مقالات

عبد الله زريقة شاعر مختلف بقصائد مختلفة


عبد الله زريقة شاعر مغربي معاصر من مواليد 1953 بالدار البيضاء، المدينة الغول التي تنمو فيها العمارات وكبرى المؤسسات التجارية عموديا مثلما ينمو البؤس أفقيا في غرف البيوت المشتركة وغرف السطوح النائمة في ظلال الصحون الهوائية حيث الأسر البيضاوية مقسمة بأفرادها الى لونين كرويين : أحمر الوداد وأخضر الرجاء.
من أحياء الهامش تحديدا اختار عبد الله زريقة خطه التحريري باكرا. وصاغ أفكار خطواته في الحياة من قعر المجتمع السفلي وهو الحاصل على الاجازة في السوسيولوجيا. وهي الأفكار التي سيدافع عنها باستماتة الكبار بقميص صوفي واحد تقريبا وشعر أشعث وعينين متقدتين على دوام القصيدة. وهذه هي الصورة الفتوغرافية الوحيدة التي يتداولها محبوه في صفحات التواصل الاجتماعي حيث صديقنا عبد الله غير مبال بها بالتمام..
عبد الله زريقة غائب عن الأمسيات الثقافية والمهرجانات الشعرية الوطنية سواء في أعالي الجبال أو في واحات الصحراء .. ومن لائحة المستفيدين من التفرغ الأدبي والسياحة الأدبية الى الجزر البعيدة. لا بأس. فبامكانه أن يكتب في أي مكان وبلا قمصان ملونة ولا لباقة المحتالين على ميزانية وزارة الثقافة. وجواز سفره نظيف ومضبوط حيث لم يسافر قط الى عراق الأمس ولا عاد بهدية الحاكم. ولا شرب قهوة تحت خيمة الزعيم المقتول. (كان مطلبه الصغير ومازال حتى الآن أن ينأى بنفسه عن الزعيق العام الذي استسلمنا أغلبنا له، وأن ينأى عنه كل نص عمومي، وكل فعل ثقافي أو اجتماعي أوسياسي قد يؤثر على صمته) يقول عنه صديقه الشاعر حسن نجمي في شهادة صريحة وهو الذي عايشه عن قرب بالدار البيضاء الى جانب الشاعرين الراحلين عبد الله راجع وأحمد بركات وآخرين..
هل هو مرعوب ومتوجس الى الدرجة التي يقول في ديوان فراشات سوداء (وأخشى المائدة / لأن الذي يجتمع / حولها للأكل/ يجتمع حولها / للقتل/ وأخشى الانسان / يملك عينين اثنين / عين تأكل/ وعين تقتل )..و بالمقابل هل هو برئ الى الحد الذي يجهر في نفس الديوان دائما ( أعلن أنا الشيطان / أني لا أقتل / بل الانسان / هو الذي يقتل / أعلن أنا الشيطان / أقود الى / مناطق الحب الساخنة / وليس الى الحرب)..
لا تهم الأسئلة ولا الأجوبة مادام الشعر عند زريقة حالة وجودية بالدرجة الأولى وبوجود الخسارات الكبرى والتفاصيل الصغرى الجارحة بدءا من رحاب الجامعة كطالب تقدمي قي صفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب مرورا بتجربة السجن 1978 لمدة عامين والتهمة كبيرة اسمها قصيدة مزعجة في فترة الانقلابات العسكرية الفاشلة والاعتقالات القسرية بدون محاكمة وسرية أماكن الاعتقلال. وهو ما عرف في المغرب بسنوات الرصاص ..وصولا الى الالتصاق الدائم بهموم الوطن والانتصار لأحلام الهامش المشروعة ..انه ريبرتوار هام أكسبه لغة مغايرة ومختلفة وتركيبات مفزعة تشي بها عناوين دواوينه : رقصة الرأس والوردة 1977/ ضحكات شجرة الكلام 1982 / زهور حجرية 1983/ تفاحة المثلث 1985 /. فراشات سوداء 1988 / فراغات مرقعة بخيط الشمس 1995 / سلالم الميتافيزيقيا 2000/ ابرة الوجود 2008.و في السرد أصدر روايتين : المرأة ذات الحصانين 1991 ومقبرة السعادة 1988 .
واضح أن اللغة عند عبد الله زريقة تتجاوز وظائفها عند جاكبسون حين تنحو الى مجاهل الذات السرية مما يستدعي ويتوجب على قارئ قصائده امتلاك منهج نقدي مخالف لتلك المناهج الصارمة التي يدرسها أساتذة متجهمون بكليات الآداب.نتحدث عن منهج نقدي مهم اسمه القدرة على الاصغاء للصوت الخفي في القصيدة والاستعداد التام للسير بخطى حافية فوق أشواك كثيرة للقبض على المقصود والمسكوت عنه. وأيضا للوقوف على تنوع تجربته وتطورها وعدم حصرها وتسييجها في أدب السجون فقط. ويحضر اللسان المغربي الدارج في قصائد زريقة كعتبة أولى لبعض المقاطع. وذلك بكلمات من قبيل :آه أه آه/ واه أواه/ ياهاه/ها هاه /… لشد القارئ والدفع به الى مغاور النص دون الاسفاف بلغة الشاعر المشذبة باتقان والقادرة على خلق الايقاع الداخلي للنص دونما حاجة للتوسل بغنائية القدامى.
أما التيمات فهي تنأى عن التنميط ومختلفة حيث يسطع الهامش الأصل في كثير من التفاصيل الصغرى حتى لو تعلق الأمر بقط يطارد اللذة من سطح لآخر.. وتيمة السجن كتجربة مؤلمة ومجدية في نفس الآن لتحصين الذات من فظاعة الواقع والمؤسسات في ديوان زهور حجرية.. والموت بملفوظاته الثقيلة : القبور /النعوش / الجحيم / النارô / وموضوعات الكتابة والفراغ كقلق شعري وهاجس كوني.
وتتجلى في تضاعيف قصيدة زريقة الكثير من النصوص الغائبة التي استطاعت بظلالها أن تفك مزابل صغيرة من الطريق وتفك ألسنة الخيال المعقوفة لتنساب الكلمات سريعا مثل جياد فالتة من عقال طويل. وصافية بلا استعارات ولا متضادات مجانية. وأهم هاته النصوص الخفية تلك الواردة من الدرس الفلسفي بأحجاره الصلداء. يقول في ديوان أبرة الوجود (الاحتمال شيء لم نعثر على وجوده بعد / الاحتمال يهرب منا ليلتقي / بصدفة تائهة في الطريق / الاحتمال هو الوجود الذي يبقى /..)..كما تخيم ظلال النص الصوفي على قصائد ديوان سلالم الميتافيزيقيا وذلك بتزاحم شفراته المتعددة وغموض منظومة النص ككل مما يجعل آليات القراءة لدى قارئ هذا الديوان أمام محك صعب. الصعوبة التي يتقاسمها معنا الشاعر نفسه حيث يقول (لم أفهم هذه الميتافيزيقا / إلا حين سال مني دم كثير).
اختلاف التجربة الشعرية عند عبد الله زريقة يطال أيضا المستوى الكاليغرافي للقصيدة حيث ليس لديه أدنى مشكلة في أن يفصح عن نفسه شذريا أو في سطور طويلة ومتلاصقة مثل قوافل نمل. وبصيغة المتكلم في الغالب الأعم وان تجاوزه فالى ضمير المخاطب .يقول في ديوان فراشات سوداء (ورأيت الحرف شكل انسان / والسطر طريقا مستقيمة نحو جهنم/ والنقط نسيانا بين الكلمات / والورقة ورقة الدخول الى جهنم).
عبد الله زريقة صوت شعري متجدد وغير مكرور أنصفته الترجمة ونقلت أشعاره الى عدة لغات عالمية .و كان عبد اللطيف اللعبي سباقا الى ترجمة قصائده الأولى الى الفرنسية. زريقة حاضر أيضا بقوة نصوصه في المهرجانات الشعرية العالمية. ويستحق من أبناء الدار أكثر من تلك المجاملة المرشوشة في مقالات عمومية .مثلما يستحق حيزا في المقررات الدراسية والانتباه الى تجربته في بحوث وأطاريح جامعية.

تارودانت نيوز
عن القدس العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى