مقالات

الإرهاب بكل ايديولوجياته تدمير للأوطان


بقلم: د. كمال الهلباوي

الظلم ظلمات، والعدل نور وضياء. الظلم يحتاج الى مواجهة، ويحتاج الى من يغير المسيرة الظالمة، الى مسيرة يشعر فيها المواطن بالعدل والحرية والانصاف واحترام حقوق الانسان. والنقطة السوداء في الثوب الأبيض تبرز، كالمرض الجلدي الطافح على الوجه الجميل، فتشوه ذلك الثوب الجميل، كما يشوه المرض الجلدي وجه الانسان.
قامت حركات تصحيح في بلاد كثيرة، حتى في أوروبا الغربية، التي نراها اليوم مستقرة آمنة، وعادلة الى حد بعيد، وتهتم بحقوق الانسان وأحيانا تهتم بحقوق الحيوان أكثر من الانسان. لكننا لانزال نشهد في العالم العربي اليوم، ظلماً وفساداً وتخلفاً عن المسيرة الانسانية الحضارية بدرجات وصور متباينة، بعد أن كان العرب رواد تلك المسيرة الحضارية، لا من روادها، في حين كانت أوروبا تمر بما يسمى في التاريخ، العصور المظلمة.
جاءت ثورات الربيع العربي مهما قيل في أسباب قيامها، أو التدخل الخارجي في بلاد الربيع العربي، أو مشروع الفوضى الخلاقة الذي طرحته كونداليزا، وزيرة الخارجية الأمريكية في منتصف العقد الماضي ـ واشتعلت بسرعة كبيرة في تونس ومصر وليبيا واليمن ومن ثم سوريا، بسبب الديكتاتورية والظلم والفساد والفقر وأمراض عديدة، أمراض تجمعها كلمة التخلف الذي لا يليق بأمة العرب ولا بأمة المسلمين، ولا بأي أمة تنتمي الى الإنسانية والحضارة المعاصرة، خصوصا التي تريد أن تجمع بين الأصالة والمعاصرة. هرب بن علي من تونس فلم يجد مكانا يأويه إلا السعودية، وقبع مبارك وأباطرة نظامه في القفص يحاكمون بتهم يسهل الخروج منها – أو عقابها خفيف، مع كل التجريف الذي شهدته مصر مدة حكمه الذي استمر ثلاثين عاما، وليست هناك محاكمة واحدة بشأن إفساد مصر سياسيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا. وحدث تغيير رئاسي شكلي في اليمن، ولايزال الارهاب يضرب في أعماق اليمن كل يوم، ولم يتغير شيء حقيقي في المسيرة السياسية أو المظالم أو الفساد أو الفقر أو الروح القبلية العصبية أو الانقسام الديني الطائفي وصراعه المرير، أو الخروج من نفق التخلف، اللهم إلا توقيف عجلة التوريث، كما حدث في مصر، إنما لم تتوقف عملية الفساد ولا عجلة التخلف، ولم تتوقف حتى الطائرات الأمريكية بدون طيار، تلك التي تقتل الأبرياء في اليمن بتهمة الانتماء للقاعدة أو العمليات الارهابية.
أما في ليبيا فقد قُتل القذافي، كما قَتل أبناء شعبه، وتشردت الأسرة الحاكمة الظالمة. هرب منهم من هرب، وينتظر المحاكمة منهم من كانوا أباطرة ليبيا يوما ما، وكانت تسير في ركابهم الجموع والحشود. المال والسلطة فيهما إغراء كبير. انقلب بعضهم ليكون ثورجيا ضد من كانوا في خدمتهم الى يوم قيام الثورة. زاد المنافقون في العالم العربي، خصوصا في بعض بلاد الربيع العربي، حيث نشهد بعض من اعتادوا الأكل على كل الموائد يتصدرون بعض المشاهد والمجالات، ليس الاعلام هو النموذج الفريد الوحيد لذلك، أو نشاهد بعض من تغنوا بالقيم العظيمة طويلاً، خصوصا الاسلامية، يرمون تلك القيم وراء ظهورهم أو يدوسون عليها بأقدامهم، ويقعون في نفس المظالم أو أشد، تلك التي كانوا يعانون منها، وكانوا يتمنون يوما منها الخلاص.
ليبيا اليوم تسير سيراً حثيثا في طريق الأفغنة الحقيقية، فطبيعتها تساعد على ذلك، ولا يخفى الضرر الكبير أو الارهاب الذي يختفي وراء ذلك الوضع المتوقع والواضح أمام بصري. الناتو الذي ساعد على التحرر من القذافي وشلة الأنس، لا أقول ونظام حكمه، فلم يكن هناك نظام للحكم، وليس هناك نظام ولا دولة حتى اليوم، ذلك الناتو لم يأت الى ليبيا باعتباره هيئة خيرية، يأمر في ليبيا بالمعروف وينهى عن المنكر، بل جاء إما طرفا أساسيا في الفوضى الخلاقة، أو ممثلا لجهات استعمارية بعقلية جديدة.
سوريا كما نرى ونشاهد، وقد كاد الرئيس المعزول مرسي يسير بمصر الى الطريق المظلم الذي تسير فيه سوريا اليوم ـ سوريا، سواء النظام الاستبدادي الحاكم أو المعارضة التي ضمت بين صفوفها من هم أخطر على مستقبل سوريا من النظام الحاكم بتبعيتهم للغرب، وكأنهم لم يتعلموا من دروس أفغانستان والعراق بجوارهم وعلى حدودهم. بعضهم قال علانية نحن مع الشيطان ضد الأسد.
كم عانى العالم العربي من التخلف والظلم الداخلي، ومن الاحتلال والاستعمار ثم التدخل الخارجي، وكم كان جميلا أن يتحرر العالم العربي من الاستعمار الانكليزي والفرنسي والايطالي بشكله القديم في معظم بلدان العالم العربي في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات والسبعينيات، وكم ضربت بلاد مثل مصر والجزائر بل وليبيا ‘عمر المختار’ وغيرها من البلاد، أروع الأمثلة في محاربة الاستعمار والاحتلال، ولكن شاهدنا في عصرنا الحالي للأسف الشديد من يدعو الاستعماريين الى بلاد الأمة العربية، بحجة مواجهة الظلم الداخلي، أو التخلص منه، باستخدام فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان ولا يقبلها عقل، ولكن هناك من العلماء من يطوع الدين لصالحه، أو صالح ظلم مستمر وقائم أو قادم، حتى لو كان خارجيا، وكان أقسى من الظلم الداخلي. ونموذج القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج وتركيا مثال واضح على ذلك الخلل، الذي نراه منذ حرب الخليج الأولى. رحل صدام وبقيت القواعد العسكرية الأمريكية، وهناك من يعيشون تحت ظل تلك القواعد، يزعم المشاركة في ثورات الربيع العربي والوقوف الى جانب الشعوب. يرون القذة في أعين من يكرهون ولا يرون جذع الشجرة في عيون الاحباب. صحيح المثل المصري الذي يقول ‘ حبيبك يمضغ لك الزلط وعدوك يتمنى لك الغلط ‘.
طريق الأفغنة طريق وعر، رأينا فيه كيف تلعب أمريكا والناتو ببلاد العرب والمسلمين. لا شك أن الشعب الأفغاني شعب عظيم حتى مع التخلف الذي عاش فيه زمنا طويلا، أقول شعب عظيم، لأنه لم يقبل الاحتلال السوفييتي، ولم ينتظر أي مساعدة خارجية لمواجهة ذلك الاحتلال، وذهب الاحتلال السوفييتي، ولكن تعرضت أفغانستان للهيمنة الأمريكية بسبب الصراع الداخلي وبسبب الأطماع الأمريكية. ظن الاسلاميون الذين شاركوا في الحرب ضد الاحتلال السوفييتي أن دولة الاسلام سوف تقام على أرض افغانستان، فإذا هم بعد ربع قرن على اندحار السوفييت، يجدون محتلا أكبر وأشرس لبلادهم هم الأمريكان، رغم الاعلان الغربي بأن القوات الغربية سترحل هذا العام 2014. لا يمكن أن يرحــــل الأمريكان بدون ترتيبــات، ومن هذه الترتيبات حل أو سحر الكرازاي، الذي قد تستخدمه أمريكا في بعض البلاد الأخرى، فتستمر الهيمنة الأمريكية على الطريقة الكرازاتية الأفغانية.
هناك في المعارضة السورية من يود التدخل الأجنبي، وهناك من أهل مصر ‘الاسلاميين’ من يود بل ينشد تدخل المجتمع الدولي في شؤون مصر. أي ثمن ولو كان احتلال الوطن يهون أمام الصعود الى الكرسي! وأي شيء حتى لو كان الارهاب يمكن أن يكون مقبولا حتى لو خالف الفكر والفقه، طالما يؤدي بصاحبه الى الكرسي.
عودة الى مصر التي تتعرض لإرهاب أسود، لا يستطيع الاخوان المسلمون ولا تحالف دعم الشرعية أن يبـــــرئوا أنفســــهم منه قبل وبعد أحداث رابعة والنهضة والاعتصامات والاضرابات الطلابية والشبابية المستمرة والتفجيرات التي انهـــــارت قاعدتها الأخلاقية تماما ولم تعد سلمية. نعم الاسلاميون في الغرب إلا قليلا يحترمون البلاد التي يعيشون فيها، ولكن الغرب لن يصبر طويلاً على تدبيرهم من داخل الغرب لأعمال تستهدف أمن وراحة واستقرار بلدانهم الأصلية، لن يقبل الغرب ذلك إلا وهو مطمئن أن تكون تلك البلاد العربية مثل أفغانستان أو العراق أو ليبيا أو غيرها، مما يتيح الفرصة لمشروعات مثل مشروع الشرق الأوسط الجديد أن ينجح ولو جزئيا، فكل شيء له ثمن.
أما الغرب فقد بدأ يدرك أن الشعب المصري تؤازره بعض الدول الخليجية لن يسمح بالأفغنة، ولن يقبل أدنى درجات الارهاب، ولربما فهم الغرب أن مصر هي المحطة الأخيرة للارهاب، وهو – بإذن الله تعالى مندحر ومنكسر بما لا يدع مجالا للشك.
مهما اشتد الارهاب فإن قبره الأخير سيكون في مصر.

تارودانت نيوز
عن القدس العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى