اليوم الخميس 21 نوفمبر 2019 - 12:49 صباحًا

 

 

أضيف في : السبت 24 مايو 2014 - 4:46 مساءً

 

تشيلي والبرازيل.. تاريخ المباريات المصيرية

تشيلي والبرازيل.. تاريخ المباريات المصيرية
قراءة بتاريخ 24 مايو, 2014

السبت 24 مايو 2014
لا يعتبر منتخبا البرازيل وتشيلي خصمين بالمعنى الحرفي للكلمة، ولا يسود التوتر الشديد مواجهاتهما. ويكفي الرجوع إلى تاريخ المباريات المصيرية الكبرى في أمريكا الجنوبية للوقوف على هذا الأمر، حيث تهيمن عليها منتخبات البرازيل والأرجنتين وأوروجواي، وينحصر التنافس في أغلب الأحيان بينها، مما يفسر المنافسة والصراع الشديد بينها. هذا وشهد تاريخ المواجهات بين البرازيليين والتشيليين أوضاعا قد تبرر في نظر البعض العداوة والخصومة، رغم ذلك يبقي الإعجاب المتبادل والسلام سيد العلاقات بين الطرفين.

ولا شك أن موقعة نصف نهائي كأس العالم FIFA 1962 أكبر مثال على ذلك. فقد شهدت الدورة المنظمة في تشيلي لقاء البلدين أمام 77 ألف متفرج في ملعب سانتياجو، وأبلى أبناء السيليساو البلاء الحسن، وانتصروا في عقر دار لاروخا 4-2، وكان جارينشا نجم تلك الليلة بدون منازع، وسجل هدفين. ولم يشارك بيليه في ذلك النزال بسبب الإصابة، وتابعه من دكة البدلاء. وقد استحضر الجوهرة السوداء نهاية تلك المواجهة في سيرته الذاتية، وذكر: “تعب جارينشا من ملاحقة التشيليين له داخل منطقة العمليات، ورد على مناوشاتهم، وتعرض للطرد، مما ولد فوضى عارمة. ورمى أحدهم جارينشا بقنينة أثناء خروج من الملعب، فأصابه، واستعمل الأطباء الغرز في علاجه”. أَوَليس في ذلك دليل على حدة المنافسة بين البرازيليين والتشيليين؟

بينما كتب الصفحي خوليو مارتينز الملقب بجومار في صحيفة إيستاديو، وهي للإشارة أهم جريدة رياضية في تشيلي، بعد تلك الموقعة الحاسمة والتي حرمت أصحاب الضيافة من بلوغ النهائي: “هَزَمَنا المنتخب البرازيلي من جديد، وقضى بذلك على نوع من الأمل الوطني، كما كان الشأن سنة 1945 (خلال بطولة أمريكا الجنوبية)، ليلة هدف هيلينو فريتاس أو سنة 1952 (خلال الألعاب الأمريكية) ليلة أهداف أديمير. وقد نستنتج بناء على ذلك أن البرازيل صار جلاد الكرة التشيلية، حيث أجبر للمرة الثالثة الجماهير على نكس الأعلام والاحتفاظ بها. ويسهل رغم ذلك تفسير ما حدث إذا تم تحليل الأمور بروية، فالأمر متعلق ببلدين لهما أفكار ومبادئ متشابهة. (…) وإضافة إلى التشابه في الأسلوب والخطط، فإن الأولوية للمهارات والقيم الاستثنائية”.

وربما تشكل جمل الصحفي محاولة لَبِقَة لمحو مرارة الهزيمة والإقصاء، لكن لها ما يبررها إذا ربطت بتصريح بديل بيليه في ذلك المونديال، المهاجم أماريلدو، في مقابلة حوارية مع موقع FIFA.com، حيث قال متحدثا عن موقعة النهائي ضد تشيكوسلوفاكيا: “في واقع الأمر، ورغم كل ما حدث في نصف النهائي، وقف التشيليون إلى جانبنا في مباراة الحسم”. وانتصر البرازيليون ليلتها 3-1، وانتزعوا اللقب العالمي الغالي للمرة الثانية، وفسر أماريلدو المناوشات التي شهدها المربع الذهبي بالقول في الحوار نفسه: “كان التشيليون يعلمون أن عليهم إزعاجنا ونرفزتنا لتزيد حظوظهم في الفوز في تلك المواجهة، فقد كان فريقنا أفضل من فريقهم. بيد أنهم كانوا يحبوننا كثيرا، وكان إعجاب التشيليين بنا وحبهم لنا كبيرين طوال فترة المعسكر التدريبي في فينيا ديل مار”.

فيجيروا، ممهد الطريق
سنوات بعد ذلك، أضحت علاقة الحب والإعجاب للمرة الأولى في الاتجاه المعاكس، وربما لا تعد المرة الأولى عدديا، لكنها المرة الأهم. حيث يعود فضل تواجد اللاعبين التشيليين بانتظام في الأندية البرازيلية وتألقهم في صفوفها إلى الفاتح إلياس فيجيروا.

وبدأت قصة هذا اللاعب خلال مونديال 1962 بالضبط، حيث واجهت الأماريلينيا قبيل انطلاق أم البطولات شباب فريق سانتياجو واندريرز في مباراة تدريبية، وقد أعجب الجميع حينها بلاعب وسط ميدان لا يتجاوز عمره 15 سنة. وصار بعدها فيجيروا مدافعا صلبا وذائع الصيت، وفَضَّل 9 سنوات بعد ذلك النزال الالتحاق بالدوري البرازيلي عوض الرحيل إلى أوروبا، فغادر كولو كولو وعزز صفوف إنتوناسيونال. وقضى التشيلي 6 مواسم مع نادي بورتو أليجري، وصار كابتنه وقائده ونجم نجومه، ونال معه لقب الدوري البرازيلي موسمي 1975 و1976، وأضحى في نهاية المطاف أسطورة ومؤسسة قائم الذات.

ولعل سبب هذا النجاح المنقطع النظير هو ما اشتهر في أوساط عشاق بورتو أليجري بـ “ليلة الهدف المضيء”. حدث ذلك بمناسبة نهائي الدوري البرازيلي موسم 1975، في ملعب بيرا ريو، وكان الإنتر وكروزيرو متعادلين 0-0، تحت سماء ملبدة بالغيوم. وفي الدقيقة الحادية عشر من الشوط الثاني، لما رفع فالدوميرو كرة عرضية في اتجاه منطقة عمليات كروزيرو، انفتحت فجوة في السماء، وأضاءت أشعة الشمس المنطقة التي كان يتواجد فيها فيجيروا، وأفلح في تسجيل الهدف الذي أهدى كتيبة كولورادو لقب الدوري المحلي للمرة الأولى. وأضحى التشيلي منذ ذلك الحين شخصية من شخصيات الميتولوجيا الكروية البرازيلية، وقال في حقه الداهية بيليه: “فيجيروا هو أفضل لاعب في تاريخ تشيلي، وربما يكون أفضل مدافع أوسط في تاريخ أمريكا”. وبذلك أضحت أبواب البرازيل مفتوحة على مصرعيها وإلى الأبد أمام أبناء تشيلي.

الصفح عند المقدرة
أدت الهزيمة في أم بطولات 1962 إلى إثارة مشاعر العداء لدى التشيليين ضد البرازيليين، بيد أن واحدا من الأحداث العجيبة والغريبة في تاريخ الساحرة المستديرة كان كفيلا بإعادة الأمور إلى نصابها. وتعود هذه القصة إلى شهر أغسطس/آب 1989، خلال التصفيات المؤهلة إلى كأس العالم إيطاليا FIFA 1990، بملعب ماراكانا. حيث كانت الأماريلينا متفوقة على لاروخا 1-0، وكان التنافس محتدما بين التشيليين والبرازيليين على تذكرة التأهل. وقد سقط أحد الشهب الاصطناعية داخل رقعة الميدان، واستلقى الحارس روبيرتو روخاس، الذي كان يلعب في صفوف إف سي ساو باولو، على الأرض، وبدا أن وجهه ملطخ بالدماء، وتوجه طبيب البعثة لعلاجه، وسادت الفوضى الميدان، ثم رفض التشيليون العودة إلى رقعة التباري بداعي غياب الأمن.

وتبين بعد إجراء الأبحاث أن الأمر متعلق بخدعة فقط. إذ كانت بحوزة روخاس شفرة، وقد أدمى نفسه بنفسه كي تعم الفوضى وتتوقف المباراة، بينما كانت الشهب الاصطناعية مجرد حجة واهية استغلها لصالحه. واعترف الحارس بعد ذلك بخطئه، وخسر المنتخب التشيلي نقاط المباراة ومنع من المشاركة في المونديال الموالي في الولايات المتحدة الأمريكية. وتم توقيف روخاس مدى الحياة، وأضحى في نظر الكثيرين شخصا غير مرغوب فيه، إلا في البرازيل، وخصوصا في ساو باولو.

ومنع روبيرتو روخاس من مزاولة أيه وظيفة لها علاقة بكرة القدم، بيد أنه أصبح محللا فنيا في قناة تيلي سانتانا التلفزيونية، وصار انطلاقا من سنة 1994 مستشارا شخصيا للعديد من حراس المرمى. واستفاد التشيلي من العفو سنة 2001، وكان عمره 44 سنة، وأضحى مدربا لحراس المرمى، ثم مديرا فنيا منذ 2003. وقد انتزع النادي تحت قيادته تذكرة التأهل إلى كوبا ليبرتادوريس بعد 9 سنوات من الغياب. وحصلت تلك الجريمة الكروية الكبرى على صفح كبير، وانتهت بعودة الحارس الأمين إلى طريق النجاحات والألقاب. وقد صرح روخاس في حوار مع صحيفة فوليا ساو باولو: “عرفني كولو كولو لاعبا ومشجعا، وعرفني ساو باولو شخصا واحتضنني”.

مرحبا بكم في بلدكم
إن الأمثلة كثيرة على تطود العلاقات الكروية بين البرازيل وتشيلي، وسيحتاج سردها كاملة وقتا طويلا، لذلك سنكتفي بالحديث الآن عن حاضرها. فإضافة إلى المدافع ماركوس جونزاليز، المولود في ريو دي جانيرو والذي عاد إلى تشيلي رضيعا ودافع حتى سنة 2013 على ألوان فلامينجو، تضم لائحة المدرب خورخي سامباولي التمهيدية 3 لاعبين ممارسين في البرازيل: الجناح أوخينيو مينا، لاعب سانتوس، ولاعبي وسط الميدان خورخي فالديفيا، أحد لبنات بالميراس الأساسية في السنوات الأخيرة، وشارل أرانجيز، لاعب إنترناسيونال بورتو أليجري السائر في درب فيجيروا والذي تم اختياره أفضل لاعب في دوري ولاية ريو جراندي دو سول مطلع سنة 2014.

وقد صرح فالديفيا عن مشاركته الثانية على التوالي في كأس العالم FIFA: “إن لهذه الدورة طعما خاصا، لأنها ستدور في البرازيل، حيث ألعب”. بينما تحدث أرانجيز عن هذا المعطى بشيء من المرح، وقال:”لم أتصور أن أتقلم بهذه السرعة مع أجواء البرازيل، وكانت سعادتي عارمة. ورغم أنه من الصعب علي طلب هذا الأمر، أدعو الجماهير البرازيلية إلى مساندة تشيلي في هذه النهائيات، سيكون ذلك أمرا رائعا”.

هذا ولن تتواجه هذه المرة منتخبات المجموعتين الأولى والثانية، كما حدث سنتي 1998 و2010، خلال المشاركتين التشيليتين الأخيرتين في أم البطولات، لما خرجت لاروخا من ثمن النهائي على يد البرازيل، لذلك قد تتحقق أمنية لاعب كتيبة كولورادو، فالأمر لا يتعلق كما تبين ذلك طوال هذا المقال بخصمين بالمعنى الحرفي للكلمة.

تارودانت نيوز
FIFA