مقالات

إيران و طروحات الهيمنة على العالم العربي.


تنطلق هذه المقالة التحليلية من إشكالية تركز على فهم كيفية تأطير إيران لاستراتيجية الهيمنة والنفوذ على العالم العربي، وكيف جسدت الثورة الإيرانية ذلك من خلال الإطار الدستوري الذي ابتكرته؟ وما هي النماذج التي تناولت كيفية بناء الإمبرطورية الشيعية بعد نجاح الثورة الإيرانية. كل ذلك بهدف إدراك المقاربات التي وضعتها دولة ولي الفقيه، حتى تجسيد ذلك على أرض الواقع.
بداية إعتبرت إيران نفسها -حسب وجهة نظر الخميني- قاعدة الإنطلاق نحو تحقيق الوحدة الإسلامية؛ وبالتالي تشكيل الحكومة الإسلامية على قاعدة الإسلام الشيعي، وهذا المبدأ طبق تحت شعار “صدور إنقلاب إسلامي”، ومعناها بالعربية “تصدير الثورة الإسلامية”، حيث أكد الخميني على أن تشكيل الحكومة الإسلامية في إيران هي مجرد الخطوة الأولى النواة بهدف إنشاء الحكومة الإسلامية العالمية التي تحقق العدل، إذ ثبت في الدستور مسألة ولاية الفقيه دستورياً وأطرها مؤسسياً، وبهذا وضعت موضع التنفيذ، فقد جاء في الدستور: “إنطلاقاً من قاعدة ولاية الأمر والإمامة المستمرة فإن الدستور يمهد الأرضية لتحقيق قيادة الفقيه جامع الشرائط الذي تعترف به الجماهير كقائد، حتى تضمن عدم إنحراف المؤسسات والأجهزة المختلفة عن مسؤولياتها الإسلامية الأصلية، فمجاري الأمور تبقى بيد العلماء الأمناء على حلاله وحرامه”. على قاعدة هذه الأفكار أقامت المؤسسة الدينية بزعامة الخميني جميع مؤسسات الدولة السياسية وهيئاتها الثورية الجديدة التي مارست السلطة من خلالها.

وعلى هذا الأساس فقد تميزت أفكار الخميني بإعطاء أهمية كبيرة للعلاقات مع العالم الخارجي، حيث أكد على أهمية الوحدة لكن ضمن رؤية وتصور خاص، حيث طرح الخميني مفهوم الإتحاد الكونفدرالي مع الدول العربية، لكنه في مواضع أخرى عديدة رغم طرحه لهذا التصور إلا أننا نجده لا يعترف بالحدود الجغرافية بين الدول، مُعتبراً أن هدف هذه الحدود التفريق بين أبناء الأمة الإسلامية، ومؤكدا ضرورة التخلص من الهيمنة العالمية التي تسعى إلى زرع الفرقة فيما بينها، وهذا التصور الذي طرحه الخميني يُشكل تناقضاً واضحاً؛ ففي الوقت الذي يدعو إلى الوحدة بين إيران والدول الإسلامية من خلال الشكل الكونفدرالي المتعارف عليه من خلال النظم السياسية والقانون الدستوري، حيث من المعلوم أن هذه الشكل يحافظ على حدود الدول وإستقلالها، إلا أن الخميني -في الوقت ذاته- لا يعترف بالحدود الجغرافية بين الدول، وهذا يُبين النوايا المبيتة للسياسة الإيرانية التي تسعى للسيطرة والهيمنة على العالم العربي والإسلامي من خلال زرع السم بالدسم.
أما النقطة المثيرة الأخرى في فكر الخميني فهي المسألة المُتعلقة بنفي الظلم، وإعتبار أن أصل العلاقات الدولية في الدين الإسلامي يقوم على مسؤولية إيران في رفع هذا الظلم، حيث يعتبر أن هناك مسؤولية تقع على عاتق الثورة الإيرانية بأنها ستكون إلى طرف جميع المظلومين في العالم؛ بهدف رفع الظلم عنهم، معتبراً هذا المفهوم مفهوماً جديداً في العهد الحديث، حيث مكنت إيران من صياغة سياسة خارجية أكثر استقلالية وأقل تبعية، لكن يبقى مفهوم الثورة الإيرانية للظلم وإزالته موضع تساؤل، فكيف ستتدخل لإزالته؟ ولصالح من؟ وما هو هدفه؟ وكيف إنعكست هذه السياسة من خلال مداخل الأزمات الموجودة حالياً في المنطقة، خاصة موقفها من الأزمة العراقية، اللبنانية، الأفغانية… وتدخلها لصالح دعم التيارات الشيعية التي تُمارس عنفاً طائفياً لم نجد له مثيل في تاريخ العراق الحديث.

ومن المسائل التي أثارها الخميني -أيضاً- والتي أحدثت ضجة كبيرة في العالم العربي والإسلامي، وعكست النوايا الحقيقية للثورة الإيرانية هي دعوته إلى تحطيم الكيانات القائمة، وإزالة جميع الأنظمة، من خلال الدعوة إلى خلق ثورة سياسية إسلامية. من هنا فإن هذه المباديء هي التي حكمت علاقات النظام الجديد بالدول المجاورة خاصة ما يتعلق منها بنظرية ولاية الفقيه، وأبعاد هذه الفكرة التي شوهت السلوك الخارجي الإيراني الذي سعى إلى تفعيلها من خلال استراتيجية الهيمنة والتوسع.
إن تطوير الخميني لمفهوم ونظرية ولاية الفقيه قد أدت إلى أن تصبح هذه الفكرة محور الإحياء الإسلامي للثورة الإيرانية، وأصبحت معياراً هاماً لشرعية النظم السياسية الأخرى، وهذا بدوره أثر عليها، حيث نظرت الدول الأخرى إلى الثورة على أنها باتت تُشكل مصدراً لتهديدها، ومن هنا مثلَت الرؤية السابقة للخميني مدخلاً أساسياً ومهماً لتبني إيران مباديء فكرية وحركية تجاه الدول الأخرى، وكان للقيادة الإيرانية تصورها الخاص للدور الذي يجب أن تقوم به الثورة في البيئة الخارجية (الإقليمية والدولية)، وجعل من تصدير الثورة مرادفاً لشموليتها، وهذا الأمر أثر بدوره سلباً على علاقات إيران مع العالم الخارجي، وبدى ذلك واضحاً من خلال الأزمة الإقتصادية التي عاشتها إيران في عهد الخميني، وتفاقمت بعد وفاته، حيث تمثلَت مؤشراتها في إرتفاع معدلات التضخم حوالي خمسة عشر ضعفاً، وحاولت إيران بعدها تدارك تبعات سياساتها وشعاراتها من خلال سعيها إلى إستئناف علاقاتها مع بعض الدول العربية خاصة الخليجية منها، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية التي قطعت علاقاتها مع إيران على أثر أحداث الشغب التي قام بها الحجاج الإيرانيون (اضطرابات الحرم المكي في مارس 1991)، وأقدمت السعودية في المقابل كنوع من إثبات حسن النية على السماح لحوالي (115) ألف إيراني لأداء فريضة الحج.
ومن هنا كان لشخصية الخميني وأفكاره أثرها السلبي على علاقات إيران مع محيطها الإقليمي، وبحسب تعابير جوزيف كوستنر: كان وصول الخميني إلى السلطة في إيران تدشينا لعصر جديد للشيعة في الخليج العربي والمنطقة، وبحسب فحوى هذه النتيجة الإفتراضية، فإن الإلهام الثوري الإيراني قد فخخ الوعي الشيعي بإتجاه تفجير الأوضاع السياسية، وبذلك أصبح الشيعة في البلاد العربية -وفق وجهة نظر رجال الدين الكبار في قم وخراسان، وحسب استراتيجيات بناء الإمبراطورية الشيعية الموعودة- طابوراً إيرانياً خامساً في بلدانهم.

يمكن القول إن الخميني كان يضع الخطط والاستراتيجيات له ولأتباعه من بعده بهدف إقامة حزام شيعي للسيطرة على ضفتي العالم الإسلامي، وكان هذا الحزام يتألف من إيران والعراق وسوريا ولبنان، وعندما يصبح سيداً لهذا الحزام يستخدم النفط وموقع الخليج للسيطرة على بقية العالم الإسلامي. وقد كان الخميني مقتنعاً بأن الأمريكيين سيسمحون له بتنفيذ ذلك .. بهذه الكلمات أجاب “أبو الحسن بني صدر” أول رئيس إيراني عقب ثورة الخميني عن سؤال وجه له وكان السؤال: “هل كان الإمام الخميني يحدثك عن علاقة مع الجوار العربي، ومع دول الخليج العربية تحديداً؟ وهل كانت لديه أطماع في التقدم عسكرياً تجاه هذه الدول من أجل تصدير الثورة مثلاً؟”. أجاب: “يبدو أن حلم الخميني الذي طمع بمساعدة مقدمة من الإدارة الأمريكية لتحقيق أهدافه للتوسع والتقدم، أريد لها أن تتحقق في عهد بوش الابن والذي يضم في إدارته بعض عناصر إدارة ريجان”.

ويشار هنا إلى أن الخميني رفض -بحسب شهادة كثير من المراجع الفارسية- كل الوساطات والعروض التي قدمها صدام حسين لإيقاف الحرب الإيرانية-العراقية، حيث منيت بالفشل، لأن الخميني لم يكن راغباً في إنهائها، بل وجد أن الحرب هي حيوية بالنسبة لإيران، وكان يتحدث لعدد من المقربين له بأن هدف الثورة الإيرانية النهائي هو ضرورة إسقاط الأنظمة التي يعتبرها طاغوتية، تمهيداً لتحقيق فكرة الحكومة الإسلامية العالمية العادلة وفق وجهة نظره، وأن وقف الحرب كمن يتجرع السم، وقد أقنعه رفسنجاني بوقف هذه الحرب، نظراً للظروف الإقليمية والدولية، ولأسباب متعلقة بالخوف على الثورة الإيرانية وإستمرارها، كما يذكر رفسنجاني ذلك بنفسه، وبحسب تصريح رفسنجاني الذي قال فيه: “لقد كان وقف الحرب نتيجة للضغوط المختلفة، وحفاظاً على الثورة الإسلامية حتى تستعيد عافيتها من جديد بهدف الديمومة والاستمرار”.

الخلاصة أن أفكار الخميني جميعها تدور حول قضية الحكم والهيمنة والتوسع، فالحكم يجب أن يكون للفقيه، والشروط الواجب توفرها في هذا الحاكم هي العلم، والمقصود العلم الشيعي، وبالقانون والعدالة، ويستمد الفقيه الشيعي سلطاته ليس من أي جهة دنيوية بل من الله. والذي يطابق الأفكار الخاصة بالخميني مع الممارسة اليومية له يستنتج أن المقصود بذلك الفقيه هو شخص الخميني الذي يجب أن تكون إرادته فوق كل إرادة، وسلطانه فوق سلطة الشعب، فلقد أصر الخميني على إسم إيران وربطها بمفهوم مذهبية الدولة، وقد إعتمد في إيران الثورة في تثبيت الكثير من المعالم والرموز الخطرة التي لم تنتبه لها جميع الدراسات العربية، للتذكير بإمبرطورية هذه الدولة وفارسيتها وزرداشيتها، كل ذلك بهدف ترسيخ تاريخ هذه الإمبرطورية في أذهان الشعب الإيراني حتى بعد انتصار الثورة الإيرانية بدعم وتأييد فتاوى الخميني وأعوانه، مثل بقاء تسمية العملة الإيرانية بالتومان، وإستمرار إعتماد الأشهر الإيرانية والأعياد القديمة التي ترتبط بالديانة الزرداشتية والأساطير المتعلقة بها لغاية اليوم، وإصرار الثورة على إبقائها والتمسك بها.

ولتأطير ذلك قانونياً ودستورياً فقد ترجم الدستور الإيراني الحديث فكرة الحكم الإمبراطوري وحدوده الآيدولوجية مجدداً لكن وفق أطر دستورية وقانونية، وبغطاء مذهبي قومي لا يعرف سوى العصبية، وبما أنه يعكس تلك الخلفية الإمبرطورية التي جاءت نتاجاً وتجسيداً للواقع غير المستقر والمتناقض أصلاً، حيث أن المجتمع الإيراني قد إمتاز على مر العصور بعدة خاصيات أهمها ظاهرة عدم الإستقرار السياسي والاجتماعي، وكذلك ظاهرة الحكم الاستبدادي العسكري على الأغلب، إضافة إلى دور البعد التاريخي لتأثير الديانات السابقة للإسلام في إيران، وإستمرار هذا التأثير الموروث في بناء المجتمع الإيراني، وهنالك خاصية أخرى إمتاز بها المجتمع الإيراني ولا يزال هي ظاهرة التخلف، وهذه الظاهرة تؤدي إلى التمسك بالسلفية المذهبية التقليدية، فإذا كان الدستور يعكس هذه البنيات فمن الطبيعي أن يفتقر إلى التجانس والنقاء، وبالإضافة إلى ذلك فإن البنى الثقافية في إيران هي نتاج للثقافة الغربية التي تعلق بها الإيرانيون منذ القدم، حتى أنهم كانوا يؤكدون على جنسهم الآري الأوروبي، وهذا التعلق خلق نوعاً من التبعية الثقافية الإيرانية للغرب، وبهذا حاولت إيران ضرب التراث الإسلامي من خلال خلق ثقافة هجينة بديلة في الثقافة الإسلامية هي الثقافة الفارسية التي تدعي الإسلام لكن وفق رؤية خاصة بإيران وثورتها .

وقد ورد في الدستور أن هنالك جزماً وإصراراً على “أن الدستور يجب أن يعكس تسمية وأهداف إقامة الجمهورية الإسلامية، ويعبر عن ذلك من خلال كافة البنى والعلاقات السياسية والإجتماعية والثقافية والإقتصادية للمجتمع والدولة وللثورة ومؤسساتها، ويجب أن يرسم في النهاية الطريق لتركيز قواعد الحكومة الإسلامية، وأن يطرح نهجاً جديداً لنظام حكومي إسلامي يقوم على أنقاض النظام الطاغوتي السابق”.

وإنسجاماً مع ذلك لم يقف الأمر عند هذا الحد،حيث نجد أن الدستور الإيراني يُبيح لدولة الحلم الإمبرطوري التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، حيث نجده قد نص على مايلي: “في الجمهورية الإيرانية الإسلامية، تعتبر الحرية والإستقلال ووحدة أراضي البلاد وسلامتها أموراً غير قابلة للتجزئة، وتكون المحافظة عليها من مسؤولية الحكومة و جميع أفراد الشعب، لا يحق لأي فرد أو مجموعة أو أي مسؤول أن يلحق أدنى ضرر بالإستقلال السياسي أو الثقافي أو الإقتصادي أو العسكري لإيران، أو ينال من وحدة أراضي البلاد بإستغلال الحرية الممنوحة، كما أنه لا يحق لأي مسؤول أن يسلب الحريات المشروعة بذريعة المحافظة على الإستقلال ووحدة البلاد، ولو كان ذلك عن طريق وضع القوانين والقرارات”.
ما معنى هذا؟ إن الدستور الإيراني في الوقت الذي يعطي للسلطات الإيرانية حق التدخل المباشر في شؤون الدول الأخرى يمنع منعاً باتاً التدخل في الشؤون الوطنية الإيرانية، ويحافظ على الإستقلال السياسي ووحدة أراضي البلاد.
فعندما يتعلق الأمر بالتوسع الخارجي فإن الرابطة الإسلامية “وحدة المذهب الشيعي” يُسوغ لإيران التدخل في شؤون الآخرين عنوة، لكن حينما يتعلق الأمر بإيران تبرز المصلحة القومية الفارسية الإيرانية، وليس الإسلام لتكون حامية إيران بحدودها ومصالحها.
ويتحدث الدستور الإيراني عن المسلمين وفق وجهة نظره، حيث “يُعتبر المسلمون أمة واحدة من دون الناس، وعلى أساس تضامن الشعوب الإسلامية ووحدتها، فإنها ستواصل سعيها من أجل تحقيق الوحدة السياسية والإقتصادية والثقافية في العالم الإسلامي”، كل ذلك بإسم الوحدة الإسلامية، وهذا حسب التصور الإيراني يعطي شرعية لإيران لوضع إطار مشروع للتدخل والإحتواء والسيطرة والهيمنة، ومرة أخرى تأتي الأولوية المطلقة لتقديم مصالح إيران القومية التي يدعو دستورها للمحافظة على حدودها، وعدم التفريط بها، حيث ينص الدستور الإيراني على ما يلي: “يحظر إدخال أي تغيير في الخطوط الحدودية سوى التغييرات الجزئية مع مراعاة مصالح البلاد، وبشرط أن تتم التغييرات بصورة متقابلة، وأن لاتضر بإستقلال ووحدة أراضي البلاد، وأن يُصادق عليها أربعة أخماس عدد النواب في مجلس الشورى الإسلامي. وفي مواضيع أُخرى يؤكد الدستور على حق إيران في التدخل، رغم أنه يحاول نفي ذلك:
“تعتبر جمهورية إيران الإسلامية سعادة الإنسان في المجتمع البشري كله قضية مقدسة لها، وتعتبر الإستقلال، والحرية، وإقامة حكومة الحق والعدل حقاً مشروعاً لجميع الناس في أرجاء العالم كافة، وعليه فإن جمهورية إيران الإسلامية تقوم بدعم النضال للمستضعفين ضد المستكبرين في أية نقطة من العالم، وفي الوقت نفسه لا تتدخل في الشؤون الداخلية للشعوب الأخرى”، هذا الحق في التدخل الذي يؤكده الدستور مراراً هو بمثابة إعتراف صريح بأن إيران سواء كانت بويهية، عبيدية، صفوية شاهنشاهية أو خمينية فإنها تقوم على هدف أساس هو التوسع، إنطلاقاً من السيطرة على العالم الإسلامي والهيمنة عليه تحت شعار دعم المستضعفين.

وتأسيساً على ما سبق فالقاريء للدستور الإيراني يُلاحظ إزدواجية مكشوفة؛ ففي حين أنه يؤكد على الدفاع عن مصالح إيران الوطنية وحدودها ضد المسلمين وغير مسلمين، نرى الدستور الإيراني يتضمن نصوصاً أساسية تسمح لإيران بالتدخل في شؤون الدول الأخرى تحت شعار دعم المسلمين (المستضعفين) في البلدان الأخرى، إذ ترد الفقرة التالية:
“في مجال بناء القوات المسلحة للبلاد وتجهيزها، يتركز الإهتمام على جعل الإيمان والعقيدة أساساً وقاعدة لذلك، وهكذا يصار إلى جعل بنية جيش الجمهورية الإسلامية وقوات حرس الثورة على أساس الهدف المذكور، ولا تلتزم هذه القوات المسلحة بمسؤولية الحماية وحراسة الحدود فحسب، بل تحمل -أيضاً- أعباء رسالتها الإلهية، وهي الجهاد في سبيل الله، والنضال من أجل بسط حاكمية القانون الإلهي في العالم”.

من الواضح هنا من هذه الفقرة أن القوات المسلحة الإيرانية تُعد للغزو الخارجي ولاستعمار الآخرين بإسم الإسلام الإيراني الشيعي الصحيح وفق وجهة نظرهم، لكن ما غاية إيران من كل ذلك؟ سنجد أن الهدف الإيراني النهائي من كل ذلك جعل هذا القرن قرناً إيرانياً، حينما يخلص الدستور الإيراني إلى ذلك من خلال النتيجة التي يسعى إلى تحقيقها: “على أمل أن يكون هذا القرن قرن تحقق الحكومة العالمية للمستضعفين وهزيمة المستكبرين كافة”.

لكن السؤال ما هو المقصود بالمستضعفين؟ ومن هم المستكبرون؟ حيث ورد في الدستور ما يلي: “إن إيران تنظم سياستها الخارجية على أساس المعايير الإسلامية والإلتزامات الأخوية تجاه جميع المسلمين والحماية الكاملة لمستضعفي العالم” .

في الوقت الذي يعتبر فيه دستور الثورة ومراجعها الدينية أن المستكبرين في العالم الإسلامي هم الذين لا يطبقون الحكم الإسلامي الشيعي النقي. نلاحظ في هذه الفقرة أن إيران تبيح لنفسها حق التدخل الكامل في شؤون كل دولة تحت شعار حماية مستضعفي العالم كافة، ونتيجة لذلك برزت سياسة خارجية جديدة أطلقتها الثورة الإيرانية، حيث سعت من خلالها إلى بناء مجال حيوي مذهبي يكون أساساً لإمبراطوريتها الشيعية الموعودة، ومن هنا فقد برز إتجاه إقليمي ودولي يستهدف محاصرة إيران الثورة نظراً لخطورتها، ومحاولة عزلها عن البيئة التي تعيش فيها، ومنها المنطقة العربية التي تمثل إحدى المجالات الحيوية والمهمة للتدخل الإيراني، وأصبحت سياسية إحتواء الثورة والإطاحة بها تقع على سلم أولويات دول المنطقة، وبرز إلى العلن إصطفافات إقليمية لمحاولة الحد من تأثيرها من خلال إستغلال كافة الظروف الإقليمية والدولية على حد سواء، نظراً لما تمثله إيران الثورة والدولة من خطر يستهدف المنطقة وشعوبها، خصوصاً بعد أن أعلن الخميني -قائد الثورة الإيرانية ومفجرها- أن أحد أهم وظائف الثورة وأهدافها هو مبدأ تصدير الثورة، تمهيداً للإطاحة بأنظمة الحكم العربية، وتوحيدها ضمن المجال الحيوي لدولة القلب المذهبي وتحت عباءة الولي الفقيه وصولجانه.

أما النماذج التي تناولت كيفية بناء الإمبرطورية الإيرانية بعد نجاح الثورة في إيران فقد تمثلت بالمدارس التالية:

أولاً: المدرسة البراغماتية في بناء الإمبرطورية الإيرانية – المذهب مقابل الأيدولوجيا “النموذج الروسي”:

يطلق على أنصار هذا الرأي البراغماتون الذين يوظفون الإسلام كغطاء لبناء إمبرطورية إيرانية ذات طابع قومي مذهبي؛ فهم يؤمنون بأهمية توظيف الأمة الإيرانية لكافة إمكاناتها القصوى من أجل النمو داخل المجتمع الدولي، لذا فهم يريدون كل شيء من أجل الداخل ومن أجل الأمة القاطنة فيه، وتعتقد هذه الجماعة بأن الهدف من التمسك بالإسلام إنما هو في الواقع لتدعيم موقف إيران وتدعيم قوتها، كما أنهم يؤمنون بأنه إذا ما قامت إيران بنشاط دولي في العالم الإسلامي يقوم على أساس مساندة حركات التحرر الإسلامية، وعلى تصدير ثورتها، فهي في الواقع تحقق هدفاً مبدئياً يضمن هذا التوسع، وُيسهم في الغزو المعنوي الذي ُيضفي القوة على إيران.

تطبيقاً لذلك، إذا ما إمتلكت إيران قواعد شعبية وأيديولوجية في لبنان، وقدمت تمويلاً مذهبياً لأفغانستان، وإكتسبت نفوذاً مذهبياً ومعنوياً مماثلاً فى باكستان، فإنها فى الواقع ستصبح جميعها قواعد غير قومية وغير محدودة لإيران، ومن هنا فإنه يتوجب عليها أن تستفيد منها لأقصى درجة لغاية فرض هيمنة أكبر إذا إقتضت الضرورة، وهكذا يكون من الطبيعى أنه إذا أصبح لإيران قاعدة مثل لبنان، فإنها ستكون بمثابة دعم لها خارج حدودها، تستفيد منها وقتما تشاء، أو أنها مثلاً تستفيد من حزب الله فى توجيه ضربة ضد مصالح الدول التي لها عداوة معها، ومما لا شك فيه أن إيران فى هذه الحالة سوف لن تكون مجرد دولة، بل ستصبح تياراً عالمياً يتمتع بالهيمنة والقوة خارج حدودها.
ويحاول بعض منظري السياسة الخارجية الإيرانية الربط بين هذا الأمر ونجاح روسيا في بناء إمبرطورية كبيرة، فوفق وجهة نظرهم فإن الإتحاد السوفيتي الإشتراكي إنتهج هذا النهج لأمد طويل، على المستوى التطبيقي في سياسته الخارجية، وكان ذلك من أسباب قوته وهيمنته بوصفه قوة عظمى في ميدان السياسة الخارجية ذات البعد الأيديولوجي، وما كان تأسيس الكومينترن والكمينفورم وتوظيفهما، وتقديم الدعم اللامحدود لكوبا ولجميع الحركات الثورية الشيوعية في العالم إلا تطبيقاً لهذه الرؤية وتحقيقا للهدف الذي ذكر سالفاً، حيث أرسى الإتحاد السوفيتي دعائمه من خلال هذه الاستراتيجيات، وقام بنشر نفوذه في أنحاء العالم، لا سيما في أوروبا، إذ أسس في دول مثل فرنسا وإيطاليا أعظم الأحزاب الشيوعية الموالية له، والتي كان من خلالها يثير الفوضى العمالية التي تؤثر بحدة على صناعة القرار في هذه الدول وقتما تشاء، وبها إستطاع الروس -أيضاً- إرباك الوضع السياسي للأعداء. في الواقع كان الإتحاد السوفيتي ينتفع من الأيديولوجيا الماركسية-الشيوعية بوصفها أداة من أدواته الفاعلة في سياسته الخارجية وفي إدارة علاقاتة الخارجية.
أما فيما يخص الحكومة الإسلامية وسياستها الخارجية، فقد جرى هذا النمط الجدلي حولها ولا يزال، حيث إننا نعلم أن الإسلام دين الأمة الإسلامية، وأن كل من يؤمن بهذا الدين في أي مكان في العالم يعد من هذه الأمة، ومن ثم تصبح للمجتمعات الإسلامية الأخرى حقوق وواجبات على عاتقه. فلقد خرق الإسلام الحدود الجغرافية في جميع أحكامه وقوانينه ووصاياه، وتخطى حدود الدولة الواحدة، ومن ثم فهو لا يهتم بتقسيم الأمة فى إطار الحدود المتفق عليها دولياً، ذلك لتحكمه في أتباعه وحمايتهم ورعايتهم أنى كانوا، لذا نجد أن القول المأثور إذا سمع المسلم إستغاثة أخيه المسلم ولم يغثه فليس بمسلم هي الأساس لفكرة الإسلام اللاحدودي وغير القومي والعالمي.

ولقد تم التأكيد على هذا في بدايات عمر الثورة تأكيداً شديداً، لدرجة أن أعداداً كبيرة من مسلمي الدول المجاورة -لا سيما أفغانستان وبنجلاديش وباكستان والعراق- ترددوا على مكاتب تمثيل إيران في بلادهم، ودخلها عدد آخر منهم طلبا للتجنس بالجنسية الإيرانية، ومطالبين بحقوق المواطنة إعتماداً منهم على مبدأ أن الإسلام لا يعرف الحدود.
ثانياً: المدرسة الدينية “نظرية التكليف الإلهي” – نموذج الدولة الإسلامية:

تركز هذه النظرية على ضرورة العمل بالتكاليف الدينية بغض النظر عن العواقب أو النتائج المترتبة على ذلك، ويعتقد أنصار هذه النظرية أن ما يهم فى سبيل الوصول إلى أهداف السياسة الخارجية القائمة على الشريعة الإسلامية المقدسة، هو تطبيق القوانين الإلهية، ولا يجب علينا فى هذا الصدد أن ننظر إلى العواقب أو النتائج المترتبة على ذلك.

أصل أنصار هذا الرأي البعد الأيديولوجي للسياسة الخارجية الإيرانية وطموحاتها المتعددة، حيث تعتقد بوجوب الحيلولة دون إنعكاس المتغيرات والظروف الحالية في العالم على أي من مباديء ومرتكزات السياسة الخارجية للبلاد وطموحاتها، ويعتقد أنصار هذا الرأي بوجوب “النصرة” بمعنى أنه إذا إستجار أي من الإخوة المسلمين من أي مكان في العالم بإيران فعليها أن تهب لمساعدته ونجدته، والتباطؤ في ذلك غير جائز شرعاً، والعذر فيه غير مقبول على الإطلاق. وهنا يجدر بنا الإشارة إلى جملة من القضايا والأمور، فوجود قاعدة “الوسع” أي أن كل مسؤول أو حكومة إسلامية مسؤول في حدود وسعه، جعل جميع الإلتزامات والواجبات والتكاليف التي يلقيها الشرع على عاتق حكام الدول الإسلامية وعلى عاتق المسلمين محدودة بمرتكز محور “الوسع”، فالحكم القائم مكلف بتقديم العون للمسلم قدر “وسعه”، وعليه واجب التلبية. وسوف نتناول ذلك بإسهاب في مقالتنا القادمة بعون الله تعالى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى