أخبار جهويةالأخبار

فسحة رمضانية رودانية..زاوية سيدي الطاهربمدشر البعارير العليا(هوارة)


تقع زاوية سيدي الطاهر وسط مدشر البعارير العليا، التابع لجماعة زاوية سيدي الطاهر، التي تدخل ضمن نفوذ عمالة تارودانت، و هي تابعة من الناحية الإدارية لملحمة أحمر إقليم تارودانت جهة سوس ماسة درعة، أحدثت بمقتضى التقسيم الإداري لسنة 1992م، تقسيما عن جماعة سيدي موسى الحمري يحدها من الشمال المنيزلة و من جهة الجنوب سيدي احمد أوعمر و من جهة الغرب سيدي موسى الحمري و من جهة الشرق إيداومومن. و تبعد عن ملحمة احمر بحوالي إثنا عشر كلم، و عن دائرة أولاد تايمة بحوالي خمسة كلم، و عن عمالة تارودانت بأربع و عشرين كلم.
أما الطرق التي تقطع زاوية سيدي الطاهر، فهناك الطريق الإقليمية رقم 7008 الرابطة بين أكادير و تارودانت عبر أمسكرود، و الطريق الإقليمية رقم 1713 المؤدية إلى المنيزلة و المتفرعة عن الأولى، أما باقي الطرق فهي عبارة عن مسالك تربط الدواوير ببعضها البعض، و تجرى حاليا دراسة تقنية حول بناء هذه المنافذ، فرغم كونها غير معبدة فحالتها لا بأس بها نظرا لكونها عرفت توسيعا و إصلاحا شاملا.
تنتمي المنطقة إلى المناخ الجاف و الذي يعرف تغييرات حرارية كبيرة و تساقطات غير منتظمة و ضعيفة و متباينة من سنة إلى أخرى حيث لا تتعدى 240 ملم كمعدل سنوي، كما أن المنطقة تتعرض للرياح الصحراوي الشرقية (الشركي)، كما تتميز المنطقة بطابع الإنبساط نظرا لإنتمائها لمنطقة سهلية، حيث تقع في سهل منبسط ينحدر من الجنوب و من الشمال في إتجاه واد سوس ثم من الشرق نحو الغرب. أما بالنسبة للحرارة لا تتجاوز 24 درجة، لكن هذا لا يعني أن المنطقة لا تعرف درجات حرارية مرتفعة و أخرى منخفضة، إذ يعتبر شهر غشت من أسخن الشهور طيلة كل المواسم الفلاحيةى، حيث تتجاوز الحرارة 42 درجة، بل تصل إلى 47.5 درجة مما يؤثر سلبا على المنتوجات الزراعية بالمنطقة، خاصة الموز و بعض الخضروات. أما درجات الحرارة الدنيا فهي تسجل في فصل الشتاء خاصة شهري دجنبر و يناير و اللذان يعدان من أبرد الشهور[1]، و يفسر إرتفاع درجة الحرارة بهبوب رياح الشركي التي غالبا ما تتردد خلال فصل الصيف[2].
تستفيد المنطقة من مياه واد سوس الذي يعد أهم واد بها، إذ يقطع السهل من الشرق و الشمال الشرقي في إتجاه الغرب و الجنوب الغربي، و الذي ينبع من جبل توبقال حيث تذوب الثلوج و يطون شبه دائم من منبعه إلى حين دخوله إلى السهل[3]، لذلك فهو من حيث الجريان يكون نظاما هيدروغرافيا يرتبط في خصائصه بنوع المناخ السائد بالمنطقة و بنظام التساقطات على الخصوص[4] .
و من حيث الروافد التي يستقبلها هذا الواد و التي تخترق تراب زاوية سيدي الطاهر، فهناك وادي بني محمد الذي يقطع الطريق الإقليمية الرابطة بين أكادير و تارودانت، حيث شيدت عليه قنطرة سيميت بإسمه، و الذي يتميز بجريان موسمي، و الذي يتوسع في جوانبه كلما إبتعد عن المنبع نظرا لكون عدة روافد تصب فيه، إذ يصل في بعض المناطق 400 متر، بالإضافة إلى روافدذ أخرى مثلا واد الجداري و واد إبن ستوت، فكل هذه الروافد تنبع من الأطلس الكبير. يمكن القول أن ضعف الشبكة المائية، دفع سكان المنطقة إلى حفر الآبار و ترتيب أمورهم بحيث أصبح الماء بالنسبة لهم ملكية خاصة تسبق ملكية الأرض.
1/ زاوية سيدي الطاهر بن الحاج

1.1. مفهوم الزاوية
الزاوية عبارة عن مكان معد للعبادة، و إيواء الواردين و المحتاجين و إطعامهم. و قيل في تعريف الزاوية المغربية أنها “مدرسة دينية و دار مجانية للضيافة. و هي بهذين الوصفين تشبه كثيرا الدير في العصور الوسطى[5]. إذ لم تعرف إلا بعد القرن 5 هجري، إذ سميت بدار الضيوف، و في هذا الصدد نشير إلى أن المرينيين شجعوا على بناء الزوايا، بعد تغلب النصارى على المسلمين في الأندلس بدأت تتدخل في الشؤون السياسية للدفاع عن البلاد.
يقصد بزاوية سيدي الطاهر، ذلك المنزل الذي يسكن فيه شرفاء الزاوية فهي مكان مقدس و آمن. إذ أن السكان لا يقدرون التسلط على أهلها أو محاولة إرتكاب أعمال مشينة في حق أهلها. يعني أن السكان مجبرون على تصفية نياتهم، و أن تكون صالحة أثناء التعامل معهم، فإذا كانوا ينوون سواء فلن يجروا عن أنفسهم سوى البلاء. فهذه الفكرة طعنت على عقلية السكان حتى العصر الحالي، على سبيل المثال لابس الجلد أو ما يسمى بوجلود لا يمر أو يقترب من دور الزاوية، إذ يقول الإعتقاد أن الجلد سيبقى ملتصقا به. فهذه الأمور تدل على قدسية المكان، إلى درجة أن الناس المارين بالدوار كانوا يطلبون التسليم من أهل الزاوية حتى يخرجوا سالمين. بالإضافة إلى أن الزاوية كانت ملاذ لكل الناس خاصة الفقراء و المحتاجين. و هي التي تسير أمور الساكنة، كانت زاوية سيدي الطاهر تقوم بأدوار مهمة حيث تعمل على تحرير عقود الزواج (أنظر الوثيقة رقم 1)، كذلك حل المشاكل التي تنشب بين السكان، كما تسهر على الأملاك (أنظر الوثيقة رقم 2)…

2.1.- التعريف بشخصية سيدي الطاهر:

هو سيدي الطاهر بن الحاج أحمد البعروري، درس في منطقة بالشياظمة تسمى السكياطي، و يعتبر المؤسس الحقيقي للمدرسة البعاريرية، و التي مازالت محافظة على الشكل الأول لبنائها. حيث اشتهر سيدي الطاهر بنبوغه العلمي في المنطقة، و قد أشار المختار السوسي إلى وجود عائلتين بمنطقة هوارة، و هما عائلة آل المصلوت و عائلة بني السباع، التي ينتسب إليها سيدي الطاهر، و الذي حظي بالإنتماء لهذه الأخيرة. كان سيدي الطاهر ينفق على المدرسة من ماله الخاص و ذلك عبر تحضير الوجبات الغذائية للطلبة، و الإشراف على تحصيل العلم بها، الشيء الذي أدى إلى إشتهار مدرسته بتحفيظ القرآن الكريم بالروايات السبع، بالإضافة إلى علوم مرادفة لها.
و كان من بين المتخرجين من مدرسته سيدي الزوين، و قد عمر الطاهر بن الحاج تحت ذلك الجاه، إلى أن توفي سنة 1364 هجرية، و قد يبلغ الطلبة عنده زهاء مائتين[6]. دفن سيدي الطاهر في قبة له توجد شرق المسجد، و دفن بجانبه أبناؤه و أحفاده. تقول الرواية الشفوية أن سيدي الطاهر قال “البعارير أهل للعلم و الستر”. لقد ترك ثلاثة أبناء هم أحمد بن الطاهر و علال بن الطاهر و الحاج محمد، الذين أشرفوا من بعده على المدرسة أحسن إشراف.
1-3 – أهم تلامذته:

ظلت زاوية سيدي الطاهر قبلة لطلاب العلم يحجون إليها من كل أصقاع البلاد و يتنافسون في الأخذ من فقهائها البارزين. و لا شك أنها عرفت كثيرا منهم. لكن للأسف الشديد لا نعرف منهم إلا واحدا و هو الشيخ الحوزي سيدي الزوين. فهو شاب أتى من مدينة مراكش (الحوز) لطلب العلم في المدرسة البعاريرية، حيث درس و تكون على يد سيدي الطاهر بن الحاج. و بذلك أصبحت له مكانة علمية مهمة بين طلبة المدرسة، و هذا مؤشرا على نباهته و قدراته الفكرية. ففي بداية الأمر كان يلقب بالشوين لكن سرعان ما تغيرت كنيته هذه، و سماه سيدي الطاهر بسيدي الزوين، و يرجع سبب هذه التسمية إلى ما ترويه الرواية الشفوية، التي تقول : “أن سيدي الطاهر حضر شربة ماء لأبنائه ووضعها في إناء و تركها في الهواء الطلق، لكن سيدي الزوين إستيقظ في الليل لإشتداد عطشه، فلما وجد افناء به ماء شرب منه حتى جف ظمأه، و في صباح ذلك اليوم سأل سيدي الطاهر عن الذي شرب ما بالإناء، حينها إعترف سيدي الزوين بفعل ذلك، بعدها جمع سيدي الطاهر طلبة المدرسة فقرؤوا ما تيسر من القرآن الكريم، فنهض و خطب فيهم و قال: “الآن أصبحت سيدي الزوين و ليس الشوين”، و أكد له أن المقام لا يتسع أن يكون فيه الإثنين، و أمره بإخلاء المدرسة و الرحيل. و بذلك إتجه سيدي الزوين غلى مراكش مع بعض الطلبة.
لقد بني سيدي الزوين مدرسته بمدينة مراكش، المشهورة على الصعيد الوطني، و خير دليل على ذلك العدد الكبير من طلبة العلم المتوافدين عليها من مناطق مختلفة، و كذا الإهتمام الذي تحظى به من طرف الدولة حيث تستفيد من إعانة حكومية. بالإضافة إلى سيدي الزوين، فقد تخرج العديد من الطلبة الذين إكتفوا بالمشارطة في المساجد، و البعض الآخر تابع دراسته بالمعاهد الإسلامية، مثلا معهد محمد الخامس للتعليم الأصيل بتارودانت.
4.1- أهم شرفاء الأسرة البعاريرية:
تعتبر الأسرة البعاريرة شريفة النسب. و ذلك لكونها تنتسب إلى أسرة بني السباع، الذين إستوطنوا بدوار البعارير حينما تم جلاؤهم عن ديارهم من منطقة في الحوز في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله. و قد اشتهرت البعارير بمدرستها السبعية طوال القرن الثالث هجري.
و من رجالاتها سيدي الطاهر المؤسس، الذي خلفه ثلاث أبناء في المدرسة، أولهم أحمد بن الطاهر الذي لم يدخر جهدا في نشر القراءات، كما تميز بتواضعه المفرط، إلى درجة أن الناس كانوا يقصدونه للتبرك منه، توفي 1290 هجرية [7] 1872 ميلادية. أما أخوه علال بن الطاهر فقد تجاوزه، نظرا لإهتمامه الشديد للسعي وراء مصلحة العباد. و في عهده وقعت الواقعة على هوارة سنة 1303 هجرية، يوم استباحها السلطان مولاي الحسن، توفي سنة 1310 هجرية موافق 1892 ميلادية. أما الأخ الثالث الحاج محمد بن الطاهر، الذي درس بمدرسة مزوضة عند الأستاذ أحمد بن محمد. الشيء الذي ميزه عن إخوته هو أن فترة إشرافه على المدرسة أدرج إلى جانب فن القراءات تدريس اللغة العربية بعلومها، فنال بذلك مكانة عظمى بين الناس فتكونت له هالة متسعة و مهابة في القلوب[8]

كما عرف عهده هجوم الباشا حمو على منطقة هوارة. لكن من حسن الحظ لم تصب البعارير من هذا الهجوم، توفي سنة 1321 هجرية / 1902 ميلادية، ثم خلفه ابنه سيدي عبد الغني بن الحاج محمد في المدرسة، و الذي درس على يد والده فن القراءات، و تلقى العلوم الدينية عن العلامة سيدي محمد بن عبد الله اقاريضر الصوابي، لقد عرفت المدرسة في عهده تراجعا ملحوظا حيث قل عدد الواردين عليها، توفي سنة 1370 هـ/1931م. و تواصل هذا التراجع فترة إشراف سيدي المدني ولد سيدي محمد البصير على المدرسة مع عدد قليل من الطلبة، إلى لأن توفي سنة 1370 هـ/1950م.
بالإضافة إلى الشرفاء المذكورين هناك مولاي الطاهر، و الذي لم يشرف على المدرسة البعاريرية. بل سكن في بنسيرة بمنطقة أركانة و بنى فيها زاويته، و ألتف حوله مجموعة من معتقديه. درس على يد الأستاذ سيدي عبد الله خرباش فن القراءات، و تلقى العلوم الدينية من العلامة محمد بن مسعود المعدر. إذ أصبح مقدما في الطريقة الأحمدية، تميزت حياته بحسن أخلاقه و التواضع الشديد، و قد حج ثلاث مرات، توفي سنة 1378 هـ، و ترك ولدا تولى باشوية تزنيت[9] .
إلى جانب مولاي الطاهر هناك سيدي عبد الباقي، الذي لم يعرف شهرة كبيرة، شأنه شأن أسلافه، و غنما كان مقدما في الطريقة الإلغية. حيث كان يتوجه مع أتباعه إلى موسم الغ، إلى أن توفي سنة 1370 هـ. و من شرفاء هذه الأسرة كذلك سيدي عبد القادر، الذي ولد سنة 1260 هـ/توفي سنة 1310 هـ، فقد كان يحظى بمكانة عظيمة بين أصحابه نظرا لتضلعه في المعاريف و العلوم الشرعية. لقد خلف شيخه الحاج مبارك بن علي الطيبي الجعفري، الذي بنى له زاوية بمنطقة تافوكت (الكلالشة) بنواحي تارودانت. و بالمناسبة فقد كانت له علاقة وطيدة متبادلة بينه و بين الفقيه سيدي الحاج محمد بن الطاهر، و تتمثل في تبادل المعارف و الدليل على ذلك الرسالة التي أرسلها الحاج مبارك إلى هذا الأخير، و التي تضم مجموعة من النصائح الدينية خاصة دعوته بالرجوع إلى الطريقة الدرقاوية (أنظر الوثيقة رقم

و في الأخير نجد كل من سيدي محمد الكتاني بن سيدي عبد الغني و الذي درس و تكون في المدرسة البعاريرية فن القراءات، خاصة برواية ورش و المكي و قالون، إلى جانب مجموعة من المعراف حتى أصبح فقيها بمسجدها و مشرفا على المدرسة. كما نجد سيدي إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن الحاج، الذي ولد سنة 1325 هـ/1912م، و هو آخر رجالات هذه الأسرة الذين أشرفوا على المدرسة العتيقة من شرفاء الزاوية، فهو ينتسب إلى عائلة شريفة من أولاد بني السباع [10]. درس بالمدرسة البعاريرة و فيها حفظ القرآن الكريم برواية المكي، تابع دراسته بمدينة الدار البيضاء، ثم عمل كاتبا عند القائد بوشعيب الذي ولته السلطات الفرنسية ممثلا لها بمنطقة هوارة، في عهد الحماية الفرنسية على المغرب، بعدها شارط في عدة مساجد، و في سنة 1389 هـ/1956م، عاد إلى دوار البعارير للمشارطة في المسجد و الإشراف على المدرسة العتيقة، و التي تضم آنذاك حوالي عشرين طالبا قرآنيا. تخلف عن مهمته سنة 1984م إذ لم يعد باستطاعته القيام بعمله أحسن قيام نظرا لتقدمه في السن. توفي سنة 1993م و دفن بمقبرة البعارير.
1-5- أهم أساتذة الزاوية من غير أبنائها
تعاقب على المدرسة أبناؤها الشرفاء منذ تأسيسها من طرف سيدي الطاهر بن الحاج جد البعاريرين. فقاموا بها أحسن قيام، حيث شهدت فترة إشرافهم قمة الإزدهار العلمي. لكن بمرور السنوات عرفت تراجعا لأن أبنائهم تخلوا عن منهاج أسلافهم، و لم يحافظوا عليه، فعرفت الزاوية مشارطة السيد إبراهيم البوزيادي، ولد سنة 1955م بدوار أفراض قيادة آيت داود عمالة الصويرة. بدأ دراسته بمسجد تدلي حيث تعلم القراءة و الكتابة و حفظ القرآن الكريم برواية “قالون” و تفسير ابن كثير، ثم غادرها سنة 1975م، متوجها إلى مدرسة بن همود قرب سيدي بيبي، التي قضى بها عاما كاملا. درس خلاله القرآن الكريم برواية “المكي” و “ورش”، على يد الحاج إبراهيم أنمري. ثم انتقل إلى سيدي بورج الواقعة بمنطقة اشتوكة آيت باها لأخذ العلوم الشرعية و اللغوية و الأدبية على يد الفقيه أتزروالت. و استمرت دراسته هناك إلى غاية 1985م. و في هذه السنة إنتقل غلى المدرسة البعاريرية قصد الشرط فيها، و يشمل تدريسه تحفيظ القرآن الكريم بالروايات الثلاث السالفة الذكر، بالإضافة إلى بعض المتون كمتن الأجرومية في النحو، و متن الزواوي في الجمل و لامية الأفعال في التصريف و ألفية ابن مالك.
زيادة على التدريس يشرف السيد إبراهيم بكريم على الصلاة بالناس بالمقصورة، أما بخصوص الإبداع فليس له أي إبداع أدبي أو شعري. و نشير إلى أنه مازال مشرفا على المدرسة إلى الوقت الحالي أحسن إشراف، رغم قلة الموارد المالية للمدرسة. و الشيء الذي يساعده على ذلك هو تواضعه الكثير و القناعة بالقليل.
مدونة الثرات اكادير.
تارودانت نيوز.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى