أخبار دوليةالأخبار

الإخوان والتحالف في ليبيا كينونة وهمية وصراع بالوكالة!!


لقد فاجأ سقوط العاصمة الجميع مناصرين للنظام ومعارضين ولهذا كانت مرحلة ما بعد السقوط ضبابية وغير واضحة وحرجة فاعترتها الفوضى, ولم يتمكن الكثير من رموز ثورة 17 فبراير من امتلاك زمام الأمور المنفلتة في حين تمكن آخرون كانوا مغمورين من الظهور على ساحة الأحداث, وأضحت الفرصة سانحة في ظل هذه الفوضى لبروز الكثير من الانتهازيين وتصدرهم الموقف فيما بعد!. كان اللجوء إلى الإعلان الدستوري في تنظيم مرحلة ما بعد الثورة امرأ حتميا برغم من عدم دقة وموضوعية بعض الأمور التنظيمية في الإعلان الدستوري الأمر الذي سبب فيما بعد ارتباكا وعدم وضوح, وهنا كان بديهيا ان يحدث التضارب بين ساسة المرحلة ومتصدري الأحداث الذين لم يكونوا على استعداد فعلي لتلك المرحلة التي فاجأتهم زمنيا بسقوط العاصمة.

وهذه الحال وجد المجلس الانتقالي المهلهل التركيب والخديج الولادة نفسه أمام مهام كبيرة في إدارة وقيادة دولة خارجة من حرب ضروس ونظرا لتركيبته التوافقية وعدم تمتع اغلب أعضائه بالكفاءة السياسية والمهنية سادت فترة حكمه حالة من الفوضى العارمة واللامسئولية مما انشأ وضعا مأساويا فتح الباب على مصراعيه أمام أصحاب الأطماع الرخيصة والأجندات الخاصة من انتهازيين وتجار مواقف وسماسرة وغيرهم واستخدمت في ذلك وسائل الضغط والترهيب التي وجدت في استخدام السلاح قوة ضاغطة وحيدة على الأرض فانطلقت حملة تسليح وتشكيل مجموعات مسلحة شرعنها المجلس الانتقالي تحت مظلة الثوار وحماية ثورة 17 فبراير! ليجد هذا المجلس نفسه بعد حين انه قد رهن نفسه لقوة السلاح ولم يقو على مقاومة ذلك وهو ما دفعه للعمل حثيثا من اجل نقل المسئولية إلى الجسم الآخر وهو المؤتمر الوطني العام في اكبر عملية توريط تشهدها الساحة الليبية!!..لذلك تم توزيع عدد أعضاء المؤتمر وفق آلية توافقية ارتضاها المجلس الانتقالي فرضت فيها إرادة الأقوياء فلم تخضع لنسب عدد السكان ولا إلى التوزيع الجغرافي للمناطق. ومنذ تلك اللحظة اتجهت الأنظار إلى تكريس واقع خلطة المجلس الانتقالي وسعى الكثير من أعضاء المجلس إلى جعل المؤتمر الوطني نسخة كربونية للمجلس الانتقالي الأمر الذي دفع بالبعض الآخر إلى انتهاج سبيل مغاير وأمام ذلك التباين والاختلاف في التوجهات والرؤى لم يجد الفرقاء ضالتهم إلا فيما يسمى بالأحزاب فانطلق الجميع يؤسسون أحزابا وهمية كرتونية لا يزيد أعضائها على بضع المئات في غياب قانون ينظم الانتخابات فكانت خطوة استباقية في غير محلها ألقت بظلالها القاتمة فيما بعد حينما اتضحت بعض معالم الصورة التي مفادها انه لا أساس تنظيمي ولا قاعدي للأحزاب في ليبيا بحكم تحريمها في النظام السابق.

استطاع الإخوان المسلمون وجبهة الإنقاذ أن يظهرا أكثر تنظيما بحكم قدم تكوينهما! واستغلت رغبة الناس في ممارسة الديمقراطية على الطريقة الغربية فانخرط الناس في تشكيل أحزاب ربما فاقت المائة حزب حلال شهرين او ثلاثة!! ونظرا لهشاشة الوضع القاعدي للأحزاب في ليبيا سعى آخرون إلى تكوين ما يسمى بتحالف القوى الوطنية الذي اجتمع حوله الكثير من الليبيين الذين يفتقدون الخبرة الحزبية الكافية في محاولة لخلق حالة اصطفاف شعبي يحقق الأغلبية في الانتخابات. دخلت أحزاب الكرتون! المعترك السياسي في أول تجربة انتخابية للمؤتمر الوطني العام واستطاع تحالف القوى الوطنية الحصول على حوالي 34 مقعدا وحزب العدالة (الإخوان) حوالي 18 مقعدا من مجموع 200 مقعد اي بمعنى ان مجموع ما حصل عليه التحالف والإخوان لا يزيد عن 25% من عدد أعضاء المؤتمر هذه النسبة طبعا لا تشكل أغلبية ولهذا ليس بمقدورهما وان اتحدا تحقيق أي نصر وفقا لقاعدة الديمقراطية والتصويت! ومن هنا اتضح جليا ان هذين الحزبين ليس بمقدورهما قيادة المؤتمر الوطني العام أو توجيهه منطقيا وواقعيا..إذا هي لعمري كذبة سمجة انطلت على الشعب وصدَقها من بعده قادة الحزبين ليشترك الجميع في حالة من الوهم السياسي والانفصام القسري بين الواقع والوهم حتى صرنا نصدق ان المؤتمر رهين تلك الكتلتين!!

لكن الحقيقة الدامغة والجلية هي ان من يقود ليبيا الدولة ويتحكم في دواليب سياستها أجسام أخرى تفرض سطوتها على المؤتمر وتوجهه حسب أجنداتها الخاصة!! تلك المجموعات برغم وضوحها هناك من يحاول تجاهلها واهما أو خائفا!! أنها عبارة عن مجموعات ذات أهداف مشتركة تشكلت في سرايا وكتائب مسلحة منتشرة في طول البلاد وعرضها واتخذت مسميات متعددة لكنها جميعا تحت مظلات ثلاث إما دينية أو قبلية أو جهوية.. فالمظلة الدينية يندرج تحتها كل الجماعات الإسلامية المتشددة والغير متشددة على مختلف مسمياتها وهي منتشرة في مدن درنة وبنغازي وطرابلس وسرت ومصراتة والزاوية وصبراتة وغيرها أما المظلة القبلية فهي تمثلها المجموعات المسلحة في الزنتان وغيرها من القبائل التي تشكلت فيها كتائب وسرايا أما المظلة الجهوية فتتمثل في المنطقة الشرقية وتحديدا ما يسمى (قوة دفاع او جيش برقة) ضف إليها كافة المدن الليبية التي تشكلت فيها مجموعات مسلحة مناطقية! هذه التشكيلات هي التي تحكم ليبيا الآن ولا احد يمكنه نكران ذلك وهي تتوزع الأدوار بينها وتتحكم في مفاصل الدولة العسكرية والمدنية وتحاول جاهدة منع التصادم فيما بينها من خلال المحافظة على حدود ونقاط التماس والتداخل حفاظا على استمرار وجودها وهي بالتالي ترفض وتعرقل كل ما من شأنه بناء الدولة على أسس صحيحة بما في ذلك عرقلة بناء الجيش والشرطة وكل الأجهزة الأمنية .

انطلاقا من هذا الواقع البائس يمكن القول ان الإخوان وكذلك التحالف هما فقط كينونة وهمية لا اثر لهما في واقع السياسة والقرار الآن في ليبيا!! وهما حيث لا رصيد اجتماعي وعددي لهما بالمقياس الشعبي وبالتالي لن يكون لهما مستقبلا سياسيا بالمنظور الانتخابي وانهما واقعيا ينفذون رؤى الآخرين من التشكيلات المسلحة بالوكالة حين اتخذوهم واجهات سياسية وإعلامية تحت تأثير المصالح المشتركة ويتم استخدامهما لتنفيذ أغراض وغايات بعض التشكيلات المسلحة التي تفرض إرادتها بقوة السلاح عليهم وعلى الآخرين!! ولا يعني هذا ان هذين الحزبين لم يستفيدا من الوضع حيث ترك لهما هامش للاستفادة والمنفعة وفق ما لا يتعارض مع أهداف وغايات الطرف المسيطر على كل منهما من المجموعات المسلحة وبما يلبي طبيعة التبادل النفعي!! ولهذا نرى ان ما يسمى بالإخوان والتحالف سيتلاشيا من الساحة السياسية قريبا وان عمرهما مرتبط بعمر المؤتمر الوطني العام هذا الجسم التي احتضنهم وخلق منهما هالة وهمية صدَقها أعضاؤه وفرضوها واقعا مزيفا على الساحة السياسية طيلة عمر المؤتمر الذي يحزم حقائبه للرحيل. سيرحل المؤتمر العام فهل سيرحل معه ما يسمى بكتلة الإخوان والتحالف ويتغلب الليبيون على وهمهم وواقعهم المزيف الذي حاول ويحاول أعداء الشعب فرضه ولو بقوة السلاح؟! هل سيقول الشعب كلمته في انتخابات البرلمان الجديد ويعيد لليبيا بهائها ووجهها الحقيقي؟!.ام هل ستستمر المجموعات المسلحة في فرض سطوتها بقوة السلاح لتظهر لنا كتلا جديدة في البرلمان الجديد تؤدي نفس دور كتلتي التحالف والاخوان؟!
د. عبيد الرقيق.
عين ليبيا.
تارودانت نيوز.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى