مقالات

نزار قباني ولد ومات في الربيع


يغفو نزار تحت ياسمينة عشقه، قلقا’ كعادته في حياته والرياح تشتد يمينا ‘ويسارا’ لتقتلع ياسمين الشام.
لكن جذورها ضاربة بالأرض كجذور الزيتون الواقفة أبدا في فلسطين بين 1923و1998 ومنذ ما قالت لي السمراء وحتى أبجدية الياسمين عاش نزار يلملم حزنه وألمه اللذين ما فارقا محياه حتى أخلد الروح وأسلم جسده المشاغب تحت ندى الشام .
عاش نزار وهو يعتبر الخوف في العالم العربي كفيروس الرشح والسعال، وربما اعتبر الخوف في جوانح العربي كالعمود الفقري لحياته ومعاشه وسلوكه ووصف حياة العربي الحالية كمن يقطن في مقاطعات الجاهلية والدكتاتورية وهو الذي ألف العيشة بين طبقات البربريات وصرخ ملء شدقيه وكتب وتدرب على مختلف تمارين الموت والإرهاب وربما نجا لكنه بقي رهين المحبسين في لندن.
انشغل بالنساء وكأنه الوصي والأمين عليهن واعتبرهن وقود الثورة ومحركها ضمن يقين قاطع بدور المرأة في المجتمع معتبرا’ إياها امتدادا’ شخصيا’ لكل رجل،قد يكون أعطى وقته الأخير استراحة من النساء لكن أبقى قليلا’ من دمى النساء أمامه.
عندما سلك طريق حزيران 1967 تغير وعاش في هوامش على دفتر النكسة، متتبعا مهرجان الموت العربي على السرير الإسرائيلي ولم ير غير سيوف لبدو من سلالات التتار وهي تهجم لقطع رؤوس الجوري متدحرجة عند أقدام الجندرمة
والوكيل الحصري غورو الجديد، فالعرب من حوله لم يعودوا قبائل ‘كما كانوا في الماضي بل هم بكتيريا متجددة ،حيث اعتبر نزار قباني أن العرب هم الذين أدموا قلبه حتى أسقطوه تفاحة من دم خام، وبقي حائرا’ في طفولة نهد تفجيره الأول في عالم الشعر الرتيب.
نزار عاش شريكا ‘للشيطان’ كما يقول، لأنه اعتبر الشياطين وهم ينظرون الى الشعراء ينظرون إليهم كشركاء عمل في كل التجارب التي يخوضونها أرضا’ وسماء’ على حد سواء، معتبرا’ أنهم جزء من اللعبة الإلهية، ودرجت العادة باعتقاد لا يقبل الشك أن الشيطان والشاعر هما الثنائي الذي يتناوب على فرض السيطرة على العالم.
وعندما وصف نزار بالرجل العاص بعد قصيدته خبز وحشيش وقمر قال: ولا يمكن تفسير المعاصي التي تسجل على الأرض مع ما هو معمول في السماء من تفسيرات لأن الله لا يقيم وزنا ‘لظنون وكلاء طابوا العقاب والثواب على الأرض ولا للفتاوى المتدلية من عقولهم كما اللحى المغسولة بالصمغ لأن الله يمحو أخطاء البشر الصغرى وهو المؤمن العارف بشؤون الدين ويتكئ على قوله أن ليس كل شعر من عمل الشيطان كما يفسر بعض المفسرين الخائبين معتبرا’ أن الشعر تحفة في الفراديس كلها على تعددها وتنوعها ولولا ذلك لكتب الله على اللغة الموت، وبهذا الإيمان عاش نزار في مكان تكسوه الأشجار العالية الجميلة حيث لا تأتيها يد الحطابين.
عاش نزار قباني بين 21 آذار و30 نيسان حيث نضوج الياسمين بعد أن تلاقحت الأرض بحبات المطر وأنبتت صنوف الرياحين في ربيع مزدهر.

تارودانت نيوز
القدس العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى