مقالات

الحركة الوطنية المغربية


من الطبيعي أن يكون المعنى الأول الذي يحضر في الذهن، حين الحديث عن الحركة الوطنية المغربية، هو حركة التحرير التي خاضها الشعب المغربي من أجل استعادة استقلاله المغتصب تحت قيادة نخبة وطنية عملت على رسم الأهداف وتخطيط الوسائل التي تقود إلى تحقيق تلك الأهداف. ومن حيث هي كذلك فهي تقبل المقارنة مع غيرها من حركات الاستقلال الوطني في البلدان التي عرفت الاحتلال في مختلف صوره وأشكاله (استعمار، حماية، انتداب…) في العالم العربي وخارجه. غير أن الحركة الوطنية المغربية لم تكن فحسب عملا سياسيا ومقاومة تستوجب اللجوء إلى القوة والعنف في بعض الأحوال والأطوار، بل إنها كانت تزاوج بين الكفاح السياسي والدعوة إلى مشروع ثقافي يروم إقامة نظام سياسي مغاير لذلك النظام الذي كان موجودا إبان الاحتلال، مثلما كانت تطمح إلى بناء مجتمع جديد في جوانب كثيرة منه. ومن هذه الزاوية، أي من حيث إنها تمتلك مشروعا يتجاوز عمل التحرير السياسي إلى المشروع الثقافي – السياسي أو إنها كانت تطمح إلى ذلك، فهي تتصف بالفعل بفرادة مميزة. ومن هذه الناحية كذلك الحركة الوطنية المغربية ليست تقبل أن يكون عملها يتوقف عند استعادة الاستقلال وتحرير الوطن، وإنما هي ترى أن له امتدادا في الزمن أطول من ذلك، لا بل إنها ترى أن عملها الفعلي لا يزال مستمرا وأنها لا تزال تمتلك القدرة على الفعل والتأثير الكفيلين بجعل التشوف إلى بناء نظام سياسي مغاير لذلك الذي كان عليه البلد ليلة دخول الاستعمار وإقامة مجتمع، حديث مختلف ومتطور. وبالتالي فإن للحركة الوطنية المغربية، أو بالأحرى، عند من يعتبرون أنفسهم المكملين الطبيعيين والشرعيين لما كانت تحلم به أو تدعيه. ومتى نظرنا إلى المسألة على نحو ما فعلنا فنحن مطالبون بالتمييز – في الحديث عن الحركة الوطنية المغربية – بين مرحلتين اثنتين. مرحلة أولى تبتدئ مع بداية الحركة وتنفعل مع أطوار التطور التي مرت بها تحت الاحتلال الأجنبي. ومرحلة ثانية هي تلك التي أعقبت استعادة الاستقلال ولا تزال في خطاب بعض الأحزاب المغربية مستمرة حتى اليوم. وفي حديثنا اليوم نريد، في قسم أول قصير، أن نذكر بالمرحلة الأولى وأطوارها. ونريد، وهذا هو الأهم، أن نسعى إلى الإجابة عن السؤال المزدوج التالي: ما وجه الصحة (أو الشرعية) في القول إن الحركة الوطنية المغربية لا تزال لم تستكمل مشروعها الأصلي بعد، اليوم والمغرب يقترب من إتمام العقد الثالث على استرجاع المغرب لكافة أراضيه (باستثناء مدينتي سبتة ومليلية وبعض الجزر الصغيرة في شمال البلاد)؟ ما المبررات المنطقية في التمييز في الأحزاب المغربية بين أحزاب يحق لها الانتساب إلى المشروع السياسي – الثقافي للحركة الوطنية المغربية وأحزاب أخرى ليس يجوز لها ذلك؟

عرفت الحركة الوطنية المغربية ميلادها الشرعي في سنة 1930 (في رد فعل شهير على إقدام سلطات الحماية الفرنسية على استصدار الظهير الذي يقضي في التمييز في القانون بين البلاد التي تنتمي للمحيط العربي الإسلامي والأراضي الأخرى التي لا تخضع لأحكام الشرع الإسلامي – وإنما يرجع البت في الأحكام فيها إلى ما يقضي به العرف السائد في بلاد «البربر» ومن ثم اشتهر مشروع الظهير المشار إليه بالظهير البربري). غير أن الميلاد الفعلي أي التنظيمي الحامل لعناصر مشروع سياسي – ثقافي ضمني يرتبط بحدث سياسي في تاريخ العمل الوطني في المغرب المعاصر هو تاريخ تأسيس «كتلة العمل الوطني» في سنة 1934. و«الكتلة» هي الصيغة الأولى التي اهتدت إليها ثلة من الشباب الطليعي قصد التوجه – ضمن إطار مشروع – لإدارة الحماية الفرنسية والتعبير عن المطالب التي كانت تلك الثلة تقول إنها مطالب الشعب المغربي. وخلاصة تلك المطالب هي دعوة الحماية الفرنسية إلى الوفاء بما التزمت به في عقد الحماية الموقع مع سلطان المغرب والقاضي بإدخال جملة من الإصلاحات الإدارية والمالية، مع المحافظة على النظام السياسي القائم في البلاد ومراعاة أحوال البلاد في الشريعة وفي النظم الاجتماعية. ليس هذا مجال القول إن العمل على الاستجابة للمطالب التي تضمنتها المذكرة من شأنه إفراغ عقد الحماية من محتوياته وبالتالي إبطاله، وإنما نحن ننبه، جملة، إلى أن تلك كانت الاستراتيجية التي سلكتها الحركة الوطنية الناشئة. وما يعنينا تسجيله في هذا المقام هو أن المشروع الثقافي السياسي الضمني (وهم زعماؤها وطليعتها وقادتها) كان مستمدا لعناصره من مصادر ثلاثة أساسية. أولها، وهو ما العلم به للأسف قليل محدود، من درس الحركة التنويرية التي شهدها المغرب في مناطق محدودة من (فاس، شمال المغرب، مراكش…) وهي حركة تجديد ديني ومنحى إصلاحي اجتماعي خاصة. وثانيها ما كان يصل إلى النخب المغربية في الحواضر المذكورة من صدى الحركات الإصلاحية في المشرق العربي وفي تركيا. وثالثها ما عرفه العض القليل من النخب المشار إليها مما شاهدته في اتصالها عن طريق التجارة خاصة مع الغرب الأوروبي وفرنسا وبريطانيا خاصة وإن كان ذلك في دوائر محدودة. إلى هذا يضاف ما كانت الدولة المغربية ذاتها تسعى إليه من إصلاحات في مجالات التعليم والمالية والإدارة، إذ إن مصلحتها المباشرة كانت تقوم في إدخال تلك الإصلاحات بيد أنها كانت تلقى معارضة قوية، شرسة من قبل القوى المحافظة ممثلة في رجالات المخزن ذاته وكذا في أرباب الزوايا وشيوخ الطرق مع ما كانت تلقاه من تشجيع علني حينا وتشجيع خفي أحايين كثيرة من القوى الاستعمارية التي كانت تتربص بالمغرب الدوائر.

ما حدث للحركة المغربية الوطنية عقب استعادة الاستقلال يشبه ما عرفته حركات مماثلة (متى نظرنا في الحركة الوطنية إلى الجانب المتعلق بالعمل من أجل التحرر السياسي واستعادة الاستقلال). كانت الحركة الوطنية المغربية تكتلا فكريا سياسيا يضم تيارات شتى، وبالتالي رؤى متعددة لكل من النظام السياسي الواجب اعتماده في المغرب بعد الاستقلال وكذا في فكرة المجتمع المغربي. كان الناظم بين تلك الرؤى والتيارات المتعددة هو التشوف إلى الاستقلال، غير أن الرؤى سيتبين أنها لم تكن كذلك بالنسبة لتصور مغرب «ما بعد الاستقلال». ومن المفيد في هذا الصدد أن نستعير من الزعيم الصيني ماو تسي تونغ تمييزا كان كثير التداول في العقود السالفة، زمان الحرب الباردة وهو التمييز بين «التناقض الرئيسي» من جهة و«التناقضات الثانوية» من جهة أخرى. والأول في مثالنا هو ذاك الذي كان قائما بين الحركة الوطنية والاستعمار الفرنسي، فهو تناقض يدفع بالخلافات الجزئية إلى الظل ولكنه لا يلغيها. وللحديث صلة.
تارودانت نيوز
عن الشرق الأوسط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى