مقالات

البيئة في الاعلام العربي


من الصعب الحديث عن هوية خاصة للإعلام البيئي العربي، مشابهة مثلاً لهوية الإعلام السياسي أو الثقافي أو الاقتصادي أو الفني أو حتى الرياضي. فالهوية الإعلامية تتطلب وجود بعض الشروط الأساسية لاعتبارها هوية مستقلة ومميزة، بما فيها أنماط إعلامية احترافية تتعلق بكيفية تقديم الخبر والتحليل، تنطلق من اطار معرفي محدد للقضايا البيئية. كما أنه لا بد من وجود قاعدة من الاعلاميين المحترفين والمدرَّبين والمتخصصين بشؤون البيئة ومن أن يكون لهذا الاعلام القدرة على التأثير في التوجهات العامة. والمهم أيضاً لاستحقاق صفة ”الاعلام البيئي” أن تكون هناك وتيرة متواصلة للنشر، وليس مجرد أخبار وتعليقات متفرقة ومتباعدة وغير منتظمة. وفي حقيقة الأمر، فإن هذه العوامل تكاد لا تتوافر في معظم الإعلام العربي حين يتعاطى مواضيع البيئة، بعكس القطاعات الإعلامية الأخرى. كما ترتبط مشكلة الإعلام البيئي العربي بمشكلة الإعلام العلمي عموماً، الذي لا يجد له مكانة واضحة على الساحة الاعلامية العربية.
عام 1987 قدم برنامج الأمم المتحدة للبيئة برنامجاً للإعلام البيئي العربي الى المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ومجلس الوزراء العرب المسؤولين عن شؤون البيئة1. ولو كنا اليوم، بعد عشرين سنة، في صدد وضع خطة جديدة، لخرجنا بالتوصيات نفسها. الكثير تغير خلال عقدين من الزمن، فتبدل وجه العالم، وتطورت النظرة الى البيئة والتنمية، وأصبحت البيئة على جدول أعمال الحكومات. وفي حين كنا بالكاد نجد إشارة الى البيئة في الصحافة العربية، وكان علينا استنباط تعابير جديدة للكتابة عن مواضيع لم تعالج من قبل، نجد اليوم أن بعض الصحف العربية قد خصصت صفحات للبيئة، وازداد اهتمامها بتغطية قضايا البيئة والتنمية المستدامة. كما أن البيئة بدأت تدخل في النشرات الاخبارية لمحطات الاذاعة والتلفزيون العربية، الأرضية بينها والفضائية، وفي بعض البرامج الحوارية والتحقيقات، التي غالباً ما تكون رد فعل على حدث عالمي. لكن معالجة الاعلام العربي لمواضيع البيئة تفتقر إلى المتابعة وتتسم بمحتوى إخباري آني بعيد عن التحليل والمعلومات الدقيقة. وهذا لا يساعد كثيراً في تعميم التوعية بأمور البيئة.
ولئن كان ورود كلمة ”بيئة” تزايد آلاف المرات في وسائل الاعلام العربية خلال السنوات العشر الأخيرة، الا أن طريقة التصدي لهذا الموضوع بقيت في معظم الحالات مرتبطة بالخبر وردود الفعل الآنية على تطورات دولية وكوارث. وقد ساهمت المؤتمرات الدولية الكبرى حول البيئة والتنمية، منذ قمة الأرض عام 1992 ومشاركة الدول العربية فيها وتوقيعها على معظم المعاهدات البيئية الدولية التي تمخضت عنها، بتوسع وسائل الاعلام العربية في الكلام عن الموضوع. لكن هذا انحصر غالباً بصيغة نقل الخبر عن الوكالات الأجنبية، أو بالبيانات عن مشاركة الوفود الرسمية. ويلاحَظ أن معظم وسائل الاعلام العربية تكتفي بنقل الكلمات الافتتاحية العامة للمسؤولين السياسيين في المؤتمرات والاجتماعات البيئية، وتهمل ما يقوله الخبراء، وهو لب الموضوع2.
وقد وجدت دراسة عن التغطية الصحافية لمواضيع البيئة في البحرين أنه على الرغم من نشر الصحف البحرينية اليومية الست أكثر من 2000 موضوع عن البيئة المحلية عام 2004، فقد انحصر معظمها في نقل الأخبار والأحاديث، وكان 4 في المئة منها فقط في نطاق التحقيقات والمقالات التحليلية والتعليقات3.
ان ما وجدته هذه الدراسة من البحرين ينطبق على جميع الدول العربية التي شملها استطلاع لمجلة ”البيئة والتنمية”4، وإن كان لم يُحصِ المواضيع بالأرقام. وقد خرج الاستطلاع بالملاحظات التالية:
1. أقل من عشرة في المئة من الصحافة العربية تخصص محرراً لشؤون البيئة والتنمية المستدامة. والنسبة نفسها من الصحف تخصص صفحة أسبوعية أو دورية أو مساحة محددة لشؤون البيئة.
2. حتى الصحف التي تخصص صفحة دورية للبيئة، تلغيها عند ضغط الأحداث السياسية والاقتصادية والاعلانات، وغالباً ما تصدرها لفترة ثم تتوقف، إما نهائياً أو لتعود بعد شهور أو سنوات. وهذا لا يمكن أن يحصل مع الصفحات الثابتة للسياسة والاقتصاد والرياضة والمجتمع مثلاً.
3. ترتبط كثير من صفحات البيئة في الصحافة العربية بدعم أجهزة البيئة الحكومية، مما يفقدها الحيادية ويجعلها عاجزة عن توجيه النقد إلى هذه الأجهزة.
4. في ما عدا مجلة ”البيئة والتنمية”، التي تصدر من بيروت من عام 1996، ليس هناك مجلة عربية اقليمية مختصة بموضوع البيئة، توزع على نطاق واسع في العالم العربي، ويمكن الحصول عليها من منافذ بيع الصحف الرئيسية الى جانب المجلات الاخرى. مع الاشارة الى أن هناك نحو خمسين مجلة ونشرة حول العالم العربي تحمل في عنوانها كلمة ”بيئة”، لكن معظمها يصدر عن جمعيات وهيئات حكومية، وتبقى محدودة في محتـواها وانتشـارها وانتظام صدورها وحِرفِيَّتها الصحافية.
5. ما تزال مصادر المعلومات المحلية الموثوقة عن قضايا البيئة ضعيفة أو معدومة. لهذا تفتقر معظم المواضيع الصحافية البيئية إلى قوة المعلومات، التي هي أساس الصحافة الحديثة.
6. نسبة مواضيع البيئة في البرامج الحوارية والتحقيقات على القنوات التلفزيونية العربية تقل عن واحد في المئة، في مقابل نحو 10 في المئة على المحطات الأوروربية.
7. شهد عدد المواقع العربية على الانترنت توسعاً ملحوظاً خلال السنوات الخمس الأخيرة، مع أنها لا تقارَن بغيرها في الدول المتقدمة ومعظم دول العالم الثالث. فقد بقي محتوى هذه المواقع ضئيلاً، ومعلوماتها غالباً قديمة لا يتم تحديثها، ومعظمها غير موثقة ويصعب استخدامها كمرجع، حتى حين تكون تابعة لجهات حكومية. وقد لاحظنا أن محتويات معظم مواقع الانترنت العربية عن البيئة تنشر كمواد أولية، بلا تدقيق وتحرير. لكن في بعض مواقع الانترنت العربية هيكلية جيدة لمشروع قابل للتطوير. وتبقى الملاحظة الأساسية افتقار هذه المواقع الى التفاعل مع الجمهور وقلة المستخدمين، إذ ان التعليقات على موادها شبه معدومة.
8. العناوين البيئية التي حظيت بالاهتمام الأكبر في وسائل الاعلام العربية عامة، وقد شملت: الطبيعة والحياة الفطرية، النفايات الصلبة والصحة البيئية، تلوث البحار والكوارث. التلوث الصناعي والتصحر حظيا بأولوية في الاعلام الجزائري. وحظي موضوع المياه بأولوية في سلطنة عُمان والأردن. وكان لافتاً شبه إهمال لمواضيع مثل تلوث الهواء، إلا في حالات الكوارث، وترشيد استهلاك الطاقة، واستخدامات الاراضي، وتنظيم المدن.
9. تزامن صدور التقرير الرابع من الهيئة الدولية لتغير المناخ مع حصول كوارث طبيعية وتقلبات حادة في الطقس في مناطق عربية عدة، أدى الى زيادة اهتمام وسائل الاعلام العربية بقضية تغير المناخ خلال عام 2007. وتضاعف هذا الاهتمام مع إعصار جونو الذي ضرب عُمان في منتصف السنة، وفيضانات موريتانيا التي تلته.
لا يمكن تحميل وسائل الاعلام وحدها مسؤولية التقصير في إنتاج إعلام يتصدى لقضايا البيئة والتنمية المستدامة بفعالية. فهذه مرتبطة بحلقات ثلاث، هي:
– دول لديها خطط تنموية وبرامج بيئية.
– قاعدة من البحوث البيئية العلمية.
– جمهور واسع من ملايين المواطنين الذين يحتاجون إلى المعرفة البيئية والانخراط في العمل البيئي والتنموي5.
الاعلام البيئي الانمائي يربط هذه الحلقات الثلاث، وهو لا يخبر عنها فقط بل يساهم في دعمها وتقويتها. ثم ان الاعلام البيئي لا يمكن أن يكون صنفاً قائماً في ذاته يحتمل الهواية، بل هو إعلام محترف تنطبق عليه أساساً الشروط الدقيقة للاعلام.
الاعلام الحديث ينطلق من الجمهور ويتوجه إليه، ويعتمد في استمراره على النجاح في استقطاب الجمهور والحصول على دعمه، وإلا لفظته آليات السوق. نحن في بداية الطريق. فهناك اعتراف بأهمية البيئة من أجل التنمية. وهناك اهتمام واضح بمواضيع البيئة في وسائل الاعلام، يعبر عنه تزايد الحديث عن عناوينها. المطلوب تحويل العناوين إلى مواضيع جدية وتحويل صحافة البيئة إلى احتراف.

إعلام البيئة في الدول العربية
نستعرض هنا وضع الاعلام البيئي في الصحافة العربية المكتوبة، مع اشارات إلى البرامج المخصصة للبيئة في الاذاعة والتلفزيون، وذلك على المستوى الوطني في الدول العربية. وسنحاول استعراض الوضع على نحو موضوعي، عن طريق وصف المقاربة الاعلامية لمواضيع البيئة في 15 بلداً أمكن فيها رصد متابعات إعلامية بيئية على مستوى الصحافة المنتشرة في الأسواق، مع إشارات سريعة الى تناول البيئة في المطبوعات الدورية المحدودة الانتشار وفي وسائل الاعلام المرئية والمسموعة.
تكاد البيئة تكون موضوعاً يومياً في وسائل الاعلام الاماراتية، وإن كانت معظم المواضيع ترتبط بمناسبات ونشاطات للهيئات البيئية المتنوعة. ولا شك أن الاهتمام بالبيئة والطبيعة في صحافة الامارات العربية المتحدة يحمل بصمة رئيس الدولة الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي كان يعشق الطبيعة ويملك نظرة متطورة إلى العلاقة بين البيئة والتنمية. وبسبب الاهتمام الشخصي للشيخ زايد، احتلت البيئة في حالات متعددة صدر الصفحات الأولى لصحافة الامارات6.
الصحافة اليومية الأكثر انتشاراً في الامارات تنقل أخباراً عن مواضيع بيئية في صفحاتها المحلية، وإن كانت جريدة ”الخليج” هي الوحيدة التي تخصص صفحة أسبوعية للبيئة. وعلى الرغم من الكلام اليومي عن مواضيع البيئة في الاعلام الاماراتي، فهو يبقى في معظمه على شكل أخبار وبيانات عن نشاطات وبرامج، ويفتقر عموماً إلى المقالات التحليلية، خاصة في ما يتعلق بالأثر البيئي لبعض المشاريع العمرانية الكبرى. وهناك ست مجلات ونشرات دورية ذات عناوين بيئية، تصدر عن هيئات وجمعيات.
تبرز في الاعلام البيئي السعودي صفحتان مخصصتان للموضوع تصدران في جريدتين يوميتين، واحدة أسبوعية في جريدة ”الاقتصادية”، والثانية يومية في جريدة ”عكاظ”. وهناك مجلتان فصليتان تتناولان شؤون البيئة والطبيعة، تصدران عن هيئتين حكوميتين. وتخلو البرامج التلفزيونية والاذاعية من حلقات بيئية خاصة، ما عدا التغطية العادية لأخبار البيئة العالمية والنشاطات والبيانات السعودية الرسمية، التي تنقلها وسائل الاعلام السعودية المرئية والمسموعة والمقروءة، عن وكالة الأنباء السعودية في معظم الحالات. ويتوسع نطاق التغطية خلال المؤتمرات والمناسبات المعنية بمواضيع البيئة والتنمية7.
وقد ازداد الحديث عن موضوع البيئة في الصحافة الكويتية منذ منتصف التسعينات، حين بدأ الاهتمام بالآثار البيئية المتواصلة التي تسبَّب فيها الاجتياح العراقي والحرب التي تلته. في الفترة الأولى تركَّز انتباه الاعلام على تلوث الهواء نتيجة حرائق آبار البترول وتلوث البحر والشواطئ بسبب التسربات النفطية. لكن مشكلة التلوث الاشعاعي باليورانيوم المستنفد بقيت غائبة عن الاعلام الكويتي حتى بعد عام 2000، عندما انطلق إلى العلن الحديث عن الأخطار الاشعاعية في منطقة البلقان، خاصة في محيط الآليات المصفحة المضروبة. وتكاد النفايات وتلوث البحر والشواطئ والتلوث الصناعي تستقطب معظم المادة البيئية في الاعلام الكويتي. جريدة ”القبس” تنشر ملحقاً بيئياً أسبوعياً من صفحتين بعنوان ”بيئتنا حياتنا”. كما تَنشر جريدة ”الأنباء” صفحة بيئية بصورة متقطعة. وفي ما عدا هاتين الصحيفتين، ليس في الصحف الكويتية الأخرى صفحات دورية للبيئة. وليست هناك برامج بيئية ثابتة في التلفزيون والاذاعة. وتتميز وكالة الأنباء الكويتية (كونا) بإدخالها ”الصحة والبيئة” كعنوان بين مواضيع البحث، يتم رفده بالأخبار على نحو مستمر. وهناك نحو ست مجلات ونشرات ذات عناوين بيئية تصدرها هيئات حكومية وجمعيات كويتية، توزيعها محدود8. وتبرز في سلسلة “عالم المعرفة” الشهرية التي تصدرها الحكومة الكويتية عناوين بيئية هامة، خصوصاً ترجمات لتقارير من الأمم المتحدة حول البيئة والتنمية.
بين الصحف اليومية الست التي تصدر في البحرين، تخصِّص واحدة فقط صفحة أسبوعية للبيئة. غير أن المواضيع البيئية، وخاصة الأخبار، تنشر باستمرار في الصحف البحرينية، وأحد الأسباب وجود المكتب الاقليمي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة في المنامة، ما يوفر مصدراً للأخبار البيئية.
قد تكون رسالة الماجستير التي قدمتها الباحثة مها محمود صباغ إلى برنامج الادارة البيئية في جامعة الخليج العربي عام 2005، بعنوان ”أولويات قضايا البيئة المحلية في الصحافة البحرينية”، الدراسة الموثقة الأولى من نوعها التي تبحث الاتجاهات البيئية في الصحافة العربية بتفصيل وتحليل علمي9. وقد نشرت الصحف الست 2014 موضوعاً عام 2004 ذات ارتباط بالبيئة المحلية. لكن التركيز يبقى على الأخبار، خاصة الاستقبالات والزيارات والمناسبات البيئية، وما يرد في بيانات إعلامية جاهزة، أكثر من اعتمادها على التحقيقات المعمقة والتعليقات والمقالات التحليلية. وتبث الاذاعة البحرينية برنامجين أسبوعيين عن البيئة: الأول بعنوان ”البيئة والمجتمع”، والثاني عن ”كائنات البحرين الفطرية”.
تحتل البيئة موقعاً مميزاً في وسائل الاعلام العُمانية، في انعكاس واضح للاهتمام الحكومي والحس الجماهيري. وفي حين تخصص جريدة يومية واحدة من الجرائد الست التي تصدر في عُمان صفحة أسبوعية ثابتة للبيئة، فإن الموضوعات البيئية حاضرة بقوة في مضامين الصحف اليومية والدوريات الأخرى، سواء على مستوى القضايا والأخبار البيئية المحلية أو الاقليمية أو الدولية. ”عُمان”، وهي أول جريدة حكومية تصدر في السلطنة، تنشر صفحة أسبوعية مختصة بالبيئة، بالتعاون مع وزارة البلديات الاقليمية والبيئة وموارد المياه. ويعرض التلفزيون العُماني برنامجاً أسبوعياً بعنوان ”معاً لحماية البيئة”، بالتعاون مع الوزارة أيضاً. وتبث الاذاعة العُمانية برنامجاً أسبوعياً بعنوان ”البيئة والحياة”10.
في ما عدا برنامج ”أنت والبيئة” الأسبوعي على الاذاعة القطرية، تكاد وسائل الاعلام في قطر تخلو من صفحات وفقرات مخصصة للبيئة. يُعِدّ هذا البرنامجَ الاذاعي المجلسُ الأعلى للبيئة والمحميات الطبيعية بالتعاون مع إذاعة قطر، وهو يتضمن أخبار المجلس ونشاطاته، إلى جانب لقاءات وتحقيقات لمواضيع بيئية عامة وتغطية المناسبات البيئية. وقد بدأت جريدة ”الشرق” القطرية عام 1996 إصدار صفحة بيئية، ما لبثت أن أوقفتها. لكنها تابعت نشر مواضيع وتحقيقات بيئية مختارة في نطاق اتفاق التبادل الاعلامي القائم بينها وبين مجلة ”البيئة والتنمية”. وبين 1999 و2005، نشرت جريدة ”الراية” صفحة بيئية أسبوعية.
في لبنان قد تكون ”النهار” أول جريدة عربية خصصت صفحة يومية للبيئة، وذلك منذ عام 1997، لكنها جمعتها مع التراث. وغالباً ما تطغى مواضيع التراث والآثار على البيئة في هذه الصفحة، التي كان من الأفضل جمعها مع التنمية بدل التراث. وتغيب الصفحة خلال الأحداث السياسية والأمنية الكبرى، لتخلي مكانها لما يعتبر أكثر آنيّة وإلحاحاً. وقد خصصت جريدة ”المستقبل” صفحة أسبوعية للبيئة منذ صدورها عام 1999. كما تنشر ”السفير” صفحة بيئية أسبوعية، تجمع التحليل مع الخبر وتتميز بالمتابعة. وقد قدم التلفزيون اللبناني لثلاثة مواسم (1997، 1998، 1999) برنامجاً أسبوعياً من إعداد مجلة ”البيئة والتنمية” بعنوان ”نادي البيئة”، كان على شكل مجلة تلفزيونية من فقرات، ويستمر التلفزيون الحكومي في إعادة عرض الحلقات القديمة حتى اليوم11. وفي مطلع 2008 بدأت محطة “أخبار المستقبل” بث برنامج أسبوعي بيئي بعنوان “أزرق أخضر”. ومن أبرز البرامج الاذاعية المختصة بالتوعية البيئية ”البيئة بيتك”، الذي تقدمه رفا مرعي اسبوعياً على ”اذاعة النور” منذ عام 1997. وتبث إذاعة ”صوت لبنان” الخاصة، منذ عام 2004، برنامجاً أسبوعياً لشكاوى الناس البيئيـة على الهـواء مباشرة، التي يجيب عليها اختصاصيون وتحال الى المسؤولين للمعالجة. وتعد البرنامج خدمة الخط البيئي الساخن، ”بيئة على الخط”، التي تديرها مجلة ”البيئة والتنمية”.
ومع أن مجلة ”البيئة والتنمية” تتوجه الى جمهور إقليمي في الدول العربية كافة، فإن صدورها من بيروت ووجود مكاتبها الرئيسية فيها ساهم في إطلاق نهضة بيئية واسعة النطاق في المدارس اللبنانية، التي تصل المجلة إلى مكتباتها في جميع المناطق، ويشارك طلابها في مسابقاتهـا البيئية. وقد تم اختيار نصوص بيئيـة من المجلة عـدة مـــرات لمسابقــــات التربية المدنية والأدب العربي في الامتحانات الرسمية للصفوف النهائية.
شهد الاهتمام بالاعلام البيئي في سورية تطوراً كبيراً منذ عام 2004، خاصة في مجال الصحافة المطبوعة والصحافة الالكترونية. فخلال عامين فقط بدأ إصدار ثلاث مجلات بيئية مرخصة للقطاع الخاص، تبعتها في 2007 فصلية من وزارة الادارة المحلية والبيئة. لكن توزيع هذه المجلات يبقى محدوداً وهي تفتقر الى الاحتراف. كما تميزت الصحافة الالكترونية في سورية من خلال موقع ”أخبار البيئة”. وقد تكون جريدة ”الثورة” السورية الوحيدة في العالم العربي التي نشرت سلسلة افتتاحيات على الصفحة الأولى عن مواضيع بيئية، كتبها نجيب صعب، لكنها توقفت لاحقاً. جميع الصحف اليومية السورية تنشر حالياً صفحات بيئية أسبوعية أو نصف شهرية، يشرف عليها محرر مختص. وتتميز وكالة الأنباء السورية (سانا) بتخصيصها مدخلاً خاصاً للبحث على موقع الانترنت بعنوان ”البيئة”، لكن تجديد محتوياته يتم في فترات متباعدة. ويبث التلفزيون السوري برنامجاً بيئياً أسبوعياً بعنوان ”البيئة والانسان”12.
التغطية الإعلامية التي تقدمها الصحف اليومية الرئيسية في الأردن تنشر عادة في مختلف الصفحات والأقسام. وخلال السنوات الخمس الماضية، خصصت بعض الصحف اليومية، وخاصة ”الدستور” و”العرب اليوم”، صفحات بيئية، لكنها ما لبثت أن أوقفتها لأسباب متعددة، منها اعتبار مسؤولي الصحف أنها لا تستقطب ما يكفي من القراء والمعلنين بما يبرر تخصيص محرر خاص ومساحات دائمة لها. وكان التلفزيون الأردني يقدم برنامجاً أسبوعياً حول البيئة حتى نهاية العام 2003، تم إيقافه. ولم تعد الشؤون البيئية تظهر إلا ضمن تقارير متفرقة في البرامج المحلية أو مقابلات مع مسؤولين بيئيين للتعليق على قضايا ذات حيوية إخبارية. أما الإذاعة فهي تقدم برنامجاً بيئياً أسبوعياً يركز على القضايا المحلية. وهناك مجموعة من الدوريات البيئية المختصة في الأردن، أهمها مجلة ”الريم” التي تصدر عن الجمعية الملكية لحماية الطبيعة أربع مرات سنوياً، وهي تركز على الطبيعة والتنوع الحيوي13.
من المفارقات أنه خلال العقدين الأخيرين كانت الاهتمامات البيئية في صحف المعارضة العراقية التي تصدر في المنفى أكثر وضوحاً وتركيزاً من الصحف الصادرة داخل العراق. ولم تقتصر الاهتمامات البيئية للصحافة العراقية ”المهاجرة” على الكوارث البيئية التي وضعت مسؤوليتها على النظام السابق، مثل تجفيف الأهوار والتلويث بالاسلحة الكيماوية، بل تعدّتها إلى طرح موضوع التلوث الاشعاعي باليورانيوم المستنفد خلال حرب عام 1991. منذ 2003، شهد العراق طفرة في الصحف والفضائيات، حيث يصدر اليوم أكثر من ألف جريدة ومجلة إلى جانب نشرات الاذاعات والقنوات التلفزيونية. كثير من وسائل الاعلام المكتوب هذه تتحدث عن مواضيع البيئة على مستويات مختلفة. وقد خصصت صحف ”السيادة” و”المشرق” و”الصباح” صفحات أسبوعية للبيئة. ومن أبرز المواضيع التي تهتم بها: تلوث المياه والهواء، تردي الأوضاع الصحية المرتبطة بالبيئة، النفايات، التلوث الاشعاعي. وبدأت وزارة البيئة العراقية عام 2006 اصدار مجلة شهرية باسم ”البيئة والحياة”، ذات محتوى جيد ومتنوع، وتتضمن أساساً أخبار الوزارة ونشاطاتها والمشاريع والبرامج الدولية. وهي توزع على موظفي الوزارة ودوائرها في المحافظات14.
يتركز الاهتمام البيئي في الاعلام اليمني على الصحافة المكتوبة. فجريدة ”الثورة” تنشر صفحة بيئية أسبوعية منذ عام 1994، تحولت عام 2000 إلى صفحة المياه والبيئة. كما تنشر جريدة ”14 اكتوبر” صفحة بيئية أسبوعية. وتنشر مجلة ”آدم وحواء” صفحة شهرية مخصصة للبيئة. وعلى المستوى الحكومي، تصدر الهيئة العامة لحماية البيئة في اليمن مجلة فصلية باسم ”البيئة”. وهي تحوي مواضيع متنوعة، من مناسبات وتقارير وتحقيقات عن البرامج المحلية والمؤتمرات، إضافة إلى حوارات ودراسات15.
أما التغطية الصحافية لمواضيع البيئة في مصر فتبقى مرتبطة على نحو شبه كامل بوزارة الدولة لشؤون البيئة، التي تقدم الدعم المادي والمواد الاعلامية إلى الصحف. لذا فإن معظم المواضيع المنشورة تقتصر على أخبار الوزارة ونشاطاتها وبرامجها والمؤتمرات البيئية التي تنظمها أو تشارك فيها. وهذا مؤشر إيجابي في أحد وجوهه، اذ أنه ساهم في تعميم الحديث عن عناوين بيئية في وسائل الاعلام الجماهيري. لكنه لا يكفي، لأن الاعلام يتجاوز نقل الخبر إلى التعليق والتحليل والاستقصاء. وفي حين تنشر جميع الصحف المصرية اليومية الواسعة الانتشار أخباراً ومواضيع بيئية، تبقى صفحة البيئة الأسبوعية في ”الأهرام” الأكثر انتظاماً. كما تصدر صفحات بيئية دورية في ”الجمهورية” و”الأخبار” و”المساء”. وتنشر المجلات الأسبوعية تحقيقات بيئية متنوعة، تتميز غالباً بالطابع الوصفي. واللافت أن صحف أحزاب المعارضة المصرية قد تكون الوحيدة التي تنشر على صفحاتها الأولى مواضيع متعلقة بقضايا ذات طابع بيئي، لكنها عادة في إطار ”فضائح” ضد الحكومة، وفي طليعتها جريدة ”الوفد”، الصادرة عن حزب ”الوفد”.
يقدّم التلفزيون المصري بعض البرامج البيئية المنوعة، التي تقوم أساساً على المقابلات، منها برنامج ”بيئة نظيفة” الذي يعرض على القناة الثانية، وبرنامج ”المجلة البيئية” الذي تبثه القناة الثالثة. وفي كثير من المحطات الاذاعية المصرية برامج بيئية ذات محتوى إخباري. ويتميز برنامج ”إنه عالم واحد” الذي تقدمه الدكتورة أميمة كامل أسبوعياً على القناة الثانية. هذا البرنامج مستمر بلا انقطاع منذ عام 1992، وهو مستقل ويقدم عرضاً وتحليلاً لقضايا البيئة المحلية والعالمية، ويتجنب إعلام العلاقات العامة. لذا قد يكون أبرز عمل تلفزيوني بيئي عربي متواصل. ولكن البرنامج بدأ يتوقف لفترات طويلة منذ نهاية عام 2007. وفي الاذاعة، يبرز برنامج ”من أجل الحياة على الأرض” الذي تقدمه مي الشافعي على الاذاعة المصرية العامة، اذ انه يعالج قضايا بيئية أساسية ولا يكتفي بنقل الخبر16.
شهد اهتمام وسائل الاعلام التونسية بموضوع البيئة نمواً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، خاصة منذ أن أصبحت تونس البلد الأول في العالم العربي الذي دمج التنمية في اسم وزارة البيئة، فأصبحت ”وزارة البيئة والتنمية المستديمة”. التغطية الصحافية لمواضيع البيئة تعكس في معظمها نشاطات الوزارة وبرامجها، وهي تنشر على صورة أخبار وتحقيقات وملفات متنوعة. وجريدة ”الصحافة” اليومية هي الوحيدة التي تخصص صفحة دورية للبيئة، وإن كانت متقطعة. وتخصص معظم محطات الاذاعة برامج أسبوعية ثابتة للبيئة. وتعرض قناة تونس 7 التلفزيونية برنامجاً أسبوعياً علمياً بعنوان ”أسرار الطبيعة”، وتعرض القناة 21 برنامجاً بيئياً أسبوعياً متنوعاً بعنوان ”دائماً خضراء”. وبالتعاون مع الوزارة، تبث وسائل الاعلام التونسية المرئية والمسموعة باستمرار فقرات قصيرة للتوعية حول مسائل بيئية محددة17.
الصحيفة اليومية الوحيدة في الجزائر التي تخصص صفحة أسبوعية للبيئة هي ”الصباح”، الحديثة النشأة والمحدودة التوزيع. مواضيعها محلية وعالمية عامة، وهي تركز على المعلومات المبسطة الهادفة الى التوعية البيئية. أما صفحة البيئة الأسبوعية، التي ظهرت لثلاث سنوات في جريدة ”الشروق”، فقد توقفت على الرغم من أنها تطرقت خلال صدورها الى مواضيع هامة بدأت بالنفايات المنزلية والمياه القذرة والاعتداء على المساحات الخضراء، ووصلت إلى كشف بعض المخالفات البيئية الكبيرة. ويبرز في الجزائر برنامجان إذاعيان بيئيان يبثان أسبوعياً18.
من اللافت أن معظم الصحف المغربية التي تخصص صفحات للبيئة يتولاها محررون متخصصون هي باللغة الفرنسية. فالأقسام والصفحات البيئية المتخصصة محصورة في جريدتين يوميتين بالفرنسية (L’Opinion, Le Matin du Sahara) ومجلتين أسبوعيتين (Tel Quel, Le Journal). مواضيع هذه الأقسام المتخصصة تتوزع بين المحلي والاقليمي والعالمي، وتتمحور أساساً حول قضايا الكوارث الطبيعية والنفايات وتلوث الهواء والمياه والشواطئ. ويتميز التلفزيون المغربي ببث فقرة مسائية قصيرة يومياً منذ عام 2005، عنوانها ”قطرة ماء”. وفي الاذاعة المغربية برنامج ”قضايا بيئية” الاسبوعي19.

البيئة في الاعلام الاقليمي
بين وسائل الاعلام العربية التي تتوجه إلى جمهور إقليمي في كل البلدان العربية، إضافة إلى المتحدثين بالعربية في دول العالم الأخرى، تبرز ثلاث تجارب متميزة في الاعلام البيئي: مجلة ”البيئة والتنمية” الشهرية، وجريدة ”الحياة” اليومية، وإذاعة ”مونت كارلو” الدولية بالعربية.
”البيئة والتنمية” تصدر في بيروت منذ عام 1996، بمحتوى عربي وعالمي، وتوزع في جميع الدول العربية عبر قنوات توزيع الصحف المحترفة، وعلى مشتركين ناطقين بالعربية حول العالم. ”البيئة والتنمية” عمل إعلامي مستقل، يموّله الناشر والمعلنون والقراء. لها مراسلون حول العالم العربي، وهي مرتبطة بمركز أبحاث بيئية خاص بها يرفدها بالمحتوى العلمي، ويصدرها فريق من الصحافيين المحترفين. وبسبب عدم ارتباطها بمؤسسات حكومية ومنظمات، حافظت المجلة على هامش كبير من الحرية، فطرحت المواضيع بجرأة وموضوعية واحتراف في آن معاً. وهي المطبوعة العربية الوحيدة المختصة بالبيئة التي يتم تحريرها وإنتاجها وتوزيعها وفق المقاييس الصحافية المحترفة، مما جعلها تحتل مركزاً متقدماً إلى جانب كبريات المطبوعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وشعارها ”عنوان متخصص لجميع القراء” يعبّر عن سياستها التحريرية في تبسيط مواضيع البيئة للوصول إلى القارئ العادي، مع المحافظة على الرصانة العلمية.
جريدة ”الحياة”، التي تصدر من لندن وتوزع في جميع انحاء العالم العربي وحول العالم، تنشر صفحة بيئية شهرية بالتعاون مع مجلة ”البيئة والتنمية”، إضافة إلى تحقيقات بيئية دورية. وتتميز هذه الصفحة بتنوع مواضيعها، من العمود التحليلي إلى التحقيق والمقابلة والخبر الموثق. ومن أبرز حملات ”الحياة” ـ ”البيئة والتنمية” التي أحدثت أثراً وفرضت اتخاذ إجراءات فعلية سلسلة التحقيقات عن اليورانيوم المستنفد. هذه السلسلة ساهمت بشكل رئيسي في تبني وزارة البيئة العراقية الموضوع بجدية، فبدأ قياس الاشعاعات ونشرت النتائج، وقدمت الطلبات بإجراءات تصحيحية. كما كان لهذه الحملة أثر كبير في التوعية حول موضوع اليورانيوم المستنفد عبر العالم العربي، وفي دول الخليج خاصة.
إذاعة مونت كارلو الدولية التي تبث بالعربية من باريس إلى جميع أنحاء العالم العربي، تقدم برنامجاً بيئياً أسبوعياً بعنوان ”بيتنا العالم”، من إعداد الاعلامي حسان التليلي. هذا البرنامج المتواصل منذ عام 2003 يتم اعداده بصيغة مجلة مسموعة، فيحوي الأخبار والمقابلات والتحقيقات والتعليقات. ويتميز بأنه يبث في حالات كثيرة من موقع الحدث البيئي.
وإذا كانت الفضائيات العربية لا تخصص برامج للبيئة على شبكاتها، فبعضها يقدم مواضيع بيئية جادة، من ضمن برامج أخرى، بوتيرة متقطعة. وتبرز في هذا الاطار قناة ”الجزيرة”، حيث خصص أحمد منصور عدة حلقات من برنامجه الذائع ”بلا حدود” لمواضيع بيئية خلال السنوات الثلاث الأخيرة، كان معظمها بالتعاون مع مجلة ”البيئة والتنمية”. وهو كان من أوائل الذين طرحوا موضوع اليورانيوم المستنفد تلفزيونياً. وقد أطلقت ”الجزيرة” في نهاية 2006 فقرة بيئية بعنوان ”من أجل بيئة نظيفة”، تقدمها روان الضامن، وهي سريعة ومباشرة.
أما قناة العربية فقد قدمت تحقيقات متنوعة عن مواضيع بيئية، كان أبرزها ما أعدته ميسون عزام ضمن برنامج ”مشاهد وآراء” في آب (أغسطس) 2006 عن اليورانيوم المستنفد. وكان هذا من أفضل التحقيقات وأكثرها دقة وشمولية عن الموضوع20.
وبدأ في تشرين الثاني (أكتوبر) 2006 البث التجريبي لقناة فضائية باسم ”بيئتي”، بإشراف الرئاسـة العامـة للأرصاد وحماية البيئة في السعودية. لكن بعد سنة على إطلاقها، ما زالت المحطة تفتقر الى شبكة برامج ثابتة، ومعظم فقراتها مشاهد مصورة عن الطبيعة والمحميات، تُبث غالباً بلا تعليق. لكنها تبقى تجربة فريدة واعدة، يتطلب نجاحها في الوصول الى جمهـور واسع إعداد برامج قوية احترافية تشدّ المشاهد.

البيئة العربية على الانترنت
تبذل بعض الدول العربية جهداً كبيراً كي تدخل عصر تكنولوجيا المعلومات. إلا أن أنماط استخدام الإنترنت في العالم العربي ما تزال تقوم على الرغبات الاستهلاكية أكثر من استثمارها كمصدر لإنتاج المعرفة وتخزينها ونشرها. وتقدم تقارير التنمية الإنسانية العربية، التي أعدها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الكثير من الحقائق المثيرة والمقلقة. فإلى جانب الاشارة إلى أن نسبة مستخدمي الانترنت في المنطقة العربية هي بين الأدنى في العالم، ينبه التقرير إلى أن السياسات العربية التي تحاول التصدي لفجوة المعلومات تركز على البنية التحتية لقطاع الاتصالات، وتهمل المحتوى. فمعظم المواد المتاحة على الانترنت هي باللغة الانكليزية التي لا تتقنها إلا نسبة صغيرة من السكان. وقلة المواد المتوافرة بالعربية على الانترنت تحرم شريحة كبيرة من الجمهور المنافع المرجوة في عصر المعلومات.
ووفقاً لدراسة أجراها ”مركز دراسات الاقتصاد الرقمي” (مدار)، فقد بلغ عدد مستخدمي الانترنت في العالم العربي في نهاية عام 2005 نحو 26 مليوناً، أي ما نسبته 8,5% من السكان، مقارنة مع 14% على مستوى العالم. ووجدت دراسة ”مدار” أنه في حين ارتفعت نسبة مستخدمي الانترنت في دول الخليج، تتقدمها الامارات، فهي ما زالت منخفضة إلى ما دون 6% في 12 دولة عربية21. وتمثل هذه الأرقام بلا شك تقدماً كبيراً على ما ورد في تقرير ”التنمية البشرية” لعام 2002، الذي وضع نسبة مستخدمي الانترنت العرب دون الواحد في المئة.
حجم المعلومات البيئية المفيدة لمتصفّحي مواقع الإنترنت العربية ضئيل. فمعظم المواقع التابعة لهيئات عربية رسمية وخاصة وأهلية هي باللغة الانكليزية، وغالباً ما تعتمد على تقديم معلومات ترويجية ودعائية للمؤسسة أو المنظمة صاحبة الموقع أكثر من تقديم خدمات معلوماتية وبحثية للمتصفحين. بل يمكن القول إن معظم مواقع الإنترنت العربية المعنية بالبيئة هي مواقع ترويجية لاجتذاب المؤسسات الأجنبية المانحة. غير أن هذه المواقع ضعيفة كأداة للعلاقات العامة أيضاً، في موازاة افتقارها الى المعلومات. فالعلاقات العامة الناجحة تقوم بدورها على المعلومات الموثوقة22.
الحصول على معلومات حول البيئة العربية عبر الإنترنت ممكن عموماً، لكنه يتطلب جهداً كبيراً وقدرة على معرفة المواقع الدولية التي تتضمن المعلومات المطلوبة، ومعظمها بالانكليزية. وتبقى المشكلة ندرة البيانات الاحصائية الجديدة الموثوقة، التي هي إما غير موجودة أساساً وإما لا توجد مؤسسات تعمل على جمعها في صيغة صالحة للمقارنة، وهذا يسبق عملية عرضها على الانترنت. ويترتَّب على شبكة الانترنت العربية الانتقال من الاشادة والترويج الى المعلومات والتحليل، وإنشاء منابر للتفاعل والحوار.

خلاصة
قد يكون الاعلام البيئي صورة عن العمل البيئي العربي. فهو يحتاج إلى تحديد المفهوم والاطار والهدف. على وسائل الإعلام التي تتوخى معالجة موضوع البيئة تحديد مفهوم البيئة وهدف الاعلام البيئي في المقـام الأول. فالإعلام البيئي جزء من سياسة بيئية عامة، وليس مجرد أداة للإعلان عن سياسـة بيئيـة جاهزة. كما أنه يهدف الى تنمية الوعي البيئي لدى قطاعـات المجتمع المختلفة، حتى تشـارك بفاعليـة في تطويـر السياسـات البيئية ومراقبتها ومراجعتها، ويهيئ الجمهور للمشاركة الايجابية في دعم تنفيذ السياسات والتدابير البيئية. ومن ضمن الاهتمامات الرئيسية للإعلام البيئي إحداث تغيير سلوكي في مواقف الناس من البيئة، والتعامل مع موارد الطبيعة كسلعة ذات ثمن وليس كهبة مجانية.
ولئن كان الاعلام أداة رئيسية لتحقيق السياسة البيئية، فهو لا يكون فعالاً إلا بالتكامل مع الأدوات الأخرى، من تشريعات وقوانين وحوافز وروادع مالية. فمجرد الاطلاع على المشكلة لا يؤدي دائماً الى استعداد الفرد للمشاركة في حلها، بما قد يستتبعه هذا الحل من قيود. إن نجاح التدابير البيئية على المستوى العام مرتبط بتناسق هذه الأدوات الثلاث ودعمها بعضها بعضاً في حلقة مترابطة. فالاعلام قد يسهل مهمة إقناع الناس بالقوانين، كما قد تؤدي القوانين الى دفع الناس لتقبل الرسالة البيئية. وتساهم الحوافز والروادع المالية في حصول تقبل أفضل للقوانين وتطبيقها بفعالية.
يهدف الاعلام البيئي أساسـاً الى حفـز الجمهور للمشاركة الفعالة في رعاية البيئة، من خلال دفع الناس الى العمل الشخصي، وتشجيعهم على الحوار وإيصال آرائهم بقوة الى المسؤولين، فيكون لهم رأي مسموع يساهم في صنـع القرار. وهذا يستدعي إقامة حوار تصل من خلاله آراء الناس الى المسؤولين، كمـا يوصـل المسؤولون الى الجمهور إيضاحات عن جدوى التدابير والإجـراءات التي تتخـذها الحكومـات والهيئات الرسمية لحماية البيئة.
الاعلام البيئي يدفع الجمهور الى الانخراط في عملية التخطيط واتخاذ القرار. وتؤدي مشاركة الجمهور في الحوار البيئي الى تعميم الوعي للحفاظ على موارد الطبيعة، كما تعطي المسؤولين صورة واضحة عن اهتمامات الرأي العام.
وتتعاطى السياسة الوطنية للإعلام البيئي مع الموضوع من أربعة منطلقات:
أولاً: الإعلام كوسيلة لايصال الحقائق والمعلومات البيئية الموثوقة الى الجمهور، وأيضاً كوسيلة ينقل من خلالها الجمهور آراءه الى المسؤولين ويتحـاور معهم. الإعلام هنا أداة حوار مفتوحة ومشاركة في القرار.
ثانياً: الإعلام كوسيلة لإبلاغ الجمهور عن السياسات الحكومية وشرح المخططات والتدابير المتعلقة بالبيئة، لإعطاء الناس حقهم الطبيعي في حرية الوصول الى المعلومات وتأمين شفافية العمل الرسمي.
ثالثاً: الإعلام كأداة لإحداث تغيير في سلوك الناس وتعاملهم مع البيئة، إما في إطار تصرفات شخصية طوعية، وإما في إطار تأمين الدعم لسياسات وتشريعات بيئية رسمية.
رابعاً: الإعلام كوسيلة للعلاقات العامة، إذ أن السياسة البيئية الحكومية لا يمكن أن تنجح من دون إقامة شبكة من العلاقات بين المسؤولين عن السياسة البيئية من جهة، والهيئات الأهلية والصناعيين والتجار والمهنيين والتربويين والمستهلكين وجميع الفئات الشعبية والرسمية من جهة أخرى23.
تفتقر معظم وسائل الإعلام العربية الى محررين مختصين، في ما عدا التصنيفات التقليدية: المحليات، الدوليات، الثقافة، الاقتصاد، الرياضة، التحقيقات. وفي حالات كثيرة، يُطلَب من المحرر نفسه العمل لأكثر من قسم واحد. فأين تقع شؤون البيئة والتنمية؟ قد نجد ما يتعلق بالبيئة في الأخبار المحلية، من مشروع طريق أو سد أو مصنع أو تشجير أو كارثة طبيعية. لكن هذه كلها تكتفي بنقل الخبر وتفتقر الى الاستقصاء والتحليل. أما التحقيقات المحلية حول شؤون البيئة فغالباً ما تتركز حول موضوع مثل النفايات في الشوارع، وهو موضوع يسترعي الانتباه البصري المباشر، أو كارثة مثل تسرب نفطي أو اشتعال الآبار، وتهمل مسائل مهمة أخرى مثل أثر الصناعة في البيئة واستنزاف الموارد الطبيعية وتلوث المياه وتخريب الشواطئ وتضخم المدّ العمراني على نحو عشوائي. هذه المسائل البيئية الأخرى المهمة، تكتفي وسائل الإعلام العربية بالنشر عنها حين تحصل على مواد جاهزة من منظمات دولية أو وكالات أنباء.
ليس المطلوب من الصحافي أن يكون عالماً وخبيراً في شؤون البيئة. غير أنه من الضروري أن يلمّ بموضوعه بما يعينه على تحديد المصادر الصحيحة لجمع المعلومات ومن ثم عرضها وتحليلها. وهنا تبرز أهمية التعاون بين الصحافة وخبراء البيئة العرب والمنظمات المحلية والإقليمية والدولية المعنية بالبيئة. فالحاجة الأولى هي وجود محررين مختصين بشؤون البيئة وشؤون التنمية أو بالأمرين معاً. والحاجة الثانية الملحّة هي إيجاد قنوات اتصال بين هؤلاء ومصادر المعلومات، من خبراء وهيئات حكومية ومنظمات.
إن من يتصدى للبيئة والتنمية في الإعلام، يجب أن يكون محرراً مختصاً، يدعمه مركز معلومات في المؤسسة الإعلامية وخبراء مختصون في قطاعات المجتمع الأخرى، وتفتح له مؤسسات الحكومة مجال الوصول الى مصادر المعلومات، وتدعمه الهيئات المحلية والدولية المختصة بالمعلومات. إن العبء الأساسي يقع على المحرر، الذي يجب أن يتمتع بالمعرفة والقدرة والنشاط ليستقصي مشاكل البيئة والتنمية ويعالجها من دون الاستناد كلياً الى البلاغات الصادرة عن الهيئات الرسمية أو الى وسائل الإعلام الأجنبية.
هدف الإعلام البيئي توعية الجماهير وأصحاب القرار على أهمية الحفاظ على البيئة الطبيعية وادارة مواردها بتوازن، من خلال تَعامُل الأفراد والمجموعات الشخصي السليم مع المحيط الطبيعي، ودمج الاعتبار البيئي في خطط التنمية القومية. غير أن القرارات الكبرى التي تحدد مصير البيئة هي تلك التي تبقى في يد السلطات المركزية. من هنا، فإن هدف توعية الجماهير لا يتوقف عند حثهم على العمل الفردي، بل يتجاوز ذلك الى إعدادهم بالمعرفة والدافع لتشكيل رأي عام يحترم البيئة ويضغط على أصحاب القرار لاعتماد خطط تنمية متكاملة تأخذها في الاعتبار. ومن مسؤوليات الاعلام البيئي أيضاً التوجه إلى المسؤولين ومتخذي القرار لمدهم بالمعلومات والآراء والتحليلات الدقيقة عن الأوضاع والخيارات البيئية المتاحة.
ولئن كان للمنظمات الإقليمية والدولية والحكومات دور رئيسي تتولاّه لدعم الإعلام البيئي العربي، فالحق أن المسؤولية الكبرى تقع على رجل الإعلام والمؤسسة الإعلامية. ويبقى السؤال: هل يمكن للاعلام أن يتكلم في فراغ، أم كجزء من اهتمام بيئي في جميع قطاعات المجتمع، العلمية والاقتصادية والسياسية والأهلية؟ هل يخترع الاعلام عملاً بيئياً أم يكتب عن عمل موجود؟ مهمته أن يكون جزءاً من نهضة بيئية علمية متكاملة، لا يمكن من دونها تحقيق تنمية مستدامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى