اليوم الإثنين 16 ديسمبر 2019 - 5:05 صباحًا

حديث مع الصورة : الرهبان بدار نقطة الحليب/ج3

أخر تحديث : الجمعة 11 يوليو 2014 - 8:43 مساءً
تارودانت نيوز | بتاريخ 10 يوليو, 2014 | قراءة

الخميس 10/07/2014
تتمة قراءة رواية ” الوردة الزرقاء”

على خلفية زيارة السلطان محمد الخامس بتاريخ 28 مارس 1947 لدار نقطة الحليب بتارودانت، سجل لنا الروائي موسى حميمو واقعة حالة الطوارئ في الميتمL’orphelinat ، بل حالة الاستنفار تعدت دار نقطة الحليب لتطال أوسط الأركان العسكرية الفرنسية المكلفة بمكتب الشؤون الأهلية، زيارة السلطان كانت هي الأولى لتارودانت كما ذكر لي الحاج أحمد الحاتمي ووافقه سي علال البرداوي؛ شيء طبيعي أن تقام الدنيا ولا تقعد لأن المشروع الخيري دار نقطة الحليب كان ورائه شخصيتان وازنتان فوق كل اعتبار، أما الأولى فهي حرم المقيم العام التي تجسد سلطة الاحتلال العسكري الفرنسي بالمغرب، أما الشخصية الثانية فهو محمد بن يوسف الذي وافق لها على طلبها بشروط مسطرة، ووهب الأرض الحبسية باعتباره يجسد السلطة الشرعية ورمز الوطنية المغربية، هي إذن حالة طوارئ وقاعدة عمل لازلنا نعيش على ايقاعها وليست وليدة اليوم : حيث ما يحل السلطان يعم الخير البلدان.

كما سجل التاريخ الروداني وقائع هي من صميم قمة القمم في التضامن الانساني الخاص بنساء تارودانت دون سواهن، لا يوازيها سوى التبرع بالدم، صور من رفعة وسمو حنان الأمومة والعطف الفياض لديهن، علما أن تارودانت لا زالت لم تتعافى من أزمة “أيام البون”، أكاد أجزم ـ سامحني الله ـ أن هذه الشيمة لوحدها كانت كافية أن تضمن لتلك الزمرة بيتا في الفردوس الأعلى، يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا ، كانت جل النساء المرضعات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة، خلال هذه المرحلة ترضع الأم وليدها بالثدي الأيمن وتحجز الثدي الأيسر لإرضاع ابن الجيران إن وجد حسب رغبة ذويه ، اكتشفت هذا لأن إحدى قريباتي تنادي على سيدة رحمها الله ” مّا خدوج” من أيت فيو بدرب كسيمة، وأبناء هذه الأخيرة ينادون خالتي ” مّا حفيضة” زوجة محمد بغا، استغربت لأن خدوج لا تمت إلينا بصلة في الوسط العائلي ،،، فذكرت لي خالتي رحمها الله حيثيات القصة التي يضيق سردها هنا تعود لفجر الإستقلال، وأضافت ” لعيالات أولدي فداك زْمان” تقصد المرضعات، اذا لم يجدن صبيا رضيعا بين الجيران، يتسترن بالإزار كي لا يعرفن ويذهبن لوجه الله ” لإرضاع صبية دار لحليب باش ما يرضعوا حليب النصارى”. انتهى
image
من الذكريات الأكثر ترسيخا في سن التاسعة حين كنا نذهب ثمان كيلومترات شمال تارودانت لجمع النبقLes jujubes من شجر السدر، المنطقة تبدو في الصيف بنية اللون على مد البصر: عقارب، حيات، أشواك جميع هذه الأوهام لا تخيفنا نحمل من النبق أكياسا، ومن لم يجد يشد “أقشاب” بحبل على مستوى البطن فيملأه حتى يصبح بدينا.
في أحد الأيام قيل لي إن امرأة اسمها “إجة” تسأل عني في الباب، قالت إنها أمي، قلت ليست لي أم ولا علم لي بأم غير الراهبة الأم ديروك التي ربتني بين أحضان الدار رغم كونها قاسية علينا على الدوام قالت لي : “سير تشوف لحرام يا ولد الحرام” ستعطيك ثانية بعض الأوساخ إياك أن تقتسمها مع الأطفال، كأنها تعلم أنها ستمد لي حفنة لوز ومثلها ثمر، هو كل ما يحضر بعض الآباء عند كل زيارة لأطفالهم، “إجة” هذه المرأة الغريبة عني ضمتني الى صدرها وعانقتني بشوق وحرارة، تدفقت في صمت من عينيها دموع دافئة قالت لي أنا أمك !! لحظتها بدون تردد دفعتها بقوة وانسلخت منها، لا أعرفها، لا أريدها، لا أحبها، كيف لي أن تكون لدي أمّانDeux mères؟؟؟
لن أنسى أبدا ذلك الصباح وسط الساحة، الراهبة أنا sœur Anna قدمتنا مثل البضاعة للراهب جونfrère Jean ، الراهبان بدءا يتناقشان كأننا ماشية، يقيّمان ذاتنا، المزايا الجسمية، يقللان من وزننا، الراهب يتلمس عضلات أكتافنا، والأذرع، ويفحص عضلات السيقان، حتى الأسنان كأننا سنقتلع العشب بفكنا، لما انتهى قال للراهبة : أنهم أطفال des gosses رهيفين، على أي سآخذ اثنان. الراهب “جون” كان رجلا يحمل ستينيته بعناء نتيجة الروماتيزم وادمان الخمر، لا يكاد يرى وجهه بسبب لحيته الطويلة والكثة، التي لا تفارقها النرجة La pipe، يصرح علانية كونه يكره بداية اليهود، الكلاب الضالة وأخيرا فقط العرب.
image
يجب الاعتراف أن بستان الراهب جون كان جميلا جدا، ربما الأجمل من بين كل بساتين تارودانت، كان مجهز بقنوات الري الاسمنتية، ممراته محاطة الجوانب بنبات اليازير مشذب برفق وقصب الخيزران، تشعرك أنك تتجول في شارع، مئات الأشجار من أصناف الليمون، بينها أحواض الخضر، كافة المعمرين يتمونون بمشتلنا، كافة الواجهة الشمالية للبناية كانت تشغلها ورديات مشذبة بعناية تعطي ورودا براعم ومتفتحة، عدا أصناف الليمون يوجد أيضا أشجار البرقوق والمشمش، الراهب جون أدخل كذلك الفواكه الاستوائية الأصيلة من أمريكا اللاتنيةLes papayers. Les avocatiers. Les passiflores. Les anoniers …
كجميع أمسيات الآحاد، يوم نزهة ندخل ميتين بالعياء محملين بالحجل والمحاصيل المختلفة، نستلقي فوق الأكياس نعالج جراحنا وخدوشنا في كل جسدنا تقريبا، نمزق الجرائد ونلصق أطرافها على الجروح، ننزع الأشواك من أقدامنا، نصلح أعطاب الفخاخ والمقلاعات، نكوّن مجموعات في الساحة، ننزع الريش عن الطيور ونحضر الأواني الأكل المتهالكة ونقوم بطهي أو شي الطيور…
حل يوم عيد الميلاد، وحضر الراهب الأب مالو الى ساحتنا يطلب منا أن لا يخيب أمله أمام السلطات التي ستحضر الاحتفال، يتعلق الأمر بنشيد ملعون اختلق خاصة ليمجد العقيدLe colonel وهو شخص بدين يحمل قصبة، أنشودة الاستقبال تقول: سيدي الرقيب، سيدي العقيد، نحن أسفل ركبتكم. هذه الجملة العادية تحمل مدلول احتقاري كبير، عدد من الأطفال ونحن نكبر عوقبوا واحتقروا ورموا خارجا بسبب رفضهم التفوه بهذه الكلمات، رمز خضوعنا بدون حدود لأوليائنا، كذلك بالنسبة لمن رفضوا حمل قطع شواء الخنزير المحمر أو المشرمل الى سكنى السلطات الاستعمارية، كرد فعل من الأولاد: ils ne nous donnent à manger que Assekif matin et soir et ils veulent qu’on leur lèche les pieds ikhann que nous sommes à leurs genoux .
بلغت سن الثانية عشرة، لم أعد أذهب الى القسم، ربما هي تعليمات العقيد تطبقها حرفيا الراهب مالو، حقل تبحرين يوجد في حومة شعبية Ferk El Habab يعتني به الراهب الأب مالو، يوم الأحد صمت تام حتى الطيور ترفرف بهدوء، على المدخل ترتفع أشجار ضخمة للصنوبرياتconifères ، جميع الجهة الغربية عبارة عن بيت مغطى bâché للتجارب على الأغراس والفواكه الاستوائية وتلقيم الورود لخلق نماذج وأصناف جديدة، الجنوب عبارة عن ورشة النجارة ومرآب كبير لخزن الأخشاب، ونتبع الممر شمالا نفضي الى باحة الكنيسة وملحقاتها، الحقل الكبير للأب مالو لم يكن به سوى أشجار الليمون والورد وأشجار الفواكه الاستوائية. الراهب مالو لم يكن يأبه لسنّنا المبكر على حمل ونقل أثقال الأخشاب Les madriers التي تترك ظهورنا الفتية معقوفة، من أجل تلبية طلبيات المستشفى وبعض مدارس “لبلاد”.
أثناء رحلة الى الدار البيضاء، الجميع هنا يتحدث سياسة بما في ذلك الرهبان، مطاعم تفجرت، سينما قنبلت، بعض الفرنسيين قتلوا، الارهابيين يثيرون الرعب، يتم الحديث على ضرورة أن تمسك فرنسا الأمور بشدة وحزم، هناك من يقترح ” تعويض” الملك الذي يشجع الفدائيين والوطنيين. الأب مالو يستثقلني فقط لما يشعر أنني لا أحمل معي في قلبي فرنسا والفرنسيين ، إنني أكره الاستعمار الفرنسي لأنه يتعامل معنا كالعبيد، يحتقرنا، لا يهيأ لنا أي مستقبل، أدناه أن المسلمين لديهم مسجد والمسيحيين لديم كنائس واليهود لديهم بيعات والبوديين لديهم معابد، أما أنا لا شيء. في أي مكان كي أتوجه الى الله وأبت له حالتي الروحية وأناجيه، كان علينا أن نتعلم كل ما هو فرنسي وكاثوليكي، نتنكر لجدورنا المغربية وفصيلتنا الاسلامية، هنا بالدار البيضاء الناس يتحدثون “عربية” قليلة الاستعمال بتارودانت، لكن الفرنسية تستخدم بشكل عادي من قبل مغاربة يرتدون ألبسة شياكة، السباب اللاذع يرمى الى الأب مالو من قبل شباب مغاربة :
pourquoi toi il traine le petit chleuh avec toi ? il est pas le chien de toi! , il le laisse dans El blad de lui!!
بين يوم وليلة، تبعا لقرار الملك محمد الخامس، التراتبية الكنسية قررت عدم وجوب الخضوع لتربية كاثوليكية، بين يوم وليلة لم نعد مرغمين على الصلاة بالفرنسية باسم الربAu nom de Dieu بل باسم الله Allah، رسوله لم يعد المسيح عيسى بل سيدنا محمد، هي الحقبة التي وقع فيها عدد كبير من الخلل لدرجة الإرتباك الذهني، أتهم بالمعتوهين أكثر من عشر بنات وأولاد، المصحة والخزانة بجناحنا تحولت الى قاعة قسم العربية، ثم جلب كتب اللغة والنحو والقراءة من لبنان، أمر غريب حيث كانت من قبل المجلات ممنوعة وضبط الكتب يجرّم، هذه المتناقضة المزلزلة لن تكون في النهاية سوى حلقة سببية نحو الاستقلال الذي لم يعد بعيدا.
image

بلغت سن الرابعة عشرة والنصف، بدأت أشعر بالانعتاق من سيطرة التعليمات الصارمة، من حين لآخر أذهب الى غابة سيدي بورجا وسيدي عمارة ووادي سوس لن تخيفني الذئاب ولا الضباع ولا الخنزير البري، أقل بكثير منهم اللصوص، أقطع بصعوبة أفدنة الزياتين، وألج مروج الشجيرات الكثيفة، وأحزمة القصب المتشابك، قبل الوصول الى وادي سوس. أشجار الصفصاف الأبيض الباسقة تحتضن اليمام Tourterelles، مياه السواقي تتدفق خريرا، شحارير وهزارات ترفرف فوق المروج مرسلة أصوات حادة، في أي مكان أزهار الرند الوردي Laurier rose وشقائق النعمانLes coquelicots أزهار اللؤلؤMarguerites Les.
في أي لحظة لا الراهب الأب مالو ولا الراهبة الأخت أنا ولا كبيرة الرهبان، لم تعد مآخذاتهم تجدي بقدر ما هو عتاب أن أنساق خارج الدار مع موجة الرودانيين الذين يكافحون من أجل العودة من المنفى للملك محمد الخامس، ويخشون أن أصبح ضحية هذه الأحداث، وأضافوا قد يلقى علي بتهمة التنسيق الفرنسي وأصبح ضحية تصفية حساب، فات الأوان لم أعد طفلا، لقد اتخذت قرار مغادرة الدار بصفة نهائية، إن الرودانيين كانوا ثائرين ناقمين يخوضون حرب عصابات بلا هوادة ضد فرنسا من أجل الحصول على رجوع محمد الخامس.انتهى
image
رحمات ومغفرة ورضوان، بعدد قطرات المطر كلما هطل، وحبات الرمل كلما هبت الريح، على الكاتب الروداني مهندس الكهرباء المرحوم موسى حميمو الذي وثق لنا بالخط سيرته الذاتية، رواية تصور لنا بدقة متناهية تفاصيل وجزئيات استثنائية لحقبة منزوية من تاريخ تارودانت نهاية الثلاثينات الى مطلع الخمسينات، رواية قمة الروعة لم أتردد في قراءتها مرتين وما قدمته هو فقط ملخص قراءة ثالثة سطحية سريعة.
كل زمن وتارودانت برجالها أمثال المرحوم موسى حميمو بألف خير

تارودانت نيوز
علي هرماس