مقالات

شعرنا العربي الحديث: هذا «اللعب الكيتشي»


07يونيو 2014

يكاد شعرنا العربي الحديث، يتحوّل في نماذج كثيرة تُنشر هنا وهناك؛ سواء في شرق البلاد العربيّة أو غربها، إلى نوع من «اللعب الكيتشيّ».
بل هو يكاد يكون صورة من قصّة «المائدة هي المائدة» للكاتب السويسري بيتر بيخسّل. وقد كنت وظّفت هذه القصّة في نصّ شعريّ لي نشرته منذ حوالي عشر سنوات في جريدة «القدس العربي»، ووسمته بـ :مثل عجوز بيتر بيخسّل تقريبا..
والقصّة لعبة لغويّة عجيبة بطلها رجل عجوز يعيش في مدينة صغيرة، وتتلخّص حياته في أشياء قليلة بسيطة، تكاد تكون صورة من أشياء الكاتب الفرنسي جان جينيه.
فهذا العجوز الذي تخطّى العقد السابع من عمره يعيش في غرفة تحتوي على كرسيين ومائدة وسجادة وسرير وخزانة ومنبه وألبوم صور. غرفة عارية إلاّ من مرآة ولوحة معلّقتين على الجدار. كانت حياة هذا العجوز تجري عادية باهتة مثل حياة كثيرين في هذه السنّ يودّعون الحياة، وهم لا يزالون على قيدها، أو يدركون أنّ الموت بدأ يحصي عليهم أنفاسهم؛ وقد انهارت خطوط دفاعهم الأماميّة، تحت وطأة الوحدة والرتابة وفقدان القدرة على نسج علاقات بالآخرين. وظلّ على حاله، إلى أن كان يوم مشمس..أُخذ عجوز بيتر بيخسّل بهذا اليوم، فقال يحدّث نفسه: «الآن سيتغيّر كلّ شيء». كانت أشياؤه ثاوية في مكانها تُحملق فيه ببلاهة.
واعتراه غضبٌ شديد، وهو الذي لم تظهر عليه أعراض أيّ اضطراب عقليّ؛ فكوّر قبضته وهوى على المائدة وهو يصرخ: المائدة هي المائدة نفسها.. لا بدّ أن يتغيّر الأمر.. والسرير هو السرير نفسه.. واللوحة هي اللوحة نفسها..الكرسيان هما الكرسيّان نفسهما… فلمَ كلُّ هذا؟ الفرنسيون مثلا يسمّون:
الــــفـــراش lit، والمـــائـــــدة table، والــلـــوحـــة tableau، ويتفاهمون.. والصينيّون لهم أسماء ومسمّيات أخرى. وهم يتفاهمون كذلك. وهنا خطر لعجوزنا أن يلعب لعبته اللغويّة العجيبة. وأخذ يتساءل: لماذا لا أسمّي السرير لوحة؟ وراقتْ له اللعبة.. فقال وقد شعر بالإرهاق: «لأضطجعْ في اللوحة»، واستقرّ رأيه على أن يسمّي المائدة سجّادة.. والكرسي منبّها.. والجريدة سريرا.. والمرآة كرسيّا.. والخزانة جريدة والسجّادة خزانة.. واللوحة مائدة.. وألبوم الصور مرآة.. سينام في اللوحة حتى الصباح.. سيدقّ ألبوم الصور.. فينهض ويقف فوق الخزانة.. ويخرج ملابسه من السجّادة.. ثمّ يتصفّح المرآة.. ويعثر على مائدة أمّه.
ومن ثمّ صار بإمكانه أن يواصل كتابة القصة بنفسه كما يقول بيتر بيخسّل. وأخذ يتعلّم الأسماء أو الدوالّ الجديدة، فلديه الآن لغة خاصّة به؛ حتى أنّه شرع يترجم الأناشيد المدرسيّة التي لا يزال يحفظها، إلى لغته الخاصّة.. وبدأ يقيدّها في دفاتر مدرسيّة اشتراها للغرض. وأصبح يتحاشى الكلام مع الناس، وهو يتعجّبُ من لغتهم.. فإذا سمع أحدهم يقول لصاحبه: صباح الخير.. أو: ستمطر بعد قليل… استغرق في الضحك؛ لأنّ هذه العبارات تعني أشياء مختلفة تماما في لغته. فهم يسمّون لوحته سريرا.. وسجّادته مائدة.. وسريره جريدة..
الحقّ أنّه لا تبادل بين الأشياء في كثير من هذا الشعر ـ إذا جاز أن نسمّيه شعرا ـ وإنّما تبديل أو ضرب من»قلب الأعيان» يخدع القارئ ويستغويه. وهو أشبه بطقوس السّحر حيث يمّحي الشّيء في صورة شيء آخر، دون أن يؤنّسه المجاز ويقيّده إلى اسمه. والمشكل في هذه الصّور المنتظمة في هيئة تراكيب إضافيّة هو في جانب منه، مشكل «اللعب الكيتشي» عامّة عند هؤلاء الشعراء الذين لا يدركون أنّ الشعر عمل في حقل التّمثّل اللّغويّ، يبيّن أنّ العالم هو قبل كلّ شيء خطاب في العالم، وقول وكلمة، وأنّ معناه ليس معطى سلفا من لدن ذات مفارقة، أو هو مجرّد كتاب غير مكتوب هو «كتاب الطّبيعة».. لنتذكّر دائما أنّ الشعر هو أمّ اللغة الرؤوم.. لكنّه يصنعها على قدر ما تصنعه.

تارودانت نيوز
عن القدس العربي

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى