أخبار محليةالأخبارمنوعات

فسحة رمضانية رودانية :الحلقة (5) من أعلام تارودانت عن ابن سليمان الروداني دفين دمشق


ابن سليمان الروداني

نشأته
• هو محمد بن سليمان بن الفاسي (وهو اسم له، لا نسبةً إلى «فاس») ابن طاهر، السوسي، الروداني، المغربي، المالكي
ولد محمد بن سليمان الروداني بمدينة تارودانت عام 1037هـ- 1627م، وكان علامة متضلعا في جميع العلوم الدينية والدنيوية، وخلف آثار نثرية وشعرية. وقد أكسبه تجواله في العالم العربي ألقابا متعددة.

دراسته
له شيوخ كثيرون، بالمغرب: أبو مهدي عيسى السكتاني (2) مفتي مراكش وقاضي القضاة بها، ومحمد بن سعيد المرغيني، ومحمد بن أبي بكر الدلائي، ومحمد بن ناصر الدرعي الذي لازم دروسه طوال أربع سنوات في التفسير والحديث والتصوف وغيرها من العلوم.
ومن شيوخه بالجزائر العالم الكبير سعيد ابن إبراهيم المعروف بسيدي سعيد قدورة،

رحلته للمشرق العربي

وتوجه إلى المشرق بعد ذلك فأخذ عن أشهر الشيوخ في كل بلد حل به، ففي مصر لازم دروس نور الدين الأجهوري (4)، والشهاب الخفجي (5)، والشهاب القليوبـــــي (6) ومحمد بن أحمد الشوبري (7)، والشيخ سلطان (8)، وقد أجازوه جميعا.
ثم استمر برحلته إلى تهامة لأداء فريضة الحج فمكث ردحا من الزمن متنقلا بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، حتى عرف باسم المكي. وكان للروداني بمكة المكرمة شأن إذ أنه قلد النظر في أمر الحرمين فبنى رباطا عند باب إبراهيم، وعرف برباط ابن سليمان، وبنى مقبرة بالمعلى عرفت بمقبرة ابن سليمان، ودامت تلك المكانة السامية للروداني إلى أن توفي شريف مكة عام 1093- 1682، أي سنة واحدة قبل وفاة المترجم. وبعد ذلك زالت حظوته وحكم عليه بالنفي إلى بيت القدس فامتنع من الذهاب إليه متعللا بانعدام الأمن في الطريق، وأخيرا ترك أسرته في مكة وذهب إلى دمشق حيث عاش وحيدا لا يخالط إلا قليلا من الناس، مكبا على التأليف حيث قضى فيها آخر أيامه وبها دفن.

تلاميذه
ولمحمد بن سليمان الروداني تلاميذ عديدون في المغرب والمشرق، منهم محمد بن أبي بكر الشبلي (12)، ومحمد بن عبد الرحمن الفاسي (13)، والشيخ أحمد بن أبي بكر بن شيخان باعلوي، وأحمدبن تاج الدين الدمشقي، ومفتي مكة المكرمة الشيخ أمام الدين بن أحمد المرشدي العمري الحنفي (14)، وتلميذه عبد الله بن سالم البصري (15).

تخصصاته

وترجع شهرة ابن سليمان الروداني قبل كل شيء إلى تضلعه في علم الفلك، فقد صنع، زيادة على أسطرلابات، أدوات تظهر غريبة في ذلك العصر، في نفس الوقت الذي اخترع معاصره باسكال (1623-1662) الآلة الحاسبة. وسننقل فيما يلي شهادة أبي سالم العياشي الذي كانت له معرفة شخصية بالمترجم، والذي لا يتطرق الشك إلى ما قال فيه :

-حرفه اليدوية
‹‹ وكانت له- أي للروداني- يد صانع -يحسن غالب الحرف المهمة سيما الرقيقة العمل الرائقة الصنع، كالطرز العجيب والصياغة المتقنة وتسفير الكتب والخرازة. وقد أخبرني أنه لما كان لا يتفرغ الا في يوم الخميس فيطلع فيه ثلاثة أزوج من السياط وأكثر فيبيعها ويتقوت بها إلى الخميس الآخر. وله يد طولى في عمل الأسطربالات وغيرها من الآلات التوقيتية، كالأرباع والدوائر والأنصاف والمكانات. ومن أعجب ما رأيته من صناعته أنه يجبر قوارير الزجاج يحسن احتيال ولطف تدبير إلى أن لا يكاد صدعها يبين، ويصير مثل الشعرة الرقيقة.

• مواهبه و مخترعاته:
image
اسطرلاب كروي
كان للروداني مكانة مرموقة لمواهبه الجمة ونبوغه الفريد، فقد جمع بين العلوم الرياضية والشرعية وكان نتاج ذلك ابتداعه آلة في علم التوقيت لم يسبقه إليها أحد، وهي الإسطرلاب الكروي: وهو عبارة عن كرة مستديرة الشكل، منعمة الصقل بالبياض المموه بدهن الكتان، يحسـبها الناظر بيضة من عسجد لإشراقها، مسطرة كلها دوائر ورسوما، وقد ركبت عليها كرة أخرى منقسمة نصفين، فيها تخاريم وتجاويف لدوائر البرج وغيرها، مستديرة كالتي تحتهـا، مصقولة مصبوغة بلون أخضر وهي تغني عن كل آلة في فن التوقيت والهيئة مع سهولتها وتكون الأشياء فيها محسوسة، والدوائر المتوهمة مشاهدة. وتصلح لسائر البلاد على اختلاف عروضها وأطوالها، قد كتب رسالة عن آلة التوقيت منظومة في علم الميقات وشرحها، يبين فيها كيفية صنعها استعمالها. وقد اعتنى الروداني برصد الكواكب مما دفع به لمزاولة مهنة صنع آلات الرصد القائمة على المبادئ الميكانيكية.

وحاصل القول فيها أن الوصف لا يكاد يحيط بها، ولا يعلم قدرها ومزيتها إلا من شاهدها وكانت له معرفة بالعلمين، فيرى ما يذهل الفكر ويحير النظر، ويعلم أن اهتدى لاستخراج ذلك للعيان بعد أن كانت القرائح الجيدة تحير في تصوره ذهنا، قد أيد ينور الهدى وإلهام رباني›› (16)

-مؤلفاته
ألف كتابه المشهور في علم الحديث الجمع بين الكتب الخمسة والموطأ (19) على نمط جامع الأصول لابن الأثير (المتوفى عام 606 هـ) إلا أنه أكثر منه تفصيلا، ويحتوي فضلا على ما في موطأ مالك بن أنس (المتوفى عام 179) عل أحاديث الكتب الخمسة التي هي صحيح البخاري (المتوفى عام 256)، وصحيح مسلم ( المتوفى عام 261) وسنن أبي داوود (المتوفى عام 275)، وجامع الترمذي (المتوفى عام 279)، وسنن النسائي (المتوفى عام 303) ومن المعلوم أن اصطلاح المحدثين في الأصل يضيف إلى الكتب الخمسة السابقة سنن ابن ماجة (المتوفى عام 273) لتتكون الكتب الستة الأساسية في التشريع. وقد تردد رأي المحدثين خلال العصور بين اعتماد الكتب الأربعة فقط (باخراج كتابي الترميذي وابن ماجة لما فيهما من الأحاديث الضعيفة) أو الكتب الخمسة ( بإخراج سنن ابن ماجة فقط، أو الكتب الستة جميعا (20). وبذلك يكون المترجم قد تبع المعروف من تطور اصطلاح المحدثين.
وألف الروداني كتابا آخر أوسع من الأول وأشمل، جامعا فيه بين أربعة عشر من كتب الحديث وسماه جمع الفوائد بجامع أصول ومجمع الروائد (21) اشتمل على أحاديث الكتب الستة السابقة، والموطأ، ومسند الدرامي (المتوفى عام 255)، ومسند أحمد ابن حنبل (المتوفى عام 241)، ومسند أبي يعلى الموصلي (المتوفى عام 307)، ومسند البزار (المتوفى عام 292)، ومعاجم الطبراني (المتوفى عام 360) الكبير والأوسط والصغير. ويعتبر رجال الحديث كتاب الروداني هذا أحسن وأوفى من كتاب الهينمي (المتوفى عام 808) الذي جمع فيه من قبل أحاديث هذه المسانيد كلها.
وقد ألف ابن سليمان الروداني علاوة على ذلك أوائل الكتب الحديثية، ومختصر التحرير في أصول الحنفية (22) لابن الهمام (المتوفى عام 861)، وشرحه، وترجم لنفسه في فهرسته صلة الخلف بموصول السلف (23) التي ذكر فيها كل ما قرأ من الكتب، والشيوخ الذين أخذ عنهم، وأعطى بالخصوص فكرة عن التعليم في عصره. وله في النحو حاشية على التسهيل، وحاشية على التوضيح، وكلاهما لابن مالك (المتوفى عام 672)، وفي البلاغة مختصر تلخيص المفتاح للقزويني (المتوفى عام 739)، وشرحه، وفي صناعة فرض الشعر، جدول في العروض، وفي طريق القوم، منظومة في التصوف (24).
وكما كان ابن سيلمان الروداني رياضيا ومنجما، وفقهيا ومحدثا، ونحويا ولغويا، كان كذلك أديبا، واكتست آثاره النثرية والشعرية طابعا خاصا أن لم نقل غريبا، مثلما هو الحال في الحرف الدقيقة التي كان يمارسها، والآلات الغريبة التي يصنعها.

وفاته

وكانت وفاة محمد بن سليمان الروداني بدمشق، في عاشر ذي القعدة الحرام عام 1094- 31 أكتوبر 1683 (28). ودفن بوصية منه في التربة الإيجية بسفح جبل قاسيون.

المصادر
1) انظر ترجمة محمد بن سليمان الروداني عند :
أ- ع. العياشي، الرحلة، 2: 30- 45، ومخلصا عند
ب- م. اليفراني، الصفوة، ص. 196- 198.
ج-م. القادري، ص، القتاط.
د- م. القادري، النسر 2: 81- 88.
هـ- م. الحضيكي، طبقات.
و- م. الناصري، الرحلة.
ز- ع. ابن ابراهيم المراكشي، الإعلام، 4: 334- 359، رقم 401.
ح-المحبي، خلاصة الأثر.
ط- ع. كنون، النبوغ، 1 : 284- 285.
ي- م. ابن تاويت و م. عفيفي، الأدب المغربي، ص. 313.
ك- ع. الكتاني، فهرس الفهارس، 1 : 62، 317-321، 2: 118.
ل- ك. بروكمان، تاريخ الأدب العربي، 2: 459 (610) والملحق، 2 : 691.
م- د. رونو.
ن- م. السوسي ، سوس العالمة، ص. 181.
ص- ع. بنسودة، دليل، 2 : 304.
ع- م. الحجوي، الفكر السامي، 4 : 115 116، رقم 773.
(2) هو مؤلف الفتاوي المشهورة باسمه، وصاحب الحاشية، والشرح على صغرى السنوسي.
(انظر م. السوسي، سوس العالمة، ص 783).
(3) انظر. القادري، المشر، 1 : 216، و.ك. بروكمان، تاريخ الأدب العربي، 2 : 355، و الملخق، 1 : 54.
(4) انظر ك. بروكمان، تاريخ الأدب العربي، 2 : 317.
(5) المصدر السابق، 2 : 285، والملحق، 2 : 396.
(6) المصدر السابق : 2 : 364، والملحق، 2 : 496.
(7) المصدر السابق، 1 : 181، 396 و 2 : 330، والملحق، 1 : 307، 682/ 3، 2 : 443، 458.
(8) المصدر السابق، 1 : 294/4، 450، 2 : 198، 233، والملحق، 1 : 290، 647، 651، 807، 842، 2 : 290.
(9) مدينة صغيرة في فلسطين تقع في شمال شرق بيت المقدس
(10) ك. بروكمان، الملحق، 2 : 266، 312، 426، 428.
(11) المصدر السابق، 2 : 448.
(12) مؤلف كتاب مشرع الراوي في مناقب بن علوي. بروكمان، الملحق، 2 : 617.
(13) ل. بروفنسال، مؤرخو الشرفاء، ص. 295 ورقم 1، مع المراجع المذكورة هناك.
(14) انظر ك. بروكمان، فاتح الأدب العربي، 2 : 279، والملحق، 2 : 510.
(15) المصدر السابق، الملحق، 2 : 521 (931).
وهذه المعلومات مأخودة عن ع. ابن ابراهيم المراكشي، الإعلام، 4 : 358- 359 نقلا عن المحبي في خلاصة الأثر، وعن ابن المترجم سالم الروداني
في الإمداد في معرفة علوم الإسناد.
16 ) ع. ابن ابراهيم المراكشي، الإعلام، 4 : 349-350، ود كان أبو سالم العياشي أول من أدخل إلى المغرب آلة من هذا النوع أهداها إليه الروداني نفسه، واستعملها بعد ذلك ابن عبد الله العياشي في الزاوية الحمزوية لتحقيق القبلة وتصحيح مخراب مسجدها، (انظر مجلة تطوان، 1963، عدد8 ، مقال م. المنوني).
17) مخطوط المكتبة الحمزاوية، عدد 168، (انظر المرجع السابق، ص. 151).
18) طبعت المنظومة في الهند، وعنوان شرحها : مقاصد الغوالي بقلائد الآلي، ( مخطوط عدد 146).
19) طبع هذا الكتاب بالهند.
20) انظر. ابن خلدون، المقدمة، (طبعة بيروت)، ص 792-793، وكولدزيير، دراسات حول الحديث الإسلامي، 7 : 322، 327 وما بعدها.
21) انظر ع. ابن ابراهيم المراكشي، الأعلام، 4 : 336 و 339، وم. السوسي، سوس العالمة، ص. 181.
22) شرح هذا الكتاب المسند محمد سعيد بن محمد سنبل الشافعي ( انظر ع. ابن إبراهيم المراكشي، الأعلام، 4 : 359).
23) مخطوط عدد 5 ح، مكتوب بخط ابن المؤلف أبي بكر عام 1097- 85/ 1686 .
24 ) انظر م. السوسي، سوس العالمة، ص181. « وهذه المؤلفات يغلب على الظن أنها كلها توجد في الشرق».
25) السورة 19، الآية 12.
26) انظر ع. ابن إبراهيم المراكشي، الأعلام، 4 : 357، ثقلا عن رحلة العياشي.

تارودانت نيوز
إعداد أحمد الحدري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى