مقالات

المجتمع المدني والمجتمع السياسي في المغرب


تفيد معطيات أخيرة، شبه رسمية، بأن عدد الجمعيات والتنظيمات الاجتماعية في المغرب يناهز المائة ألف منظمة اجتماعية في الوقت الراهن. وقبل بضع سنوات ذكرت معطيات (شبه رسمية) أن مجموع الأشخاص الذين ينتمون، بصفة رسمية، إلى التنظيمات الحزبية في المغرب لا يتعدى المليون فرد من مجموع ساكنة المغرب (نحو 35 مليون نسمة). فإذا افترضنا أن المعدل العام في الانتساب إلى الجمعيات والتنظيمات الجمعوية المختلفة هو 40 أو 50 شخصا (ولست أرى تقديرا أكثر تواضعا من هذا) فإن عملية حسابية بسيطة تسلمنا إلى القول بأن المجتمع المدني في المغرب يفوق – من الناحية العددية – المجتمع السياسي بخمسة أو أربعة أضعاف على الأقل.

يطرح هذا الواقع سؤالا عاما أول: هل شأن المغرب يماثل الحال بالنسبة لدول المعمورة في هذه القضية، أم أن البلد العربي هذا يمثل شذوذا عن قاعدة عامة؟ ويطرح سؤالا عاما ثانيا: ما الشأن (في القوة العددية) بالنسبة للديمقراطيات العتيقة خاصة؟ كما أن حال المغرب يحمل على طرح تساؤلات عدة عن العلاقة بين المجتمعين المدني والسياسي بالنسبة للبلد العربي الذي يقع في أقصى الشمال الغربي من القارة الأفريقية حيث لا يفصله عن أوروبا سوى بحر لا يتجاوز عرضه بضعة عشر كيلومترا.

في الإجابة عن السؤال الأول نقول: إن التفوق العددي للمجتمع المدني (من حيث الانتماء) على المجتمع السياسي سمة عامة من سمات الوجود السياسي المعاصر، كما أن أعداد الذين يعلنون انتماءهم إلى حزب سياسي معلوم في البلدان الديمقراطية لا تكاد تبلغ ربع الساكنة في المعتاد. وبالجملة فهناك فرق بين المتعاطفين مع الحزب السياسي الذين يصوتون في الانتخابات لصالحه، وبين الذين يحملون بطاقة ذلك الحزب. نذكر، من جهة أخرى، أن من الأمور التي أثارت انتباه المفكر الفرنسي ألكسيس دو توكفيل، فدونها في كتابه الشهير «الديمقراطية في أميركا»، الارتفاع الهائل في عدد الجمعيات والمنظمات الأهلية في بلاد العم سام. وفي الإجابة السابقة جواب ضمني عن السؤال الثاني، مع مراعاة مسألة أساسية، محورية، هي وجود الفروق واضحة في الأذهان (في البلاد التي تكتسب فيها الديمقراطية دلالتها الحق فتتحقق شروط قيامها) بين كل من المجتمع المدني والمجتمع السياسي.

يصدق النعت الثاني، منطقا وتسمية معا، على الأحزاب السياسية، في حين أن صفة المجتمع المدني تنطبق على كل الجمعيات المهنية والثقافية والاجتماعية والرياضية، وكذا جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان عامة أو تلك التي تتخصص فتجعل هدفا لها الدفاع عن حقوق الطفل أو عن حقوق المرأة، أو تعلن عن محاربة التمييز العنصري أو الدفاع عن حقوق اللاجئين السياسيين أو المهاجرين موضوعا لها، وكل أشكال جمعيات العمل الاجتماعي. يلتقي كل من المجتمع المدني والمجتمع السياسي عند صفة تجمع بينهما وهدف عام يلتقيان عنده: فأما الهدف فهو خدمة الصالح العام والبحث عن الأسباب الكفيلة بتحقيق السعادة في المجتمع، وأما الصفة فهي الانشغال بالشأن العام ومجاوزة الهموم الفردية الصغيرة أو اعتبار العمل الاجتماعي المنظم وفقا لضوابط قانونية واضحة سبيلا لإرضاء منزع فردي أو خدمة مثل أعلى يؤمن به الفرد فيسعى لرعايته من خلال العمل الجماعي.

ويختلف المجتمع السياسي عن المجتمع المدني في صفة جلية واضحة: فحيث كان الحزب السياسي يسعى إلى امتلاك السلطة التنفيذية (عبر الوسائل والطرق الديمقراطية المشروعية) من أجل تحقيق برنامج سياسي واضح، وهذا من جانب أول، أو كان، من جانب ثان، يعترض على السلطة التنفيذية القائمة بواسطة العمل السياسي المشروع والمنظم – حيث كان الشأن كذلك فإن المجتمع المدني لا يسعى إلى امتلاك السلطة التنفيذية من أجل تحقيق برنامج سياسي، كما أنه لا يمتلك الوسائل والآليات العملية التي تمكنه من الاعتراض على السلطة التنفيذية القائمة والتطلع إلى التربص بها والإطاحة بها بواسطة العمل السياسي المنظم.

يمكن القول في عبارة جامعة إن فيصل التفرقة بين طبيعة عمل ووجود كل من المجتمع السياسي والمجتمع المدني هو أن الأول يتشوق إلى امتلاك السلطة التنفيذية، في حين أن الثاني لا يطمح إلى شيء من ذلك. نعم، يمتلك المجتمع المدني – في بعض الأحوال – آليات تمكنه من مراقبة السلطة التنفيذية القائمة، وكذا التنبيه إلى أخطائها وانحرافاتها ومختلف جوانب الضعف فيها، وتلك وظيفة الجمعيات الحقوقية، وتلك هي الأدوار التي تقوم بها الجمعيات المهنية والرياضية والثقافية المتنوعة بالنسبة لهذا القطاع أو ذاك من القطاعات الحكومية. وقد يكون المجتمع المدني قوة اقتراحية ذات أهمية فائقة، وهو عمل ذو فائدة في مجال العمل السياسي (اعتراضا أو تأييدا) لا سبيل إلى إنكارها، بيد أن الوجود خارج دائرة التنافس على امتلاك السلطة التنفيذية يظل السمة الأساسية التي بها يعرف المجتمع المدني وتتحدد ماهيته كما يقول الفلاسفة.

إذا كان التمييز بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي (على النحو الذي عرضنا له في الفقرة السابقة) أمرا طبيعيا وحقيقة مقررة في بلدان الديمقراطيات العتيقة، وكان علامة على الوجود السياسي الطبيعي ودليلا على تحقق الحياة السياسية الطبيعية، فإن هذه المسلمة (والمسلمة لا تستوجب نقاشا لأنها لا تستدعيه وإلا ما كانت كذلك) ليست كذلك في البلاد التي تتطلع إلى الحياة الديمقراطية السليمة وتتوق إلى إرساء الدولة الحديثة على الحقيقة والحرص على سلامة القواعد التي تقام عليها دولة الحق. ونحن في المغرب نلاحظ، للأسف، مع التطلع إلى بناء مجتمع الحداثة وإحقاق دولة القانون، تنكبا عن سلوك سبيل التمييز الطبيعي والضروري بين الدور الذي يرجع إلى كل من المجتمعين المدني والسياسي. تتوسع برامج بعض مؤسسات المجتمع فتسعى إلى الأخذ ببعض مما يخوله القانون للحزب السياسي ويجيزه في حدود العمل السياسي المسؤول، فتظهر الجمعية أو التنظيم المدني في صورة المنافس أو التنظيم المدني الذي يتوق إلى الفعل السياسي المباشر.

لكن الأغرب، والأكثر مدعاة لا للاستغراب وحده بل إنه يحمل على الاستنكار، هو أن نجد تماهيا تاما ومطلقا بين العمل النقابي النظامي والمسؤولية الأولى والمباشرة عن حزب سياسي، لا بل إنه حزب سمته الأولى أنه أقدم الأحزاب السياسية المغربية. نعم، في المغرب تنظيمات نقابية عديدة يعرف كل تنظيم نقابي فيها بولائه المباشر لهذا الحزب السياسي أو ذاك (والأمر واضح لا يحتاج إلى بيان). غير أن المثير ليس فقط في أن يغدو الزعيم النقابي (المجتمع المدني) زعيما للحزب السياسي فحسب، بل أن يظل ماسكا بالزعامتين معا سواء كان بعضا من الأغلبية أو غدا مكونا من مكونات المعارضة. في الصورة فساد ما تدق الفهوم عن إدراكه.

تارودانت نيوز
عن الشرق الأوسط

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى