أخبار دوليةأخبار وطنيةالأخبارفلسفة و أدب

القاصة المغربية:لطيفة لبصير تفكك أسئلة الإبداع المحيرة في أمسية ثقافية بالبحرين

الأربعاء, 14 مايو, 2014

المنامة- بلغة إبداعية منسابة، سلسة وعميقة، فككت القاصة لطيفة لبصير أسئلة الإبداع المحيرة، خلال أمسية ثقافية استضافها إليها (مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث)، أول أمس الاثنين في مدينة المحرق البحرينية العتيقة.
من أين ينشأ الأدب، سؤال يحير الكاتبة فعلا، وربما يحير المبدعين ومنظري الأدب عموما. وثمة أسئلة أخرى لا تخرج عن نطاق الالتباس ذاته، من قبيل هل الأدب يحاكي الحياة، أم هي الحياة تحاكي الإبداع،. هل يأتي الإبداع من الماضي حصرا، أم أن بواعثه المستقبل أيضا،. ماذا عن الأماكن التي نعم بها الأدب وقدمها بالتفاصيل الدقيقة وكأنه ارتادها،، في حين كانت تسكن مشهده الآخر، الغريب، غير المطمئن والضاج بكل شيء.
كل هذه الأسئلة تراود الكاتبة وهي تفكر في الزمن والإبداع وشخصيات كثيرة تعرفها منذ الصغر، لكنها تعرفت على أغلبها من خلال الأدب فقط.
وفي ما يشبه عملية سبر بارعة لأغوار الذات الدفينة، تقر الكاتبة بأن الشخصيات التي تكتب عنها ليست شخصيات غريبة عن الغرفة السوداء المعتمة بداخلها. تلك الغرفة الخاصة حيث ذات المبدعة حرة طليقة في التأمل وممارسة شتى الاستيهامات. “في غرفتي الخاصة أستطيع أن أتأمل تفاصيل جسدي كما أرغب وأنظر في المرآة بدون حرج، كما يمكنني أن أقفز في كل اتجاه، ثم أرى جلدي وهو يشرق أو يشيخ …”.
وعن السؤال الملتبس: “هل تأتي الكتابة مصادفة،”، تجزم الكاتبة بأن هذه المصادفة سببية. إنها لمصادفة موضوعية أن يبدع الكاتب. وترى أن الأدب يحلم والواقع يقر بالمصادفة، ذلك أن العديد من المبدعين كتبوا الغد دون أن يدركوا ذلك، فقد كان إبداعهم يستبق الواقع، ويعلنه. ومن الغريب أنه يحدث أحيانا أن يلتقي المبدع بشخصية نسجها الخيال، في الواقع، يراها تمشي وتتنفس وتأكل وكأنها نفس الشخصية التي كتب عنها سابقا، هي “نفسها” حتى بدرجة حرارتها الخاصة في الحديث وبرغباتها المتنوعة…
مأساة الزمن هاجس آخر يؤرق الإبداع. أليس الوقت الهارب أشبه بشمعة دامعة تسيل منسكبة إلى النطفة الأخيرة المحتومة،، أليست الحياة قبضة ريح،. فكثيرا ما صادر الكتاب الضجيج الذي تحدثه الساعات سواء بالإبداع أو بالانتحار والصمت، وخلفت أسئلتهم الكثير من الغرف النائية والملتبسة التي لم تدرك بعد.. وقد لا تدرك أبدا!
أحيانا تجلس الكاتبة ساعات طويلة كي تشعر بأن الليل والنهار يتعاقبان، وكأنهما يتطاردان بنوع من العناد الدائم، ولذا يتعب العديد من الكتاب من الساعات التي تجعلهم يشعرون بالزمن، وبانمحاء الليل والنهار لأنهم يشعرون بأن هذا الكائن الذي يحيا ويأكل ويعيش ويشتهي وينتشي سيموت.
تحدثت الكاتبة، أيضا، عن ممالك لا تحدث سوى في الإبداع، شارحة أن الأدب يقول أشياء كثيرة لا تنتمي إلى أي مكان، ولكنها تقع في غرف موصدة أبدعتها يد المبدع. والإبداع إذ يلامس جلد هذه الممالك، يشعر بها تماما! كما أن الإبداع ينبش في لغة أخرى مستورة، لأن الكثير من الكائنات ليست كما تبدو عليه من جمال في الواقع. وهذا ما يجعل الكاتبة تتحدث في العديد من النصوص عن أشياء لا تحدث سوى في الأدب، ولا يمكن أن يقولها إلا الأدب.
وعن المشاعر التي ألهبت الأدب، ترى الكاتبة أنها تختلف من مشاعر تبدو لنا طبيعية لكونها تنسجم مع معجمنا “الهادئ الرصين”، إلى مشاعر ملتبسة تقدم خللا في الاعتقاد الذي نطمئن إليه. ولذا، نجد الأدب يعج بهذه الفوضوية في المشاعر، وتمثل العديد من الإبداعات هذا الزحف إلى أعناق أخرى غير العنق الذي اعتاد الأدب أن يقبله.
إلى جانب عمقها الإبداعي الشفاف، جاءت مقاربة لطيفة لبصير لمختلف هذه الأسئلة الملتبسة مسندة لمرجعيات نظرية وأعمال أدبية عالمية مرموقة، من قبيل مرجع “الغد مكتوب” للفرنسي بيير بايار، وكتابي جان بلمين نويل “نحو لاوعي النص”، و”بين السطور”، ومؤلف النمساوي ستيفان زفايغ “فوضى المشاعر”، ورواية “الأمواج” للبريطانية فرجينيا وولف، والرواية الوحيدة للكاتب الإيرلندي أوسكار وايلد “لوحة دوريان غراي”، ورواية “لوليتا” للروسي فلاديمير نابوكوف.
وخلال اللقاء الذي تتبعه جمهور من المثقفين والمهتمين بعوالم الأدب، وعدد من السفراء العرب المعتمدين بالبحرين، تفاعلت الكاتبة مع أسئلة الحضور التي همت قضايا مختلفة، منها السيرة الذاتية، والمرأة والإبداع، والأدب في علاقته بالعام والخاص، وعلاقة الإبداع بالموت، والخط الفاصل بين الحياة الخاصة والإبداع.
وترى الكاتبة أن المبدعين جاؤوا من روايات أسرية هي التي بنت إبداعهم، وأن الأدب كان يحاول أن يحدث قطيعة مع سلطة المؤلف، والآن يعود الإبداع إلى مهده ومحرابه الأصلي، إلى بذرته الأولى.. الإبداع إنساني وعالمي لا حد له في أصوله ومنابعه، يأتي مجمله من اليتم، وهو يرفض البديهيات واليقينيات ويؤمن بالنسبية. لذلك تكبح الكاتبة شخصيات نصوصها بقدر ما تستطيع لأنها لا ترغب في أن تكون لها نهايات خارج الغرف المعتمة بالداخل.
وفي نهاية المطاف، ثمة انتشاء لا يضاهى في العملية الإبداعية بالنسبة للكاتبة. “الإبداع ضروري بشكل كبير في الحياة. أشعر بأن الإبداع أجل شيء في الحياة، ربما هو أجمل من الحب نفسه.. اللذة التي استمدها منه تمنحني القوة والقدرة على الحياة”.
صدر للطيفة لبصير المجموعات القصصية، “رغبة فقط” – 2003، و”ضفائر” – 2006، و”أخاف من…”، و”عناق” – 2010. ولها أيضا مجموعة قصصية مشتركة مع القاص الإسباني نافارو، ومؤلفات مشتركة مترجمة إلى الإسبانية والألمانية.

تارودانت نيوز
و م ع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق