الأخبار

كفى “دَفعاً”.. الصّحافيون يريدون “ربيعاً إعلاميا!”


علي بوزردة عن صحيفة الناس .عدد االاربعاء 18 يونيو 2014
“حَلوة المگانة”..

كان يسكن بجوارنا في “ثلاثاء سيدي بنور” شاب أنيق وشاطر.. يخرج صبيحة كل يوم سوق الثلاثاء أمام بيته ويجلس على كرسي يُخرجه خادمه من المنزل، ثم يضعه في مكانه المعتاد ويضع بجانبه محفظته السّوداء، فيشرع في قراءة الصّحف وإلقاء نظرات خاطفة على ما يجري في الزّقاق من حين إلى آخر.. وحين يضيق ذرعاً بضجيج وصراخ الأطفال الذين يلعبون أمامه، يناديهم ويمنحهم بعض النقود التي يخرجها من حقيبته السوداء التي لا تفارقه، ثم يخاطبهم بابتسامته المعهودة :”اذهبوا الآن إلى السوق واقتنوا ما شئتم من حلويات “المگانة”.. ولكنْ في طريقكم إلى صاحبنا البقال، احذروا العقارب والثعابين، وخاصة بوسْكّة!”

وكانت الطريق ولا تزال وعرة لاقتناء حلويات “المگانة” بسبب قلتها.. فينفضّ الأطفال من حول “الرجل المغلوب على أمره” أو كما يخيل للناس، ويتركونه لوحده ليستأنف قراءة صحفه في سكينة وهدوء، قبل عودتهم مرة أخرى إلى المربع نفسه..

وبعد عقود من تكرار هذا المشهد العجيب أمام أعين سكان الحي، ظهر أن حلويات “المگانة” لا توجد في دكالة فقط، كما كنا نعتقد، بل في إقليم الشاوية المجاور كذلك.. ويُحكى أن رجلاً قوياً من أهلها له باع طويل وكلمة نافدة، وكان من ناس “المخزن” الأوفياء، وكان يسهر شخصيا على توزيع تلكم “الفيندات” في المناسبات على بعض “الأشخاص” فقط، ممن يُعتقد أنهم من “المرموقين” في ميدان “الخطابة” و”التنظير” و”التخطيط وراء الستار”، وأحيانا في الظلام مثل “الخفافيش” والعهدة على الرّواة..

فجأة، اختفى اسم الرجل من الصّحف والمجلات والتلفزيونات والوكالات.. وعلى ذكر الوكالات، كانت إحداها تبث يوميا كل صغيرة وكبيرة عن تحركاته وحركاته وسكناته.. حتى إنها ذات مساء، بثت خطابه المطول في 45 قصاصة، بطولها وعرضها.. إلى أن جفّ مداد شريط التليكس..

وبمرور الزّمن، انقطعت أخبار الرجل بصفة نهائية.. لكنّ عادة وطقوس “حَلوة المگانة” ظلت راسخة في الأذهان، ولم يستطع الزّمن أن يغير شيئاً من طبيعة أولئك الذين ظلوا مسكونين بهوسها وحلاوة مذاقها ونشوتها، حتى تحولت إلى قانون وسلطة تُعلى ولا يعلى عليها.. بل يتبارز الخصوم أو يرقصون فرحاً من أجلها “بعض الأشخاص اللي على بالي وبالكم”..

“المال عصب الحروب الخفية والعلنية”

في بداية صيف 2014 اطلع القراء على خبر مقتضب للسيد وزير الاتصال والناطق باسم حكومة، التي جعلت من “لا للريع والزبونية” شعاراها لها، يفيد أن اتفاقية وقعها الوزير مع نقابة عتيدة تتكلم باسم كل الصّحافيين المغاربة في المحافل الدولية.. وأخذت شيكاً بملايين السنتيمات، قيل إن قيمته 25 مليون سنتيم، وقيل 30 مليون سنتيم.. وعلى كل حال: “ما يْحسب غير المْزلوط..”

وفي سياق النقاش الدّائر بين الصّحافيين، خيل لبعضهم أن هذه “الهبة” التي نزلت من السماء على النقابة كانت من أجل ترتيب أمور المؤتمر السابع في طنجة، والتي تشبه في تفاصيلها حكاية “حَلوة الوردة”، والعهدة على الرّواة.. دون الكلام عن أن هذه “الهبة” لم توزَّع وربما لن تكون من حظ النقابات الأربع الأخرى، والتي تمثل مختلف القطاعات الإعلامية المماثلة في المغرب، ناهيك أن النقابة العتيدة، التي تشتغل طبقا لضوابط “الديمقراطية البوتينية”، تأخذ سنوياً 100 مليون سنتيم من مالية الدولة، دون المساعدات الممنوحة من طرف المنظمات الدولية، بهدف التكوين والتكوين المستمرّ، إلى غير ذلك (وسنعود بالتفاصيل لطرح بعض الأسئلة حول ملف المقر الجديد للنقابة بحي الليمون، كيف جرى اقتناؤه ولأي أهداف وبأية أموال و… أي “les 5 W et le H”، وربما السيد الوزير على علم بهذه الأمور؟”..

يقول البعض إن الوزير “حرّ في تدبير شؤون وزارته”، ولكنْ من حقنا -كصحافيين وكمواطنين- أن نطالب سيادته بالإجابة عن أسئلة بسيطة بدون تشنّج ولا غضب، مثل الكلام عن “الماخور المكسيكي”، الذي طُرح في ورقة المؤتمر السابع وسُحب بقدرة قادرٍ، ولم يظهر له أثر في البلاغ النهائي..

1- هل الوزير متفق مع نقابة يمولها من المال العام ويوقع معها اتفاقيات عدة لمساندة الصّحافيين، لكنها تنتهج أساليب “الديمقراطية البوتينية” من أجل وصول بعض قادتها إلى مواقع المسؤولية.. حاضرا ومستقبلاً؟

2- هل الوزير الأول، السيد عبد الإله بنكيران، على علم بموضوع الشّيك والأمر بالصرف.. ويعرف بالتدقيق أين تذهب تلك الأموال؟ وهل سيدافع عن “هذا النهج” الذي اختلف حوله الرواة؟ ويمكن أن يدخل في نظرهم ضمن خانة من الخانات الثلاث: إما كـ”دعم” أو “ريع” أو “علف”.. ويرون أن هذه الكلمة الأخيرة مصدرها الأصلي من المقولة الشّعبية الدكالية ويفهمها أهل الشمال جيداً “زيد الشّحمة في ظهر المعلوفْ”.. وفي السياق نفسه، تذكرت كلام الفنان الساخر بزيز، الذي كان يردد باستمرار: “الشيك فيه الشّكّ”، أي أن النفس أمّارة بالسوء.. ومهما بلغ البشر من “زهد في الدنيا”، فإن مُتلقي “الهبة” ما هو إلا بشر.. وقد تستهويه يوما ما جرّة العسل التي توجد أمامه ليل نهار لـ”يتذوق” منها، وخصوصا إذا كانت غير مراقَبة مراقبة صارمة من لدن “محاسِبين محلّفين” أولاً وقبل كل شيء.. ثم هل هناك افتحاص دوري من المجلس الأعلى للحسابات لتلك للمؤسسات التي تتلقى الدعم، مثل النقابة الوطنية للصّحافيين؟

وهنا لا بد من التذكير بأن هذه المؤسسة ليست شركة نقل أو وكالة أسفار خصوصية، بدون حسيب ولا رقيب.. فمن المفروض أن تُنشر، ومنذ زمان، تقارير الافتحاص المالي للاطلاع عليها من لدن الأعضاء والمهتمّين والباحثين والمؤسسات الإعلامية الدولية والأوربية وغيرها، كما جرى مؤخراً بعد افتحاص قضاة المجلس وخبرائه لمالية وكالة المغرب العربي للأنباء، مثلا.. ومكثوا شهوراً طويلة في أروقتها وفتحت لهم كل الملفات للتدقيق دون حرج ولا وهرج ولا “بّاك صاحْبي..”

3- ماذا يستفيد الصحافيون من مداخيل النقابة، سواء على مستوى السفريات أو المؤتمرات والندوات في الخارج (ومن منهم سافروا بالمناسبة خلال السنوات الماضية)؟ وما حصتهم من الشؤون الاجتماعية والأنشطة الموازية لأبنائهم أثناء فصل الصيف؟ وماذا عن السكن والتطبيب والتّكوين والتكوين المستمرّ؟ وهل تستفيد من أموال النقابة بعض الأرامل، مثل أرملة المرحوم الزياني وأبنائه مثلاً؟..

الصحافيون يريدون.. وهي على وزن “الشّعب يريد”، وماذا يريدون يا سيادة الوزير – الصحافي؟

يريدون ربط “المسؤولية بالمحاسبة”، كما جاء في الدستور.. الشفافية واحترام أخلاقيات المهنة والرّأي والرأي الآخر..

وباختصار، يريدون “ربيعا صحافيا”.. ويريدون إسقاط “الريع”، بكل أشكاله، ووضع حد لـ”الإرهاب الفكري” المسلط على رقاب الناس كسيف “ديموقليدس”.

“عودة إلى تونس”..

بيت القصيد هو معرفة ميزانية النقابة بالتدقيق.. كم صُرف منها وكيف ومتى؟ خاصة خلال فترة رئيس النقابة المنتهية ولايته، والتي دامت أزيد من عقد من الزمن.. لماذا؟ لأن “الرئيس” الجديد سيبدأ ممارسة مهامّه، إذا كتب له أن يظل في ذلك المنصب، الذي يُفترَض مبدئياً أن يكون صاحبه مستقلا ولا يشغل عدة مناصب في آن واحد، وتتنافى مصالحها مع وضع صاحبه، أي ألا يكون له وضع “مدير النشر” و”النائب البرلماني” و”العضو الحزبي القيادي” و”الممثل الجماعي” و”ممثل سام في “اتحاد الصّحافيين العرب، وقريبا في “لافييج”، وبعبارة أخرى “عنترة بن شداد وفي الوقت نفسه جرول بن أوس بن مالك، الملقب بالحطيئة.. وقيل عن هذا الأخير إنه إن لم يجد من يهجو فإنه سيهجو نفسه!

ونشير إلى أن رئيس النقابة الجديد كان “المرشّح الوحيد والأوحد” لهذا المنصب “المهم”، مثل ترشيح الرئيس بنعلي.. والذي كان صاحبنا من “المراقبين الإقليميين” الذي “عزمتهم” الحكومة التونسية في أكتوبر 2009 لتتبع وتأكيد نتائج الانتخابات “الشّفافة” للرئيس الأبدي بنعلي.. كما سبق له أن درس في تونس، ويقول بعض المتخصّصين في السيرة الذاتية لهذا “المخلوق” النقابي إنه “تأثر كثيراً” بديمقراطية المرشح الوحيد وأسلوب “اللي دْوا يْرعف”..

“هزُلت.. حين لحّن الغراب قصائده وغرّد”

لنترك “بلاغ النقابة التاريخي” المتضمّن للشتم والسب والقذف والضرب تحت الحزام ضد مقال بسيط لصحافي يطالب بـ”الحق في المعلومة” (وهذه من مطالب النقابة الملحة نفسها) والذي نشر في موقع هذه المؤسسة العتيدة “لتعميم الفائدة” وليتعلم الصحافيون الشباب كيف “سيُشتمون يوما” إذا ما تجرّأ أحدهم على المطالبة بـ”ربط المسؤولية بالمحاسبة” داخل هذه النقابة، “المقدَّس حجرها وزعماؤها” من طنجة إلى الرباط، مرورا بتطوان، ثم العرائش..

يخجل الناس لقراءة ذلك البلاغ من بؤس أسلوبه وعباراته وتهديداته، التي لا يمكن وصفها إلا بـ”الإرهاب الفكري”، كالذي استعملته مليشيات موسيليني بإيطاليا في منتصف عشرينات القرن الماضي لإسكات كل معارضة أو اختلاف في الرأي.. وهذا “أسلوب قديم” قِدم أصحابه، رغم أن الدنيا تغيرت من حولهم وجاء ومرّ أمام أعينهم الربيع العربي، لكنْ..

وكان من حسنات الربيع العربي أنه فاجئ “الزعماء النقابيين الستالينيين”، الذين حاولوا المشاركة في مؤامرة بنعلي، لتقسيم نقابة الصحافيين المستقلين في تونس، في غشت 2009 ففشلت العملية، وطرد التاريخ بنعلي وزبنايته.. وما زال الصحافيون التونسيون، من أمثال الأمين غانمي، مراسل “رويتر” في شمال إفريقيا، يتذكرون هذه الفضيحة (أرشيفها مصور ومحفوظ في تونس) والتي شارك فيها “زعماء” الصحافيين المغاربة “الخالدين”.. “بلا حشمة ولا حياء..” وهم الآن “persona non grata” في بلاد ثورة الياسمين.. ومع ذلك مازالت عندهم “السّنطيحة والبلاغات واشْ من بلاغات”.

يا ناس، ما زال النقاش مهنياً صرفاً، وهناك أسئلة جوهرية ومحرجة بطبيعة الحال، والتي يطرحها الصحافيون، بمختلف مشاربهم السياسية والفكرية.. لكن الحساب والمحاسبة لا مفر منهما اليوم، وليس غداً.. وسيطالب “المستضعفون في الأرض” بالحساب والعقاب عاجلاً أو أجلاً.. فلا يمكن لكل الناس أن يغضّوا الطرف، لأن “أطرافا مسؤولة” عما آلت إليه الأوضاع تريد تعويم النقاش الدائر، والذي ينذر بعاصفة هوجاء.. ومن كان بيته من زجاج لا يرمي الناس بالحجارة!

ملحوظة لا علاقة لها بالموضوع

نود أن نذكّر بكل تواضع “بعض الكتبة الأُمّيين” بأن “الإرهاب”، سواء كان فكريا أو جسدياً، فإنه لم يوقف يوماً ما عجلة التاريخ في اتجاه التغيير.. والعقلاء يعرفون جيداً أن “دوام الحال من المحال”.. بل إن أولئك الذين وقفوا في طريق التغيير والإصلاح والفلاح وقع لهم ما وقع لفرعون وهامان، بسبب تسلطهم وتجبّرهم على المستضعفين في الأرض “وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ”، صدق قول الحق..

ونذكر، في الأخير، الذين خانتهم ذاكرتهم، بأن هذا العبد الضعيف الذين يمنون عليه اليوم بـ”مساندة” رمزية، وهي أضعف إيمان العمل النقابي أيام “سنوات الرّصاص”، لم يذخروا جهداً ولا رصاصاً من مارس 2004 حتى يونيو2011 لتحطيم كل عمل ايجابي قمنا به.. ولنا ما يثبت ذلك، دون الحديث عن حياكتهم مخططات جهنمية.. وكان ذلك ولا يزال بدافع الغيرة والحسد.. ونعود بالله من شر حاسد إذا حسد..

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى