أخبار جهويةأخبار محليةالأخبار

فسحة رمضانية رودانية :الحلقة(14) من أعلام تارودانت مع ؛العلامة القاضي مولاي سعيد بن السعيدي العلوي


السبت 14 رمضان1435ه/12/07/2014

اسمه ونسبه
هو مولاي سعيد بن الحسن بن محمد بن السعيدي العلوي ، سليل أسرة عريقة جمعت بين شرف النسب و فضيلة العلم ، مر فيها العديد من العلماء و القضاة والفقهاء والصلحاء و حازت على احترام الناس و تقديرهم.
ومن أشهر أفرادها مولاي محمد بن السعيدي ، ومولاي الحسن بن محمد ومولاي اسماعيل بن محمد…

ولادته ونشأته
ولد مولاي سعيد سنة ١٣٢٠ه ب”رحالة أولوز”من ابيه مولاي الحسن بن محمد و أمه عائشة بنت الحاج محمد ،فنشأ نشأة دينية في كنف ابيه وأسرته.
أخذ القران على ستة من الأساتذة الأجلاء ،وأنهى حفظه و له من العمر ثمانية عشرة سنة،وانتقل بعد ذلك الى مراكش بطلب من عمه القاضي مولاي احمد صهر السلطان مولاي يوسف، و مكث بها طالبا للعلم اربع سنوات بمدرسة المواسين، حيث افتتح مبادئ العلوم عند الحاج احمد الخضر الرحماني في مدرسة ابن يوسف، كما أخذ عن العديد من العلماء كأمثال سيدي محمد المزوضي و الكتبي اليزيد الروداني و غيرهم

العودة لطلب العلم بتارودانت
في سنة١٣٥٠ه انقطع في تارودانت لإكمال تحصيله العلمي على يد العلامة سيدي احمد بن المسلوت وأخيه سيدي رشيد و الباشا الشنقيطي في الجامع الكبير مع ثلة من الطلبة و منهم محمد هرماس، العربي الكرد وآخرون ، كما مارس وظائف دينية في مساجد تارودانت كالامامة و الوعض في الجامع الكبير ، كما كان يلقي درسا وعظيا في مسجد سيدي و سيدي بين العشاءين.

في مسكن أسرته
بعد وفاة ابيه مولاي محمد سنة ١٣٥٦ه ، رجع مولاي سعيد الى بيت الاسرة بأولوز مشتغلا بتدبير أمورها و تصريف شؤونها من فلاحة و زراعة و رعي دون ان يتخلى من اهتماماته العلمية، وانخرط في هذه الفترة في الكفاح الوطني.

الانخراط في العمل الوطني
في هذه المرحلة من عمره ، انطلقت الشرارات الاولى للكفاح الوطني في سوس على يد العلماء ، فكان من المعتنقين الأوائل لهذا الفكر الذي يتوق الى الانعتاق من نير الاستعمار و نيل الحرية، هو و ثلة من رفاقه كالقاضي سيدي رشيد المصلوت و الفقيه محمد هرماس و غيرهم ، حيث كانت لهم اتصالات و مجالس تعاون و تنسيق في هذا المجال،وعند اشتعال الأزمة بين القصر و الإقامة العامة وأبعاد الملك الشرعي خارج البلاد، وقف مولاي سعيد موقفا بطوليا يسجل له بمداد الفخر في سجلات التاريخ ،فبعد استقراره بمراكش اتصل به العلامة محمد المختار السوسي و كلفه بالرجوع الى سوس و جمع توقيعات العلماء و المدرسين للتنديد بالجريمة النكراء التي ارتكبتها فرنسا بعزلها الملك الشرعي للبلاد محمد الخامس في عرائض جوابية مقابل عرائض الخونة المزيفة، فضحى بنفسه وجمع التوقيعات اللازمة ، الا انه عند عودته الى تتمنار بحاحة تم اعتقاله وضربه والتنكيل به وسجنه، ثم وجه الى أكادير حيث وجهت له تهمة التشويش على الأفكار و الانتساب الى حزب الاستقلال، ثم سجن بها و بتارودانت قبل ان تفرض عليه الإقامة الجبرية ببلده.

تأسيسه لإحدى المدارس الحرة الفريدة في سوس

قام مولاي سعيد ر حمه الله بتأسيس مدرسة حرة في إكودار بالمنابهة ، على غرار مسجد بناه والده بجوار بيته،ومن تلامذة هذه المدرسة أبناؤه مولاي الحسن ومولاي عبد الله القادري و عبد الله هرماس و غيرهم من الطلبة ، الا ان الاستعمار الذي كان يتوجس خيفة من هذه المدارس في الحواضر ما كان ليغفل عنها في البوادي ،اذ لم تمر الا سنتان و بضع أشهر حتى قام بإغلاقها و تسريح طلبتها.

الانتقال الى الدارالبيضاء
بعد اشتداد المراقبة الاستعمارية عليه قرر الرحيل الى الحواضر في مكان لا تصل اليه فيه أيدي المتربصين، فغادر الى مراكش و منها الى الدارالبيضاء ليواصل عمله الوطني في الاتصال بخلايا الوطنيين و حماية المطار دين و إيصال المال لعائلات المعتقلين و أرامل الشهداء.

الرجوع الى سوس مرة اخرى

لم يمكث مولاي سعيد على هذا الحال زمناً طويلا ،اذ سرعان ما تمكنت سلطات الحماية من معرفة مكانه في عين الشق فألقت القبض عليه و بقي تحت الاستنطاق سبعة ايام و أرسلته تحت الحراسة الى تارودانت ليمكث شهرا دون حكم ، ونقل الى تافنكولت حيث قضى شهرا اخر دون حكم، ثم اطلق سراحه شرط البقاء ببيته تحت الإقامة الجبرية ، ورغم ذلك لم يستسلم بل كثف من اتصالاته تحت جنح الظلام و اثناء تظاهره برعي ماشيته ، ولم يزل على ذلك حتى حصل المغرب على استقلاله.

المساهمة في تأسيس جمعية علماء سوس
انضم رحمه الله الى جمعية علماء سوس التي أسسها تلامذة العلامة محمد مختار السوسي من اجل احياء المجد العلمي لسوس و كان من المساهمين بما لهم ووقتهم و أفكارهم في مشاريعها التربوية و الاجتماعية و العلمية وواكب كل مراحلها ولم يتخل عنها في أحلك ازماتها.

المشاركة في تأسيس المعهد الاسلامي بتارودانت

لعل اكبر مشروع قامت به جمعية علماء سوس هو تأسيس المعهد الاسلامي بتارودانت ، هذا الصرح الشامخ الذي عم صيته المغرب وبلغ إشعاعه الى ان وفد اليه الطلبة من أقاصي افريقيا و كثير من البلدان، وتخرج منه آلاف الطلبة الذين يملاون الإدارات و كثير منهم علماء و أدباء متميزون،وقد ساهم مولاي سعيد في مرحلة التأسيس فوجدت منه الجمعية خير معين و مساند اذ استغل منصبه الاداري لتذليل العقبات و عمل بجد و تفان الى ان بني المعهد و اشتد عوده.

رئاسة المجلس العلمي لتارودانت

بعد حصوله على التقاعد سنة ١٩٦٩م، عينه صاحب الجلالة الحسن الثاني رحمه الله رئيساً للمجلس العلمي لتارودانت و سوس ، فقام بهذه الوظيفة أحسن قيام،ومن حسناته في هذا المجال مساهمته في تأسيس المدرسة الجشتمية مع اخوانه في جمعية علماء سوس، وقد درس بهذه المدرسة كثير من حملة كتاب الله العزيز.

حرصه على تأسيس كلية الشريعة

كانت أمنيته العلمية الاخيرة ان يرى طلبة سوس يتمتعون بمؤسسة للتعليم العالي أسوة بإخوانهم في مراكش و فاس وتطوان، ورغم مرضه واعتلال صحته ونصح الأطباء له بملازمة الفراش فقد كان يوالي الاجتماعات و الأسفار و اللقاءات من اجل تحقيق هذه الامنية و من ضمنها حضوره اجتماع مجلس جامعة القرويين المنعقد بمراكش سنة١٩٧٣م، حيث اقترح فيه تأسيس فرع لكلية الشريعة بمدينة أكادير و قبل اقتراحه بالإجماع، وقد حقق الله أمنيته وفتحت كلية الشريعة ابوابها لطلبة العلم سنة ١٩٧٨م

أخلاقه و تدينه
كان رحمه الله يحظى بمحبة الناس و احترامهم، متصفا بأخلاق العلماء، متواضعا،هينا لينا، من الذين لا يريدون علوا في الارض و لا فسادا، لا يزهو بحسب او نسب و لا تهزه فخفخة المناصب،حباه الله بهيبة العلماء ووقار الأولياء، وقد كرس حياته للعلم وفعل الخير و التسابق الى المكرمات و الامر بالمعروف والنهي عن المنكر،يقضي أوقات فراغه في تلاوة القران الكريم وفي الليل ينعزل في بيته مقبلا على ربه و يحيي ليله متعبدا متبتلا مناجيا
، وكان محبا لأهل الله والفقراء و المساكين.

أقوال العلماء فيه
يقول عنه صديقه العلامة المختار السوسي :”هذا السيد من اخواني في الله ، يتجاوب قلبي مع قلبه و احس نحوه باحترام وإجلال لما له من الإنابة والخشوع و صفاء السريرة، وقد كنت اعرفه من قريب زمن الأخذ بمراكش ثم تزايد التعارف بعد ذلك حتى امتزجنا علميا وأخلاقيا و أفكارا ووحدة وجهة ..

اثاره
للعلامة مولاي سعيد سبق كبير و تقدم في مجال الفقه و الأحكام على طريقة الفقهاء الكبار ، ويتميز بحسن الفهم وسهولة الاستنباط لاعوص المسائل ، وله تضلع في التفسير و علوم السنة ، و لا ادل على ذلك من تعليقاته على الجزء الاول من تفسير ابن عطية المشتمل على سورتي الفاتحة و البقرة.

بقية من أخباره
أدى رحمه الله فريضة الحج سنة ١٣٧٨ه ثم حج للمرة الثانية في الوفد الذي بعثه الملك الحسن الثاني رحمه الله ونال وسام العرش من درجة ضابط تسلمه من يد الملك الحسن الثاني بقصر بلدية أكادير،كما مكان رحمه الله شاهدا على الأحداث الأليمة التي عرفها قصر الصخيرات سنة 1971مع ضيوف الملك وأصابته رصاصة طائشة في ترقوته ونجا بأعجوبة .

وفاته
أصيب رحمه الله في اخر حيات بضعف في القلب و نصحه أطبائه بالراحة ، غير انه لم يكن من الصنف الذي خلق لذلك بل يجد راحته في عمل الخير الى اخر رمق من حياته وكذلك كان ،اذ عندما اشتد عليه المرض حمل الى مستشفى مدينة تارودانت حيث اسلم الروح يوم الخميس ٢٤شعبان عام ١٣٩٤ه الموافق ل ١٢شتنبر ١٩٧٤م.

تارودانت نيوز
اعداد أحمد الحدري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى