أخبار جهويةأخبار محليةالأخبار

فسحة رمضانية رودانية الحلقة (14) من معالم تارودانت مع “تمصريت” موسم خاص بالنساء يقام يو ال 15 من رمضان من كل سنة


الأحد 15رمضان1435ه/13/07/2014

تتفرد مدينة تارودانت دون سائر المدن المغربية ،باحتضان موسم سنوي خاص بالنساء يقام في ال 15من رمضان من كل سنة ، موسم تمتزج فيه التجارة بالعبادة بالتراث المعماري ،بدأ محلياً صغيرا الى أن أصبح اليوم مقصد تجار الفخار من مختلف المدن المغربية.
image
الأصل في التسمية
تمصريت بالأمازيغية تعني الغرفة العلوية وهي في الدارجة السوسية “المصرية” ،فقد كانت البنايات أيام زمان لا تتعدى طابق واحد ، فكان الناس الميسورين يضيفون غرفة علوية بالبيت تسمى المصرية تخصص اما للضيوف ،أو خلوة لكبير العائلة اذا كان فقيها متصوفا ، وقد تكون لها استعمالات كثيرة حسب المناطق السوسية كاستعمالها غرفة لمراقبة الممتلكات مثلا.
وتفيد جل المراجع مثل الفوائد الجمة للتمنارتي أن أصل تسميتها يرجع تاريخيا الى العالم و القاضي الشهير “ابن الوقاد” الملقب بأبي العباس التلمساني الذي عين قاضيا بتارودانت من طرف السلطان المنصور الذهبي خلال القرن 10ه ،فكان مفتيا وإماما وخطيبا بالجامع الكبير المشهور أيضاً بتارودانت ،وحكي عنه في الفوائد الجمة أن المنصور الذهبي أراده أن يلازمه في بلاطه لكنه رفض ، فقال عنه المنصور الذهبي :”ليس عندنا بالمغرب أخطب منه إلا أن الله اختاره لمدينة تارودانت .
ويقصد كذالك بتمصريت في الروايات الشفاهية في الأوساط الرودانية الى أن تمصريت يقصد بها الضريح المعروف بسيدي عباس المساني أي التلمساني ، وهو يوجد مرتفعا قليلا عن بقية الغرف المجاورة له بدار الامام الخطيب المحدث أبي عبد الله سيدي محمد بن أحمد بن محمد التلمساني ابن الوقاد المشاراليه آنفا.
ويعتبر منزل ابن الوقاد بتارودانت ضريحا ومرقدا لثلاثة أولياء وهم:حسب روايات النساء القائمات على الضريح:- سيدي محمد شرحبيلي ،وسيدي عباس التلمساني ،و سيدي الشعال.
image
15 رمضان “تمصريت ” موسم ديني وتجاري

يرجع أصل الاحتفال الديني بموسم تمصريت ، الى اهتمام ناس تارودانت في زمن ابن الوقاد رحمه الله بالمديح و السماع بالإضافة لاهتمامهم بعلوم الدين ، وقد ورد عن ابن الوقاد أنه كان يحرص على ختم البخاري ليلة النصف من رمضان مع مريدي مدرسته، بينما في الجهة المقابلة كانت أيضا زوجته تحرص على الشيء نفسه مع النساء اللواتي ينتمين لمدرسته حسب الروايات المتداولة بين قدامى مدينة تارودانت .
وقد كان الاهتمام بسرد صحيح البخاري و ختمه في رمضان عادة مغربية أصيلة يتوارثها العلماء جيلا بعد جيل الى أيامنا هذه ،و الاضافة التي جاء بها موسم “تمصريت”هو مشاركة النساء في بركات رمضان وسرد البخاري والأمداح في هذا المكان المتميز الذي هو مسكن الإمام التلمساني.

وإذا كانت النساء في زمن ابن الوقاد يهتممن بعلوم الدين في مدرسته التي أسسها ببيته وخلوته المعروف اليوم بتمصريت وينشدن قصائد مدح النبي صلى الله عليه و سلم ، فإننا نجد اليوم بعض النساء الرودانيات ماتزلن محافظات على هذا الاحتفال بالشكل التالي :فمن اليوم الأول من رمضان الى غاية الثالث عشر منه يحضرن بالضريح من الساعة التاسعة صباحا الى وقت صلاة الظهر حيث يؤدين ما يسمى عندهن بالوظيفة وهي طريقة وورد متبع عند أغلب الطرق الصوفية بالمغرب وتتجلى في الأذكار و الأمداح النبوية ،وابتداءا من فجر اليوم الرابع عشر من رمضان الى غاية اليوم الثامن عشر منه نجد النساء يعتكفن بالضريح صحبة أطفالهن حيث يجتمعن بالضريح فيهللن و يسبحن ويمدحن الرسول صلى الله عليه و سلم ، بعد ذالك تفترق هذه المجموعات من النساء على ان يجتمعن ليلة عيد الفطر التي تتميز بمدحهن سيد المرسلين وقوفا على الأقدام مدة من الزمن وهذا ما يصطلح عليه عندهن (بأحيدوس)،أما الأصل فيه عند الرجال فيسمى” العمارة” خاصة عند الطريقة الدرقاوية و القادرية.
image
-الجانب التجاري لتمصريت تكريم للمرأة الرودانية
ويعتبر اليوم الخامس عشر من رمضان اليوم المعين ، بموسم تمصريت-اي بعد إتمام ختم البخاري على عهد ابن الوقاد و ما تلاه – هو يوم للعادات و التقاليد اذ يقام سوق خارج الضريح بحومة سيدي حساين ، يختص فيه الباعة الذين حضروا أول مرة بطلب من نساء مدرسة ابن الوقاد ،بعدما أتممن ختم البخاري كي ينظمواسوقا بجانب الضريح حتى لا يضطرن التبضع لأمور العيد من ملابس و أواني فخارية ومواد الزينة وغيرها في أسواق أخرى مختلطة بالرجال ،فهذا الموسم أو السوق التجاري الذي يقام بمناسبة تمصريت ما هو في الحقيقة الا تكريم للمرأة الرودانية المتعبدة ، خاصة اذا علمنا ان موسم تمصريت كان منذ القدم والى سنوات سبعينيات القرن الماضي خاص بالنساء و محرم على الرجال دخوله ، الا الأطفال الغير البالغين فقط.
من بين العادات الجميلة التي يختص بها موسم تمصريت قديما هو اقدام النساء على شراء “الطويجنات” جمع” طويجن “وتعني الطاجين الصغير الخاص بإعداد الطعام عند عموم المغاربة، فتشتري الأم الطاجين الصغير وتحتفظ به الى غاية اليوم الثاني من عيد الأضحى ، حيث تقدمه الام لابنتها الصغيرة وتطلب منها اعداد وجبة أكل من لحم أضحية العيد ، وتسمى هذه العادة عند الرودانيين بإعداد (تبكنة) وهي لفظ أمازيغي ، ودلالته أن إجلسي حتى يوضع أمامك الطعام و المقصود أن الأم أصبحت لديها فتاة تعد الطعام.
image
هذه العادة اليوم في طريقها للزوال و الاندثار ،نظرا للتحولات الاجتماعية العصرية التي عرفها المجتمع الروداني ،والتي عصف بالكثير من الموروثات الثقافية التي كانت تميز المجتمع الروداني في مثل هذه المناسبات.

تغيير المكان اعتداء على الذاكرة
أمر آخر وهو التغيرات التي حصلت على مستوى المكان فبعدما كان موسم تمصريت خاص بالنساء أصبح منذ نهاية سنوات السبعينات من القرن الماضي مفتوحا للكل ، نساءا ورجالا مما عصف بجزء من أصالته وتميزه وأفقده المغزى الذي من أجله كان ، ومن جهة أخرى فان التزايد السكاني الذي عرفته تارودانت جعل من ساحة حومة سيدي حساين مكان تنظيم الموسم غير قادرة على استيعاب هذا الكم الهائل من النساء و الرجال مع ما يسببه الاختلاط في رمضان من سلوكيات مذمومة في هذا الشهر الفضيل .
وقد لجأت بلدية تارودانت خلال الأربع سنوات الماضية الى تحويل الموسم التجاري لتمصريت لساحة باب القصبة ،لكن نظرا لكثرة الازدحام ثم خلال السنة الماضية تحويله لساحة باب الخميس خرج يور المدينة خاصة وأن تجار الفخار المختلف الأشكال و الألوان يأتون اليه من مختلف المدن المغربية ،وأصبح الموسم اليوم مناسبة لترويج صناعة الفخار التقليدية المختلفة الاشكال و الألوان واصبح الموسم يمتد على مدى ثلاثة ايام كاملة.
لكن تغير المكان دون تقديم بدائل لنساء المدينة اللواتي يفضلن حومة سيدي حساين عن سواها هو اعتداء على الذاكرة التاريخية للمدينة.
image
ساحة حومة سيدي حساين تشكو حالها

ساحة حومة سيدي حساين التي كانت تحتضن هذه التظاهرة الدينية أصبحت كل 15 رمضان فارغة تشكو حزنها لله على أناس ألفت ممشاهم وتعودت على أصواتهم ، و اما ضريح أبي العباس التلمساني الذي كان يوما مدرسة للعلم و الذكر و المذاكرة طيلة شهر رمضان ،فحاله اليوم يرثى له من الإهمال والنسيان ، ضريحه آيل للسقوط ومدخله لازال كما تركه ابن الوقاد منذ أزيد من أربعة قرون ،فرح الله ابن الوقاد العالم الرباني العارف بالله ، الذي علم النساء وأكرمهن بموافقته احداث سوق خاص بهن في يوم خامس عشر رمضان لقضاء مصالحهن الخاصة بعيد الفطر حتى لا يخرجن لأسواق المدينة المختلطة بالرجال .

وتبقى تمصريت محطة تراثية دينية متميزة تختص بها مدينة تارودانت ، في حاجة للعناية بضريح ومنزل ابن الوقاد الذي يعتبر معلمة تاريخية بالمدينة.

تارودانت نيوز
اعداد أحمد الحدري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى