أخبار محليةالأخبار

فسحة رمضانية رودانية:الحلقة(16) من أعلام تارودانت مع الطبيب “بول شاتنيير “


الاثنين 16 رمضان 1435ه/14/07/2014

مقدمة
كثير من الناس في وظائف مختلفة يموتون و يرحلون ولا يأبه لهم أحد ، أما في هذه الفسحة فالأمر يتطلب أكثر من وقفة ، فالمترجم له ليس مغربيا و ليس مسلما بل وجاء في اطار حملة استعمارية غاصبة،لكن الرقي الإنساني و الحضاري الذي يتميز به المسلمون في المغرب ، وفي ربوع سوس وتارودانت بالخصوص يجعلهم دائماً يميزون بين هذا وذاك ،فقد أحبه الأهالي من خلال عمله ومن خلال حبه لهم وبالتالي من خلال تضحيته بنفسه و هو في ريعان شبابه من أجل انقاد مرضاهم الفقراء المعدمين الذين كان يتخدهم حينها أبناء جلدتهم من قياد وبشوات ذالك الزمن عبيدا،في حين مارس معهم ومن أجلهم هو مهنته التي أقسم عليها بكل إنسانية وبتواضع قل نظيره :انه الطبيب الإنساني “بول شاتنيير” وهي رسالة تركها لعقود لمن خلفه من الأطباء و الطبيبات المغاربة ليقتلوا به .

نشأته
هو البنيان ارنست بول شاتنيير ازداد سنة ١٨٨٤م بكاستلن سارزان بفرنسا و نشأ بين احضان عائلة كاثوليكية متدينة جداً حيث كان جل أفرادها منخرطين في سلك الرهبنة.

دراسته
بعد استكماله لدراسته الثانوية دخل كلية الطب في مدينة ليون ليتخرج منها سنة ١٩٠٧م بعد مناقشة أطروحته حول الأمراض الصدرية، ثم درس بالمدرسة التطبيقية لمصالح الصحة و تخرج منها سنة ١٩٠٨، انتقل بعد ذالك الى الجزائر التي قضى بها سنتين ومنها انتقل الى المغرب في مارس ١٩١١ بالمغرب الشرقي سرعان ما انتقل الى مراكش .
من مراكش انتقل بول شاتنيير الى تارودانت في صيف ١٩١٤ عبر ممر تزنتاست في ركاب الجنرال دولاموط كطبيب للإسعاف الأهلي ضمن المجموعة الصحية المتحركة لمراكش .
كان في استقبال الجميع بتارودانت الباشا حيدة مويس و ابنه القائد حماد والأهالي و أقيمت حفلات للفروسية التقليدية في ساحة القصبة ،كما غنت على شرفهم فرق تراثية محلية و جهوية .

أقام الطبيب بول شاتنيير في هذه الفترة مدة عشرة أيام كانت كافية له ليطلع على أحوال أهل تارودانت الصحية فدخل حاراتها و اكتشف أسواقها المختلفة، وزار بيوتاتهاالكبرى ومارس مهنته بها حيث قام باسعاف السكان و قدم وصفا دقيقا بأحوالهم المعيشية و عاداتهم ونوع الأمراض التي كانو يعانون منها .
تم سرعان ما اصطحبته الحملة الاستعمارية نحو الجنوب خاصة أكادير ، ومنها الى ميدلت ، لكنه في الأخير أصر على العودة لمدينة تارودانت .

التيفوس ينتصر على الطبيب
في تلك الفترة أصاب أهل تارودانت وباء التيفوس الجارف الذي أتى على الأخضر و اليابس ومات ضحيته الآلاف من المرضى ،و فضل الطبيب بول شاتنيير المغامرة والتضحية بنفسه فراح يحقن الناس ويداويهم و يوافيهم الى ان أصابه الداء اللعين ، وبالرغم من الاحتياطات الكبيرة التي اتخذها الطبيب بول شاتنيير الا انه أصيب بهذ المرض اللعين وهو بين مرضاه ، فسقط بدوره وعانى معاناة شديدة مدة ثلاثة عشر يوما ، ورغم محاولات الطاقم الطبي الذي استدعي له من مراكش و الصويرة الا أنه لم يفلح في انقاده ” يقول بول شاتنيير واصفا حالته المرضية قبل وفاته بأيام ، في رسالة مؤرخة في 28/01/1928″أنا في اليوم الثالث لاصابتي بالمرض،كنت أظن خلال ثمانية و أربعين ساعة بأنه نوع من الملاريا أو بداية لداء الكبد ، والآن أنا مرتاح البال ومعنوياتي جيدة للغاية،لكن زوجتي مضطربة غير أنها شجاعة ، ونحن نترقب كل الاحتمالات بما فيها السيئة بهدوء ودم بارد ، ينبغي أن نغتنم ما بقي لنا من الحياة، لم نندم يوما على مجيئنا لتارودانت”

وفاته
يوم ٩ فبراير ١٩٢٨ أسلم الروح الى باريها في الصباح الباكر وهو في الرابعة و الأربعين من عمره فدفن بالمستشفى الذي كان يعالج به الناس ،و لازال قبره عند المدخل الرئيسي للمستشفى من جهة اليمين ،بكت تارودانت على رحيله و بقي مستشفى تارودانت يحمل اسمه الى أواخر الثمانينيات من القرن الماضي عندما قررت وزارة الصحة استبدال الأسماء الفرنسية باخرى مغربية،فأصبح يطلق عليه مستشفى المختار السوسي.
image
لقد كان بول شاتنيير صادقا مع نفسه مخلصا لمهنته وفيا لمبادئه الى ابعد الحدود، وقد ضحى بنفسه من اجل إنقاذ الآخرين ، وضل قلبه ينبض بحب مدينة تارودانت و أهلها مذ وطئت قدمه ارضها ، وطلب الإعفاء من الخدمة العسكرية ليتمكن من تحقيق حلمه بالرجوع اليها و التملي بلقائها و العيش فيها بين سكانها البسطاء ، ولم يكن يدري ان هذا العشق سيؤدي ثمنه بحياته ليدفن في ثراها قرير العين بعد ان أدى واجبه الإنساني كاملا و مات في ساحة المعركة بلباس الميدان ليدخل بذلك تاريخ اعلام حاضرة سوس من بابه الواسع.

تارودانت نيوز
اعداد أحمد الحدري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى