أخبار وطنيةالأخبار

الرد الحكومي على مطالب النقابات يحدد معالم المحطات المقبلة للحوار الاجتماعي


إن الرد العملي لرئيس الحكومة على النقاط التي كانت موضوع الحوار الاجتماعي الأخير، والتي أدلى على إثرها قادة النقابات الخمس المشاركة في الحوار بتصريحات مطمئنة، هي التي ستحدد مضمون وحدَة خطب القيادات النقابية، وهي التي ستتحكم في الشعارات الأساسية التي ستكون موضوع اللافتات المحمولة في المسيرات، بل إنها هي التي ستحدد معالم المحطات المقبلة للحوار الاجتماعي

image

تستعد النقابات العمالية عبر العالم للاحتفال يوم فاتح ماي بعيد الشغل، وسنة بعد أخرى تتحول معالم ومظاهر الاحتفالية، وتتباين الشعارات حسب تباين نوعية المشاكل التي تميز كل منطقة وكل قطاع.

ضمن هذا التحول تبرز دول الربيع العربي كمحطات تعكس الإحباط الذي طغى في الأوساط الاجتماعية بفعل فقدان الجزء الأوفر من مناصب الشغل وتدهور الوضع الأمني وارتفاع كلفة المعيشة، وفي الجزائر سيكون لفوز عبد العزيز بوتفليقة بولاية رابعة أتر كبير على احتفالية كل من المساندين والمعارضين للنظام، أما في المغرب فقد صار من المرتقب أن تتميز احتفالات السنة الجارية، على المستوى الشكلي، بتأكيد الوحدة بين الاتحاد المغربي للشغل، والكونفدرالية الديمقراطية للشغل، والفيدرالية الديمقراطية للشغل، وحتى إذا لم تبلغ هذه الوحدة مستوى الاجتماع في مسيرة واحدة فإنها قد تكتفي بمظاهر رمزية من قبيل تخصيص مقاعد في منصات الخطابة لممثلي النقابتين الحليفتين، أما على المستوى النوعي فإن الرد العملي لرئيس الحكومة على النقاط التي كانت موضوع الحوار الاجتماعي الأخير، والتي أدلى على إثرها قادة النقابات الخمس المشاركة في الحوار بتصريحات مطمئنة، هي التي ستحدد مضمون وحدَة خطب القيادات النقابية، وهي التي ستتحكم في الشعارات الأساسية التي ستكون موضوع اللافتات المحمولة في المسيرات، بل إنها هي التي ستحدد معالم المحطات المقبلة للحوار الاجتماعي.

كل التحولات السياسية والاقتصادية التي يشهدها العالم، وخاصة في القارتين الأوربية والآسيوية، تعد بإقدام المستثمرين على ترحيل أنشطتهم الصناعية من الدول التي تعاني من تدهور الوضع الأمني إلى الدول التي تنعم باستقرار سياسي وتتوفر على الحد الأدنى من البنيات التحتية والعدالة والموارد البشرية المؤهلة، وفي خضم هذا التحول فإن المغرب لم يعد من حقه أن يضيع هذه الفرصة، خاصة أن الرد القوي على جميع محاولات التضييق عليه وإخضاعه للحصار الاقتصادي، وعلى التوجهات الابتزازية المستندة على التهديد بالنيل من وحدة المغرب الترابية، لن يكون فاعلا إلا إذا التزمت أطراف الإنتاج الثلاثة بالتزاماتها وواجباتها تجاه الشركاء وتجاه المجتمع.

بالنسبة للحكومة التي تمثل الطرف الأول والأساسي في الحوار فإن واجباتها تفرض عليها توفير المناخ الاقتصادي والاجتماعي الذي يؤمن الاستمرار في سياسة ترشيد الإنفاق في الوظيفة العمومية، وهذا في حد ذاته يقتضي تمكين القطاع الخاص من خلق أكبر عدد من فرص الشغل المنتجة لفائض القيمة، فرغم كل ما تحقق في مجال التجهيز بالبنيات التحتية، فإن المقاولة المغربية، التي يعول عليها في تثمين هذه البنيات، لا تزال تعاني من تعقيدات وبطء المساطر الإدارية، وتتضرر من ندرة السيولة وارتفاع كلفة الحصول على قروض، ومن غلاء العقار، ومن تنافسية الواردات المستفيدة من دعم حكوماتها. فتوفير المناخ الاستثماري الملائم هو المعبر إلى الرفع من الإنتاج وإلى تمكين أطراف الحوار الاجتماعي من تقديم التنازلات الضرورية لبلوغ التوافق المنشود.

وبالنسبة للمقاولات فإن تغلبها على الضغوط الخارجية بمختلف أنواعها ومصادرها لن يتحقق دوما بالسطو على حقوق ومكتسبات المأجورين، فالأسر المغربية التي تعاني من ارتفاع كلفة التعليم والعلاج والعقار، ومن ندرة مناصب الشغل لم تعد تتوفر على هامش للتنازل، كما أن منطق إنفاق مداخيل المقاولات في مظاهر البذخ والرفاه على حساب الاستثمار في التجهيزات الضرورية لاستمرارية وتطوير الإنتاج، لا يمكنها إلا أن تزيد من حدة النزاعات الاجتماعية وأن تعرض المقاولة للإفلاس.

أما بالنسبة للعمال وتمثيلياتهم النقابية، فإن تجارب العقود الأخيرة خلفت العديد من ضحايا الطرد والإفلاس الناتج عن شل الحركة الإنتاجية لأسباب قد تكون قابلة للتجاوز في فترات استثنائية، فمنطق تنظيم الحركات الاحتجاجية والتصعيد في فترات الدروة يكون له بالتأكيد الوقع الكبير على المشغل، لكنه إذا زاد عن حده يفرض توقيف الإنتاج وبالتالي تسريح المستخدمين والدخول في متاهات المساطر القضائية التي قد تطول دون أن تحمي من تدني مستوى العيش.

ما يجب استحضاره أولا في عيد الشغل المقبل هو أن المغرب يتمتع هذه السنة بمناخ استثماري جد مشجع، ففضلا عن الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي يمكن للديبلوماسية الاقتصادية أن ترفع قيمتها إلى أعلى المستويات، فإن المغرب تمتع خلال الموسم الفلاحي الحالي بمستويات جيدة من التساقطات المطرية وبمناخ غير مضر بالنباتات والأشجار، وقد صار من الممكن الرهان على جني موسم فلاحي فوق المتوسط، وعلى خلق المزيد من فرص الشغل في الأنشطة الفلاحية والأنشطة الموازية.

وما يجب استحضاره ثانيا في هذه المناسبة السنوية هو أن المشاريع التي أشرف عليها حلالة الملك في كافة الميادين وعبر مختلف أنحاء المغرب تندرج في إطار استراتيجية شملت الحقل الديبلوماسي من خلال النتائج المحققة في الزيارات الملكية لمختلف القارات والدول الصديقة والشقيقة، ومن خلال المشاريع المهيكلة الرامية للرقي بمختلف القطاعات الإنتاجية والخدماتية، وكل هذه المشاريع تحتاج إلى من يرعاها ويعمل على تثمينها وإدماجها في محيطها الاقتصادي والاجتماعي.

إن الفرصة متاحة لكي يحسن المغرب كافة مؤشراته الاقتصادية والاجتماعية، ويبقى الأمل هو أن تكون قرارات الحكومة المرتقب الإعلان عنها قبل فاتح ماي 2014 في مستوى انتظارات العمال والمقاولين على حد سواء، فالظرفية الدولية تحتم العمل الجماعي على تدليل الصعاب لأن منطق “علي وعلى أعدائي” غير مقبول من طرف كل من له بالفعل غيرة على مصلحة الوطن وله استعداد للتضحية من أجل بلوغ العيش الكريم.

تارودانت نيوز
عبد القادر الحيمر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى