مقالات

جورج طرابيشي: حان الوقت لإعادة النظر بمقولة ‘الربيع العربي’ تكريم متأخر لـ ‘فولتير العرب’


بقلم: حسن سلمان

عقدت جمعية ‘الأوان’ الفكرية و’رابطة العقلانيين العرب’ السبت ندوة فكرية في تونس كرمت من خلالها المفكر السوري جورج طرابيشي عبر شهادات لعدد كبير من الباحثين السوريين والمغاربة.
ودعا طرابيشي العرب إلى ممارسة النقد الذاتي وإعادة النظر في جميع مقولاتهم بما فيها مقوله ‘الربيع العربي’، مشيرا إلى أن ‘سياسة الأنظمة الاستبدادية خلال عقود دفعتنا لاحتضان الربيع العربي حتى قبل أن يولد’.
وأضاف في تصريح خاص لـ’القدس العربي’ على هامش الندوة ‘الربيع العربي لا يُعتبر مفهوما بل استعارة من الجغرافيا والمناخ، وتقليد لما حدث في أوروبا الشرقية يوم خرجت شعوبها من عصر الجليد إلى الربيع، فنحن راهنا على هذا الربيع حتى قبل أن يولد كرها منا لهذه الأنظمة التي أذاقتنا الجحيم على مدى عقود طويلة، ولكن مع الأسف اكتشفنا فيما بعد أن هذا كان أيضا مجرد اوهام’.
وأكد ان ما جرى غرسه في المجتمعات العربية لعقود طويلة ‘شكّل حفرا غير قابلة للردم بمثل هذه الصورة التي كنا نتصورها، ولذلك نحن نعيش خيبة أمل جديدة’.
وخلّف ‘الربيع العربي’ رود فعل متفاوتة لدى النخب العربية، حيث انخرط البعض في الدفاع عن الأنظمة المستبدة، فيما تخلى آخرون عن خطابهم المعتدل وتبنوا خطابا طائفيا يعتمد على إقصاء الآخر بشكل كلي.
وبرر طرابيشي هذا الأمر بـ’عدم الحفر في الانتلجنسيا العربية على الواقعة الطائفية، وهو أمر كان لي شخصيا مساهمة به من خلال كتابي ‘هرطقات’ حيث تكلمت عن تاريخ الطائفية في الثقافة العربية الإسلامية’.
وأضاف ‘الواقعة الطائفية كانت مغيبة عن الوعي، وبالتالي عادت لتفعل نفسها من جديد على الأرض وفي نفوس بعض المثقفين.. مع الأسف الشديد، وأعتقد أن هذا الأمر لا يشكل عقبة فحسب، وإنما هو صخرة كبيرة لم يجر الحفر تحتها لنعرف كيف ولدت هذه الظاهرة وما أثرها الدائم، وخاصة لدى النخب الثقافية التي كانت تدّعي أنها علمانية لكنها وقعت في هذه الحفرة التي تعامت عن رؤيتها’.

رجاء بن سلامة: طرابيشي أدخل معرفة جديدة للغة العربية

وخلال الندوة، أشادت الدكتورة رجاء بن سلامة (رئيسة جمعية الأوان الفكرية) بالدور الكبير لجورج طرابيشي في نقل مؤلفات فرويد للعربية، مشيرة إلى ان ترجمته لفرويد ساهمت في ‘تحرير النفوس التواقعة للتحرر وطرق باب اللغة العربية ليفتح قسرا او عن طيب خاطر لتقبل معرفة جديدة صعبة قائمة على كل المفترقات’.
وانتقدت بن سلامة الاستبداد الذي تمارسه بعض الأنظمة العربية ضد الأدباء والمفكرين، رغم وجود دساتير تضمن حقهم في التعبير عن آرائهم.
وأشارت إلى أن ‘رابطة العقلانيين العرب’ التي أسستها في باريس مع عدد من المفكرين العرب ‘نشأت ضد الرقابة وضد غوغائية النخب التي خانت مهمتها وجمّلت الطغاة’.
وأضافت ‘العقلانية المقصودة (التي تنشدها الرابطة) ليس عقلانية ديكارت أو هيغل وليست العقلانية التي تقصي الذاتية وتعبيراتها اللاعقلانية والمجتمعية، بل عقلانية رفض الوصاية على العقل باسم مبدأ ما والتوق للخروج من وضعية القصور وتحرير التأويل والاستعمال المفهوم للعقل أي عقلانية التأويل’.

محمد الهوني: طرابيشي امتداد لمفكري عصر النهضة

وقال الباحث الليبي د. عبدالمطلب الهوني (أحمد مؤسسي رابطة العقلانيين العرب) إن جورج طرابيشي، الذي أدخل اللغة بمجالات متعددة من النقد الأدب لعلم النفس والفلسفة مرورا بنقد التراث العربي، يعد امتدادا لمفكري عصر النهضة وفلاسفة الأنوار كفولتير ومونتسكيو وجان جاك روسو.
وتساءل ‘كيف يمكن لمفكر بحجم طرابيشي أن يزدرد هذا الكم الهائل من الفواجع (التي تسبب بها الربيع العربي)؟ كيف له أن ينحاز لأحد أطراف الصراع القائم الآن؟ إنه يبحث عن شعب فلم ير غير فرق القتل وطغيان الدمار’.
وأضاف ‘إن جورج طرابيشي الذي اختار المنفى بسبب الاستبداد هو امتداد للبستاني وجورج زيدان، وسيدخل التاريخ إذا بقيت للعرب باقية، لأن ثمة روادا أعطوا كل شيء ولم ينالوا شيئا من مباهج الدنيا’.
وختم ببعض الأبيات من قصيدة ‘نحن حبات البذار’ للشاعر المصري نجيب سرور بقوله ‘نحن حبـَّات البذار.. نحن لا ننمو جميعا.. عندما يأتي الربيع بعضـُنا يهلك من هول الصقيع.. وتدوس البعض منا الأحذية.. ويموت البعض منا في ظلام الأقــْبية.. غير أنا كلنا لسنا نموت’.

سعيد ناشيد: نبي طرابيشي فرصة لتحرير العقل من الخرافة

وتطرق الباحث المغربي سعيد ناشيد لكتاب طرابيشي الأخير ‘من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث’ (الكتاب الخامس ضمن موسوعة نقد المشروع الفكري لمحمد عابد الجابري)، مشيرا إلى أن الكتاب ‘حدث ثقافي مشروع قائم ومستقل بذاته عن رباعية ‘نقد نقد العقل العربي’ وتتويج لربع قرن من نقد النقد وبناء جديد على أنقاض نقد منقود، لكنه بناء يفتح ورشات جانبية كثيرة قابلة للنقاش’.
وأكد ناشيد أنه كان من بين عشرات المغربيين الذين وقعوا ضحية التقسيم الجابري (نسبة للمفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري) بين ‘عقلانية المغرب ولا عقلانية المشرق’، مشيرا إلى أن هذا الأمر حال دون انفتاحه على عمالقة الفكر الفلسفي الفارسي كابن سينا والشيرازي وبعض المدارس الفكرية الأخرى كإخوان الصفا، إضافة إلى موسوعة ‘نقد نقد العقل العربي’ للمفكر جورج طرابيشي.
وأضاف ‘تأخرنا في الاطلاع على مشروع طرابيشي رغم أن خزاناتنا لم تخلو من ترجماته، ومن المضحك المبكي أن أحد رؤساء تحرير الصحف الإسلامية برر لي التحيز للجابري ضد طرابيشي بقوله ‘ألا يكفيك أن الأول اسمه محمد والثاني اسمه جورج!’.
وأشار ناشيد إلى مقال نشره في إحدى الصحف السعودية حول ‘نبي جورج طرابيشي’ (إشارة إلى الفصل الأول من كتاب طرابيشي ‘المعجزة أو سُبات العقل العربي) يقول فيه ‘هو إنسان كأيها الناس يحمل شيئا من محاسن البشر وكثيرا من مساوئهم (…) لا عصا يشق به البحر.. لا يكلم الموتى ولا يفهم لغة البوم أو النمل (…) مشروع جورج طرابيشي هو ورشة كبرى تهدف لتحرير العقل من الخرافة وتحرير الإسلام من الرؤية السحرية للعالم’.

عزيز العظمة لطرابيشي: حان الوقت للتراجع عن نعي الماركسية

وتحدث الباحث السوري عزيز العظمة عن علاقته الطويلة بجورج، مشيرا إلى مواطن التوافق الكثيرة بينهما، مشيرا إلى أنه ينتمي معه إلى حزب التنوير أو ‘حزب الشيطان’ (كما أسماه) و’أتفق معه حول الذكورة والأنوثة وفي التحزب للعلمانية ولإعمال العقل في شؤون الفكر والمجتمع والسياسة وفيما كتبه حول مذبحة التراث في الفكر العربي المعاصر، وفي التزامه المنحى النقدي الذي أدى به وبي إلى موقع من الهامشية النسبية في المسار العام والغالب في الثقافة العربية المعاصرة’.
وأشار إلى نجاح المفكر المغربي محمد عابد الجابري عن ثني ‘مركز دراسات الوحدة العربية’ عن نشر كتاب جورج طرابيشي حول العلمانية على أساس ضرورة سحب هذه العبارة من التداول لما تشمله من بؤس الاستكانة لموروث ثقافي مجتمعي، فضلا عن تعبر عن قطاعات كبيرة من الانتلجنسيا العربية.
وقال إن هذا الأمر دفع طرابيشي لاحقا إلى قراءة كتب الجابري ‘عامية المآل، وأفلح فلاحا تاما في تدبر ووضع الخلل والقصور بل والغش الذي اعترى ما سمي ‘نقد العقل العربي’ (موسوعة الجابري) والدعوة لاستقرائه’.
ولفت العظمة إلى أن طرابيشي ينتمي إلى جماعة أهلية ضميرية ويرى في الهرطقة أحد السبل القليلة التي ما زالت متاحة للبقاء أو على الأقل للوقاية في زمن الأصوليات والارتداد نحو القرون الوسطى (زمن الربيع العربي).
وقال إن مؤدى هذا الانتماء الضميري الإنساني والاجتماعي هو التوجس من المستقبل، مشيرا إلى أنه خشية طرابيشي ‘ليس على سوريا والمشرق العربي عموما فحسب بل على المسيحية في المشرق التي إن زالت سأعلن أنا شخصيا تعليق انتمائي إلى هذا البلد وإلى المشرق العربي تعليقا لا رجوع عنه’.
وأضاف ‘كأني بجورج وهو يشعر بأن بلاده قد تجنح إلى عدم الاعتراف به وبأهله كمواطنين منتمين لهذا البلد، يحاول في التاريخ على مستند للعلة وإرجاعها من نصاب التاريخ إلى الطبيعة، أي أنه يذهب إلى أن ما هو حاصل اليوم كان لا بد له أن يحصل استنادا إلى سليقة ما معروفة لدى العرب المشرقيين هي سليقة طائفية أوأهلية منتسبة إلى خلل خلقي’.
وأشار العظمة إلى أن تحليلات طرابيشي التاريخية تسند الأوضاع الحالية في العالم العربي إلى عداوات تاريخية مستحكمة كان لا بد لها أن تستفحل، ويرد ذلك إى رغبة طرابيشي في وضع ‘تفسير مستسهل للواقع، حيث يرى في صراع السنة والشيعة مثلا استمرارا لما حصل في بغداد خلال القرنين العاشر والحادي عشر، ويرى في التراث الديني جُماع للتراث العربي’.
وفي ختام حديثه توجه لطرابيشي بقوله ‘أذكّرك بأنك نعيت سابقا الماركسية، ولكني أود أن أذكّرك أيضا بأنه لولا الماركسية بعينها لما كان ثمة مكان لمثل جورج طرابيشي، ولذلك فإني أرجو منك أن تصرف النظر عن هذا الانتحار المجازي’.

تارودانت نيوز
عن القدس العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى