفرق الأحباب ،،، أما الثاني فهو “مصرف الكرنة/المجزرة ” منبعه حومة باب اولاد بنونة جوار مطحنة الروداني “أبا”بيروك اسما مرحوم كنية شفاه الله من علل الكبر، يخترق المصرف أفدنة صغيرة متاخمة لسور المدينة غربا، وسار مجرى واحدا بعرض ثلاث خطوات حتى جنان الغفيري ثم جنان سالم خاي – ملعب اعدادية رحال المسكيني حاليا- ومنه الى جنان مولاي بوبكر بحومة باب ترغونت. كما يتفرع منه مجرى آخر شرقا بعرض خطوة ليمر من جنان حميمو وجنان التيوتي وجنان رفيق ثم جنان رزقي فجنان بندار- مقر دائرة الأمن المدينة- فجنان بنكيران ثم جنان أيت بنصالح ،،، ويتفرع منه كذلك مصرف مائي بعرض خطوة عند جنان الشافور بعده جنان جراري ومنه الى جنان هرماس فجنان دعداع – أمام مدرسة البساتين حاليا- ثم ملك توفلا المترامي المسمى أمودو الذي يمتد شرقا من الشارع أمام مدرسة البساتين وسار غربا حتى الشارع جوار ملعب اعدادية رحال المسكيني، هذا الشارع أصلا هو مصرف السقي المذكور سلفا بعرض ثلاث خطوات، وسار جنوبا نحو بقية العراصي والأجنات بحومة باب ترغونت، التي لم يبقى بها اليوم سوى عرصتان تقاومان بعناد واستماتة، الأولى بمنزل البروفسور سي عبد القادر التونسي والثانية بمنزل الحاج أحمد الحاتمي اسم على مسمى، لازال محافظا مداوما على التقليد الأصيل “جلسة الجمعة” عصرا يلتقي بعرصته قدماء الرودانيون، نادي رجال قلما يجود زمن اليوم بأمثالهم وعيارهم.

لقد أدت هذه العراصي والأجنات دورا كبير في حياة أهل تارودانت، فالى جانب مهمتها الفلاحية المعاشية ، شجعت الروداني على النزهة مرة واحدة في الأسبوع على الأقل، فنشأ أدب النكتة و لحظات المرح، وجلسات الشاي عصرا كأقل ما يمكن أن يجتمع الرودانيون حول ماعونه، لدرجة أمسى ذلك من الطقوس المرعية بالتناوب الأسبوعي. للأسف عشق “النزاهة” هذا التقليد الجميل بعد تجفيف منابع السقي، أجهز عليه التوسع الاسمنتي البشع بعد التهامه لأغلب هذه الجنان و العراصي التي كانت تعقد في مختلف حومات المدينة داخل مدار السور، وتقدم نمط آخر لفن العيش ووجها آخر لهذا التفنن الذي أتقنه الرودانيون وأبدعوا فيه بصنع لحظات المرح والترفيه و تهييئ فضاءات الفرح والحبور، لدرجة أن الأسر أحيانا تنخرط بشكل جماعي في هذا الطقس بحماس منقطع النظير، خاصة إذا كانت العرصة ملحقة بالسكن العائلي، وينفقون أوقاتهم في إبداع لحظات مرحة من غناء وطرب ونكت و إعداد مقالب ساخرة لبعضهم البعض.. لأنهم عاشوا في زمن استوعب فكرة العيش الجميل الأصيل من المحيط الطبيعي والعمراني البسيط la beauté de la vie authentique.

سردت هذه الذاكرة الطفولية بأحداثها وأسمائها المعروفة والمشهورة خاصة الأجنات التي كنا نرتادها غير بعيد عن منازلنا في العطل المدرسية ” لسرقة” بعض الغلات الموسمية، ولست أدري الى اليوم هل شرعا وفي القانون الوضعي يعد من السرقة قطف غلات تلك العراصي والحقول بعدما فاضت خيراتها ودانت وتدلت؟ هاك من عنب “أبيض بزولي” وتين أسود “غداني” وبرتقال أحمر “نافيل” وليمون أصفر “ليم” الذي لا وجود له إطلاقا سوى بالمنطقة وإجاص أخضر “بوعويد” وسفرجل أصفر وبلح ثامر ورمان أحمر قاني “سفري”، إضافة الى بساتين أصناف البقول والسلاطات les jardins nourriciers، جل هذه الخيرات اذا اشتد عودها وتفرعت أغصانها و آن أوانها وفاحت رائحتها وحان قطافها أرسلت أريجها وأينعت غلاتها وانحنت فوق سور الطابية أو خارجة عن سياج الشوك “الزرب” ، يصطلح على ذلك المشهد قديما بالوصف الروداني أن عرصة فلان “سكرانة أو هْبْلة بالولدة”. كما كنا مطلع السبعينات ندرس في تلاوة المرحوم أحمد بوكماخ نصا قرائيا حول فصل الربيع ونجده له صورة مطابقة في الواقع جوار منازلنا وربما أجمل؛ ذكرت هذا أيضا اعتبارا لكون سور المدينة يحتضن مساحة 20.625 هكتار، عند توطين الحماية الفرنسية اداريا بتارودانت سنة 1934، كان ثلث هذه المساحة فقط يشغله العمران الطيني التقليدي “يشد بعضه بعضا” منازل من الطابية منحدرة في الأغلب الأعم صفا واحدا كأسنان المشط، تتعانق فيما بينها بواسطة نمط بناء عمراني يسمى محليا ” الصابات” التي تجاوز عددها 100صابة بقي منها اليوم أقل من 20. في هذه الفترة تشكل مجموع المساحة العمرانية بتارودانت حوالي 68 هكتار، وتنقسم الى اربع “ربوعات”/ مشيخات وهي ربع القصبة وربع مفرق الأحباب وربع سيدي حساين مع جامع الكبير وربع الزاويات/أسراك.

ما يحز في نفس كل مواطن يتملكه حس وهوس وعشق روداني، أن سياسة المدينة التي أُعلن عنها مطلع الثمانينات وقيل يومئذ انها واعدة لم تأت بفائدة إلا على جيوب “مسامير المائدة” الى اليوم، جميع المدن المغربية الأثرية، خلدت بعضا من تراثها التاريخي الطبيعي للأجيال الحالية والقادمة في شكل حدائق ومتنزهات وفسحات حضرية عمومية : في مراكش نجد عددا منها كعرصة المعاش وعرصة مولاي عبدالسلام وعرصة المامونية وعرصة الكتبية وعرصة الحامض وجنان الموخا،،، فضاءات حضرية طبيعية بهيجة حتى اقترن اسم مراكش “بالبهجة” ؛ في فاس نجد جنان السبيل هذه الحديقة المترامية طولا وعرضا، تحمل كل معاني الإرث التاريخي والجمالي المورسكي المستوحى من حدائق الأندلس،،، في بني ملال نجد المتنزه التاريخي بعين أسردون سفحا واطئا ومرتفعا شاهقا توجد به القصبة التاريخية تتربع تاجا صخريا فوق ربوة عالية تعطي منظر شامل مطل على المدينة والمحيط الطبيعي ،،، بالرباط توجد حدائق شالة بقصبة الوداية التي يرجع تاريجها الى عهد الرومان بالمغرب، وقد تم تحويل المنطقة إلى سلسلة من الحدائق، بغية جذب السياح، بما تعرضه من أنواع النباتات والورود والألوان،،، فيما تارودانت المدينةla médina حاضرة سوس احتفظت بالدَال وغاب المدلول، بقي المفهوم وغاب المعلوم، حضر المكان واندرست أحرف ذاك الزمان؛ لقد تحول ذاك الإرث البيئي الطبيعي الى صناديق إسمنتية وأزقة إسفلتية، لكم سمع المواطن الروداني سابقا أن الفدان الفلاني اتُخذ بشأنه قرار اداري ليصبح متنزه محلي، ليمسي قرار ويصبح في خبر كان!!! بل سور المدينة التاريخي لم يسلم من التضييق على حرمه والتطاول في البنيان بمحاذاته مما أفقده قيمته التاريخية وأفقد معها المدينة عنصرا مهما في شهرتها السياحية رغم كونه صنف إرثا وطنيا بمقتضى ظهير شريف في 7/9/1931 (ج.ر، رقم 988 في 02 أكتوبر 1931) وقرار وزيري بتاريخ 27صفر1325هـ/ 2 يوليوز 1932 وقعه الوزير الصدر محمد المقري والمقيم العام لسلطات الإحتلال الفرنسي بالمغرب الضابط لوسيان سان Lucien Saint ، من ضمن ما ينص عليه في الفصل الأول ’’أن مدينة تارودانت يترتب عليها حرمات تشمل المدينة الأهلية والقصبة داخل السور وبخارجه على مساحة أرضية طولها 250 متر ممتدة حول السور’’ نفس المقال يذكر بخصوص الحديقة العمومية اليتيمة المتبقية بتارودانت خارج الأسوار وهي من ابداع وفكرة ضابط الشؤون الأهلية أيام الحماية الفرنسية النقيب دونا DENAT الذي عين سنة 1938/1357 وأنشأ الحديقة العمومية الحالية سنة1942 تقول احدى جرائد لسان سلطات الإحتلال :” فن الحدائق يرجع له كذلك ازدهاره، بفضل ذوقه البراق جمالية تارودانت أضحت مثالية” وقد شهدت الحديقة مؤخرا تغييرا جذريا، وإعادة هيكلة أيام السيد العامل محمد طريبة، وبناء على طلب رئيس المجلس البلدي لتارودانت بتاريخ 18/02/2002 ومداولة في دورة استثنائية بتاريخ03/06/2003 صدر مرسوم وزاري بتاريخ20/05/2004 وقعه الوزير الأول ادريس جطو يقضي بجعل حديقة ” ابراهيم الرودني” الواقعة بتارودانت في عداد الآثار الوطنية، كما تنص المادة الثانية من نفس المرسوم على احداث داخل مدار الترتيب ارتفاق منع البناء لحماية الحديقة ويمنع تغيير طبيعتها…قرار الوزير الأول منشور بالجريدة الرسمية المغربية عدد5219 -7/6/2004.

رغم كون سور تارودانت التاريخي وحديقة الشهيد ابراهيم الروداني ثم تصنيفهما تراثا وطنيا بمقتضى مرسومين صادرين عن الوزارة الأولى ، لم يكن ذلك كافيا لجعلهما محصنين من الاعتداء الإسمنتي والتطاول على حرمهما ؟ ففي الوقت الذي تسقط فيه الحدود الإفتراضية بين الدول لصالح تشكيل تكتلات موحدة ومجموعات متجاورة في مسعى لتوحيد أقطارها وتقوية وحدتها، ينبت جدار اسمنتي عشوائي وسط الحديقة المذكورة ويتم اقتطاع ما لا يقل عن ربعها وفصله عن أصله وإلحاقه بمقر عمالة الإقليم بتارودانت أو الإقامة السكنية، التصرف ليس وليد اليوم حتى لا يحمَل الحاليون أخطاء السابقون، بل هو دعوة وملتمس ورجاء لإرجاع الوضعية الى ما كانت عليه، ما دام مفهوم التراث الوطني هو إرث مشاع عمومي مشترك غير قابل لقسمة الحيازة بالنسبة للحديقة التي تعد أرضها قبل ذلك ملك الدولة، ثم التطاول في البنيان بمحاذاة مدار السور من الداخل، ونضيف في مسعى البحث عن بطاقة الهوية الضائعة، لقد عجلت السياسة العمرانية المتعاقبة مند تسمية تارودانت عمالة اقليم باختناق المدينة ، وستزداد البنية العقارية العمرانية تشوها في مظهرها الخارجي لأن المجهود الجبار الذي سهر عليه العامل محمد أطريبة، وتكلفت شركة متخصصة في صنع الصباغة بابتكار لون يتماشى ويتلاءم والخصوصية الرودانية حيث ابتكرت طلاء سمته ” بيج تارودانت” على غرار “بيج كتبية” لمراكش و”بيج شامو” لمدينة العيون و”بيج سمارة” لون المحيط الصحراوي لمدينة سمارة، ها هو الرونق الخارجي العمراني و توحيد جمالية منظره وتوافق وانسجام ذلك والخصوصية المحلية بتار ودانت، يتلاشى شيئا فشيئا بعدما أصبح كل من شيد سكنا جديدا يصبغ واجهته الخارجية باللون الذي يحلو له، وتخضع العملية لمزاج ديكور لا هو حضري ولا هو فني بقدر ما هو حرفي بدوي هاجسه الأول والأخير “الزواق البراق”، تلي رياح التغيير هذه موجة بعض محلات التجارة المتواضعة لم تعد تتردد في إشهار نفسها من خلال طلاء بابها ومحيطه بألوان زيتية ملفتة للنظر مستفزة للبصر، بعد حين لا تلبث أن تقفل تلك المحلات أبوابها ليبقى المنظر مثل جرب الصوف فوق ظهر الخروف…

هذا ملتمس لتجديد بطاقة الهوية الضائعة لمعمرة طاعنة في السن، أفنت زهرة عمرها وقمة عطائها في منح حبها وكرمها بدون كلل ولا ملل ولا ضجر، حباها الله بكل الخيرات الطيبات منحتها بكل سداجة وعفوية دون أن تطلب المقابل سوى من يرأف بها ويحنُ عليها ويرق لحالها، بعدما أصابها الكبر وبلغت من العمر عثيا، حقيقة وحتى لا نكون عدميين تلقت في السنين الأخيرة عددا من التدخلات يمكن تصنيفها في خانة جراحة التجميل للوجه منها تهيئة ساحة كبيرة وإحداث أخرى بها نافورة وترميم جل مقاطع السور خارج المدار السياحي، ثم عملية تقويم بعض الأعضاء الوظيفية – الترصيف – لكن تبقى مجموع تلك التدخلات والعمليات ضئيلة جدا مقارنة بحجم المتطلبات التنظيمية الآنية والمستقبلية ذات الأولوية.

أما مدينة تارودانت la ville ويقصد بها المحيط خارج حزام الأسوار، لازالت تنعم بحزام ثاني احتياطي طبيعي يحتضن المدينة ويعد حزام للسلامة الصحية البدنية والنفسية، لا يعرف قيمته وقدره إلا من عاش ردحا من الزمن في المدن الكبيرة خاصة الساحلية منها، هذا المكسب الإيكولوجي يمكن من خلاله اليوم التفكير لاستخراج نسخة ثانية DUPLICATA لبطاقة الهوية الضائعة وتجديد الحالة المدنية الحضرية من خلال تسطير مخطط تعاقدي إلزامي وبرامج حضرية واعدة نظريا صارمة تطبيقيا، تأخذ بعين الإعتبار مكاسب جمالية سابقة وتراعي التوازن المستقبلي ما بين المجال الأخضر الطبيعي من جهة و كثلة العمران وحاجيات السكان من جهة أخرى ، وتغليب الحس الوطني والمصلحة الفضلى للوطن على المصلحة الشخصية للمواطن.

كل زمن وبطاقة الهوية الرودانية والحالة المدنية بألف خير

تارودانت نيوز
علي هرماس

جلسة الجمعة/ النزاهة الرودانية بعرصة الحاج العربي خاي في باب الخميس سنة1957م من اليمين الى اليسار الواقفون محمد العربي بنكيران ، الفقيه عبد المالك المعروف ببامالك ، الولتيتي مولاي أمحمد / الجالسون : احمد القدميري ، سعيد المناني ، بادي ، أحمد العربي لمين ، البشير أفاغرو ، سي البشير لعرج ، سي حسن بني زكريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى