مقالات

منهج المراجعة في فقه الأسرة


الأحد20/07/2014

احتلت قضية المراجعات في تراثنا الإسلامي أهمية كبيرة ، لأن من لا يراجع تراثه بنفسه ، ومن منطلق الالتزام به ، سوف يراجعه له خصومه ، وقد تزيف قضاياه ، وتخرج عن جادة الصواب موضوعاته ، وأهدافها ، لذا يجب العمل على إرساء مبادئ هذا العلم وقواعده ، ليأخذ شكله العلمي الدقيق المتميز وتتيسر دراسته ، والمهارة فيه، وقد شاع بين أهل الاجتهاد والفتوى ألا يفتي العالم باجتهاده أحدا ، إلا إذا وثق من الوصول إليه لتصحيح فتواه قبل العمل بها ، إذا اكتشف خطأ ، ولدينا تراث كبير في رجوع العلماء عن أقوالهم بل هي مناهج للمراجعات . ولكي ننطلق في علم المراجعات انطلاقة سليمة لابد أن يكون ذلك بمنهج علمي أساسه المنهجية المعرفية القرآنية بجميع تفاصيلها. لهذا اخترت ان أتحدت في موضوع :” منهج المراجعة في فقه الأسرة “. منطلقة مما انطلق منه فقهاؤنا الأجلاء في تحديدهم لمصطلح الزواج على اعتبار أنه بداية نشوء الأسرة ، وهو اللبنة الأولى لعلاقة الرجل بالمرأة ، هذه العلاقة ، الآية من آيات الخالق الكونية ، كما جاء في قوله تعالى : ” ومن آياته أن خلق لكـم من أنفسكم أزواجـا لتسكنوا إليها ، وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون “1. فالأسرة في المنظور الإسلامي، هي أساس البنيان الاجتماعي ، لذا فقد احتلت أحكامها ، وتنظيم علاقاتها ، مساحة واسعة في الشريعة الإسلامية . (1 سورة الروم الآية 21)

وارتبطت تلك الأحكام بمقاصد أساسية شرعت لأجلها ، لتبقى تلك الأحكام مرتبطة بمقاصدها التي وضعت على أساسها ، وجاء ذكر العديد من هذه المقاصد المتعلقة بالأسرة صريحا بينا في معظم النصوص . التي اهتم القرآن الكريم بإيراد تفاصيلها بدقة ووضوح.
فقد حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على الزواج ، وعلله بما يترتب عليه من المصالح الدينية والدنيوية ، ومن ذلك مارواه البخاري: قال عبد الله بن مسعود : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم شبابا لا نجد شيئا ، فقال لنا رسول الله صلة الله عليه وسلم : يا معشر الشباب من استطاع الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر ، واحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء”1
وقال في موضع آخر مشجعا : وفي بضع أحدكم صدقة، قالو: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ، ويكون له فيها أجرا ؟ قال : أرأيتم لو وضعها في حرام ، أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال ، كان له أجرا “2
فأخرج بذلك الزواج من إطار اللذة الهمجية إلى بناء المؤسسة القائمة على تحقيق عبادة الله ، وأبطل كل علاقة مخالفة للزواج الشرعي.
كذلك تمثل الأسرة في الإسلام الوحدة الصغرى في المجتمع ، فهي وحدة المعمار الكوني ، وبناء أساسي في المجتمع ، فهي فطرة كونية وسنة اجتماعية يؤدي الإعراض عن الإلتزام بأحكامها الشرعية وآدابها الخلقية إلى انفراط عقد المجتمع وانهياره تحكمها قيم التقوى والعفو والفضل، والكثير من القيم الإنسانية التي أكد عليها القرآن الكريم.
فالزواج أغلظ المواثيق وأكرمها على الله ، فهو عقد متعلق بذات الإنسان ونسبه ، وشرطه رضا المتعاقدين شأنه شأن العقود الصحيحة ، لكنه يسمو عليها جميعا بما أفرغه الله من صبغة الميثاق
الغليظ عليه ، كما في قوله تعالى : وأخذن منكم ميثاقا غليظا “3 . ولهذا التعبير قيمته وقوته في
منهج المراجعة في فقه الأسرة
الإيحاء بموجبات المودة والرحمة ، التي ترافق هذا العقد المكون للأسرة الى انتهائه بالموت أو الانفصال، وتبين أهميته عند الله عز وجل ، فهو نعمة من بها على عباده.
ومن تكريم الله تعالى لهذا العقد أن كلمة ميثاق لم ترد في القرآن الكريم الا تعبيرا عن المعاهدة بين الله وعباده كما جاء في قوله جل شأنه :” وإذا أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله ” 1
وقوله كذلك :” وأخذنا منهم ميثاقا غليظا 2وقوله أيضا : ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق”3 .
وقوله جل شأنه :” وأذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به”4 في موجبات التوحيد، وهذا يبين مقدار سمو هذا العقد ، فإذا علم أن وصف الميثاق الغليظ لم يرد في موضع من مواضعه إلا في عقد الزواج ، وفيما أخذه الله على أنبيائه من مواثيق : لتضاعف لدينا اليقين بسمو المكانة التي رفع الله عز وجل إليها هذه الرابطة السامية. ويقول جل شانه ” وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقرة ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون ” 5 .
فنعمة الزواج أن من الله عز وجل في كتابه الكريم أن خلقنا من نفس واحدة وجعل تكاثر الإنسان من إفضاء الرجال إلى النساء ، لذلك أمرنا التشريع الحكيم بمراعاة هذه الوحدة في الأصل عند تعامل الرجال والنساء في قول الله تعالى:” يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ، وخلق منها زوجها وبث منها رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذين تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا. (1 صحيح البخاري كتاب النكاح حديث رقم 4678). (2 صحيح مسلم كتاب الزكاة حديث رقم 1674)

إن نظام الأسرة في الإسلام نظام بالغ الروعة والإحكام ، إنه جزء من النظرة الإسلامية الشاملة للحياة ، فقد حث الإسلام على تكوين الأسرة ، ودعا الناس أن يعيشوا في ظلالها ، لأن في فطرة الإنسان، الحاجة إلى الأسرة ، وفي طبيعة الحياة أنها لا تواجه بالجهد المفرد بل تحتاج إلى التعاون على حمل الأعباء ، ومواجهة المصاعب مما لا يفي به إلا الأسرة .
تلك فطرة الحياة ، والإنسان مطالب بالنهج على هداها امتثالا لقول الحق :” فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ” 1.
ففي دعوة الإسلام إلى حياة الأسرة وترغيبه في إقامتها تبرز وظائفها الجليلة ، وتظهر ثمرات ذات أثر فعال في حياة الفرد والمجتمع ، إذ هي نعمة من نعم الله وآية من آياته . إن المودة والرحمة والسكن ، وهذه المشاعر التي تنمو في جو الأسرة ، لا تستغني عنها النفس ، مما يجعل الأسرة نعمة ورحمة ، وهي فضل من الله كالطيبات من الماء والغذاء بقول تعالى :” والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا ، وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات ” 2
ان منهج المراجعة المنشود لفقه الأسرة كباقي العلوم الشرعية عامة والفقه الإسلامي خاصة ، يجب أن يتأسس على منهج علمي رصين أولى قواعده ، فهم النسق القرآني الذي عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على إرساء دعائمه ، يقول الدكتور طه جابر العلواني : يراد بالنسق القرآني تلك المنظومة المترابطة المحكمة التي تمثل إطارا يرجع إليه ، وينطلق منه في بناء الأفكار الإسلامية على تنوعها ، ومراجعتها وتقويمها واختبار نتائجها 3.
كذلك تقوم المراجعة على ضوء مكونات ومقومات العصر النبوي باعتباره عصر التلقي والتطبيق، بمنهج يقوده الوحي ، ويسدد حركته في الحياة بالتوجيه الإلهي الذي شكل السيرة والسنة النبوية.(1سورة النساء الآية 11) (2سورة البقرة الآية 83)(3 سورة الاعراف الآية 169)(4 سورة المائدة الآية 75) (5 سورة الانعام الآية 98)

أنني أحسب والله اعلم أن إخراج الأسرة من أزماتها وضبط أحكامها التشريعية الإسلامية الحقة يقتضي مراجعة شاملة ذات منطلقات منهجية معرفية لتراثنا كله، وقد يتطلب هذا تجنيد مئات الباحثين وعقد العديد من اللقاءات والندوات لدراسة وتحليل ومراجعة فقه الأسرة بالعودة إلى مرجعية الوحي المقروء المتعبد بتلاوته ، والنبوة الخاتمة.
ولملامسة هذا الموضوع أرى من المناسب أن أقوم بدراسة تفكيكية لمنطوق عنوانه ، وذلك لتحديد أبعاد ألفاظه ومصطلحاته ، وما تختزنه من إشكاليات لغوية وفقهية علها تكون مدخلا للمراجعة المنشودة .
أولا : كلمة المنهج :
1- المنهج في اللغة :
مأخوذ من مادة نهج ، والنهج : الطريق، ونهج لي الأمر أوضحه ، وفلان نهج سبيل فلان : سلك مسلكه ، والجمع : نهج / ومناهج1 ، وعلى هذا ، فالمنهج في اللغة يعني : الطريق الواضح ، أو الخطة المرسومة للسير عليها.
والمنهج في الاستعمال القرآني والسنة النبوية الشريفة :
وردت الإشارة إلى لفظ المنهج في موضع واحد عند حديث القـرآن عن الكتب السابقة يقـول تعالى:” لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا2 قال ابن عباس شرعة ومنهاجا سبيلا وسنة ، فالمنهاج السبيل أي الطريق الواضح .
المنهج في بعض استعمالات السنة النبوية: جاء بمعنى ” الواضح” الذي ينبغي السير عليه يقول صلى الله عليه وسلم :” تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة “3.
منهج المراجعة في فقه الاسرة :

أي يسلك الخلفاء مسالك النبي وينهجون نهجه ، ويسيرون على طريقته .
المنهج في الاصطلاح العلمي :
هو الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم بواسطة طائفة من القواعد العامة ، تهيمن على سير العقل ، وتحدد عملياته الفكرية حتى يصل إلى نتيجة معلومة .
وعرف كذلك بأنه : فن التنظيم الصحيح لسلسلة من الأفكار العديدة إما من أجل الكشف عن الحقيقة حين نكون بها جاهلين ، أو البرهنة عليها للآخرين حين نكون بها عارفين 1.
فالمنهج المقصود هنا هو المنهج التأملي الذي يسير فيه العقل سيرا مقصودا وفق خطوات معينة وقواعد معلومة ومحددة سلفا .
فالمنهج التأملي هو الموسوم بعلم المناهج ولم تعرف كلمة المنهج بمعناها الاصطلاحي في أوربا إلا مع عصر النهضة الحديثة ، وذلك حين صاغ ” باكون2″ قواعد المنهج التجريبي في كتابه :
” الأورغانون الجديد ” واكتشف ديكارت ” قواعد المنهج الاستنباطي وأعلن ذلك في كتابه :” مقال عن المنهج ” ، وعلى ذلك يكون القرن السادس عشر الميلادي هو القرن الذي شهد ميلاد المنهج العلمي في أوربا بمعناه الاصطلاحي المعروف 3.
وقد عرف المسلمون هذا المنهج مع نزول القرآن الكريم ، وكان لتوجيهات القرآن وحثه على النظر والتأمل ، ودعوته إلى البرهان والدليل ، ومحاورته لأهل الكتاب وعبدة الأوثان وأمره بالتعرف على العلل والأسباب ، أقول كان لهذه التوجيهات أثرها فيما استفاده المسلمون وصاغوا منه بعد ذلك قواعد المنهج العلمي . المنظم في جميع المجالات ، وما كان منها في مجال التوثيق للأخبار والمرويات ، وما كان منها في مجال القضايا والأحكام ، وما كان في مجال علوم الكون والإنسان ،

وسنة الله في الأنفس والآفاق ، وكان للهم فضل السبق والزيادة في تأسيس المناهج العلمية في البحث، وفي تطبيقاتها المعرفية المختلفة مع التناسب بين المنهج والمجال المعرفي الذي يخوضون فيه .
وترجع أهمية المنهج إلى كونه الطريق المأمون في الوصول إلى العلم الصحيح ، والإسلام له عنايته الخاصة بطلب العلم ، فاثني على العلماء وذم الجهل والجاهلين ، كما طالب بالتثبت والتحقق في طلب العلم وطالب بإقامة الدليل والبرهان على أية دعوى يدعيها الإنسان لذلك كانت عناية الإسلام بالمناهج كبيرة لأنها وسيلة التثبت والتحقق في طلب العلم ، وبدون المنهج السليم في البحث يشرد الذهن وتتحكم فيه الأهواء ويضل الطريق ، ولا يعد الإنسان عالما ما لم يسلك منهجا علميا يحقق به معلوماته وموضوعاته، ولايكفي أن يكون لدى الإنسان عقل سليم ، يعرف كيف يستخدمه استخداما سليما . فقد أمر الله عز وجل في كتابه الكريم العقول بالاعتبار كما جاء في قوله تعالى : ” فاعتبروا يا أولي الأبصار “1
إذن لابد من معرفة المناهج وضوابطها الشرعية حتى نبني الفكر السليم والقويم ، ولابد من دراسة المنهجية العلمية في الفكر الإسلامي لأنها هي الكاشفة عن الطرق التي يسلكها العقل في بحثه عن الحقيقة.
2- أما كلمة المراجعة فهي في اللغة :
المراجعة في اللغة : على وزن معاودة لفظا ومعنى ، يقال راجع الرجل أمره ، إذا عاود النظر فيه أو رده وتحلى عنه وتركه ومنه ارتجع المرأة وراجعها مراجعة أي رجعها إلى نفسه بعد الطلاق2.
والمقصود بفقه المراجعة هو : الفقه الباعث على التوبة لأنه يبصر بعيب النفس ، وقد يحمل على محاسبتها ، ومن ثم تصحيح مسارها ، وتقويم اعوجاجها ، وتزكيتها بالصالحات الطيبات3 .(1 سورة الروم الآية 30) (2سورة النحل الآية 72)

والأصل فيه ما نقل عن ابن مسعود أن أعرابيا جاء يستفتيه فأفتاه باجتهاده ثم اكتشف بعد ذهاب الأعرابي خطأه، فأصر على أن يبحث عن الأعرابي ليصحح له فتواه .
وقد أكد الدكتور طه جابر العلواني على أهمية المراجعات : حين قال في كتابه نحو التجديد والاجتهاد :”إن المراجعات تستحق التأييد والتشجيع على أن تكون مراجعات شاملة للأصول والفروع والمنهج، بحيث يترتب عليها تصحيح مناهج النظر في الأصول والقواعد والمنطلقات التي انطلق منها هؤلاء ، وأسسوا عليها ذلك الفقه المرجوع عنه ، وألا يقتصروا على القيام بانتقاء فتاوي أخف ، بعد ان أخذوا بالأثقل والأشد قبلها1 .
3- أما مصطلح الفقه في اللغة :
الفقه في اللغة : مداره في لغة العرب على الفهم .
قال موسى عليه السلام في دعائه لربه ” واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي “. أي يفهموه2
وقال تعالى : قالوا ياشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول ” 3
والفقه في لغة العرب كذلك: العلم ، يقول الفيروزبادي في كتاب البحر المحيط : الفقه بالكسر العلم بالشيء والفهم له .
ولا فرق عند العرب في كون المعنى المراد فهمه واضحا أو خفيا فكله يدخل في دائرة الفقه وقد خالف في هذا ابو اسحاق المروزي فذهب إلى أن الفقه فهم الأمور الخفية دون الواضحة الجلية4
ويرد عليه : أن أئمة اللغة نقلوا عن العرب أن الفقه مطلق الفهم ، فهو يتناول فهم الأمور الواضحة والخفية ، ويؤكد هذا أن القرآن الكريم استعمل الكلمة في مجرد الفهم ، قال تعالى في شأن الكفار : “فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا “1
ووصف القرآن القوم الذين وجدهم ذو القرنين بأنهم :” لايكادون يفقهون قولا “2
أما الفقه في الاصطلاح :
عرفه الآمدي : العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية وقد عزا الآمدي هذا التعريف إلى الشافعي . كذلك عرف الفقه في الاصطلاح الشرعي بأنه: الفقه بأحكام الملة وتشريعاتها كلها فهو بهذا المعنى الدين كله. أي ما عناه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال جبريل له عن الإسلام والإيمان والإحسان بقوله : هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم 3 .
فالعلم أو الفقه وحده لا يعتبر في الاصطلاح الشرعي تدينا ، وهذه المعاني يوضحها قول النبي صلهم ” من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ” فتفقه المرء في دينه لا يحصل بمجرد العلم بأحكامه.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : فرب حامل فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه وشتان بين فقيه وفقيه.
وقد كان علماء الصدر الأول عندما يطلقون اسم الفقه ينصرف عرفهم إلى علم الدين دون غيره من العلوم ، وكان علم الدين في ذلك الوقت يتمثل في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : نضر الله أمرا سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو افقه منه ، ورب حامل فقه ليس بفقيه4
وبالتأمل في هذا الحديث يدلنا أن الفقيه هو صاحب البصيرة في دينه الذي خلص إلى معاني النصوص ، واستطاع أن يخلص الى الأحكام والعبر والفوائد ـ يدلنا على هذا قوله صلى الله عليه وسلم رب حامل فقه الى من هو افقه منه ـ ورب حامل فقه ليس بفقيه ، فمراده بقوله : افقه منه ” أي
منهج المراجعة في فقه الاسرة :
أقدر منه على التعرف على مراد الله وأحكامه وتشريعاته ، وقوله ليس بفقيه أي ليس عنده القدرة على استخلاص الأحكام والعلم الذي تضمنته النصوص.
4- الأسرة :
أما تعريف الأسرة في اللغة العربية فهي الإمساك والقوة 1 والخلق يقول تعالى ” نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا ” 2
والأسرة هي الدرع الحصينة التي تحمي صاحبها يقول : سعد بن مالك بن طبيعة جد طرفة بن العبد:
والأسرة الحصـــداء والـ بيــــض المكتمل والرماح
فمن هنا كانت أسرة الرجل عشيرته ورهطه الأدنون الذين يتقوى بهم فالأسرة هي عشيرة الرجل وأهل بيته وهي الدرع الحصينة التي يحتمي بها .
فالإنسان لا يكون قويا عزيزا وفي منعة إلا إذا كان في أسرة تحصنه وتمنعه ، وهو ما توضحه دلالة اللغة وتؤكد مقاصد التشريع .
على أن الأسرة التي ينشدها التشريع الإسلامي هي الأسرة التي تكون نواة المجتمع الطيب الذي يقوم على أسس قوية من الكتاب والسنة ويؤسس على التوادد والتراحم وإخلاص النوايا وغرس القيم الدينية وآداب التربية الشرعية التي نص عليها الكتاب وبينتها السنة.
ومادام بناء الآسرة لايتم إلا باقتران رجل بامرأة فقد بين لنا التنزيل الحكيم أن فطرة الخلق والتكوين قضت أن يكون عمار الكون عن طريق ذكر وأنثى ، فخلق الله عز وجل آدم وخلق حواء ليصير كل منهما بالآخر زوجا، لا فرق بين زوج وزوج في الخلق، لان كل منهما يعطي الآخر بقدر ما يأخذ منه ، وليس معنى كونهما ذكر وأنثى ألا يكونا متساويين ، وبهذا يعلمنا القرآن الكريم أنهما متساويان في القدر وإن كان من وجه آخر غير متماثلين ، وغير متطابقين لان حكمة الله عز وجل قضت بذلك.
إذا ما علاقة منهج المراجعة بفقه الآسرة؟
الزواج هو دعامة الآسرة وركيزتها وهو الطريق لبنائها .
فالزواج الذي يقصد به لغة : اقتران احد الشيئين بالآخر وارتباطهما بعد أن كان كل منهما منفصلا عن الآخر، يقال زوج الشيء بالشيء أي قرنه به ومن ذلك قوله تعالى:”وزوجناهم بحور عين”1 أي قرناهم بهن.
والزواج: في الاصطلاح الشرعي عرفه الفقهاء بتعريفات متقاربة تدور كلها حول الغرض المبدئي منه ، وهو حل استمتاع الرجل بالمرأة فعرف بأنه : عقد وضع لتمليك المتعة بالأنثى قصدا.
وعرف بأنه عقد يفيد حلية استمتاع الرجل بالمرأة لم يمنع نكاحها مانع شرعي قصدا وعرف في كتب المالكية : عقد على مجرد التلذذ بآدمية غير موجب قيمتها ببينة قبله ، غير عالم عاقده حرمتها إن حرمها الكتاب على المشهور أو الإجماع على الآخر3 .
وعرف كذلك بأنه عقد على البضع بعوض .
وقد ورد ذكر الزواج في القرآن الكريم في العديد من الآيات الكريمة واعتبر آية من الآيات الكونية وهو يستعرض جملة من الظواهر والمظاهر الكونية كما جاء في قوله تعالى ” ومن آياته أن خلقكم من تراب تم إذا انتم بشر تنتشرون . ومن آياته ان خلق لكم من انفسكم ازواج لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون. ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين. ومن اياته منامكم بالليل والنهار وابتغائكم من فضله عن في ذلك لآيات لقوم يسمعون. ومن اياته يريدكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي بها الارض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون . ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بامره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا انتم تخرجون ولهم من في السماوات والأرض كل له قانتون” 1
لقد جعل الله الزواج آية عظيمة من آياته الكونية ووجه دعوته للتأمل ” لقوم يتفكرون” فهو تنبيه لاستحضار هذا الإعجاز القرآني وهذه القدرة الربانية في جعل المودة والرحمة بين الأزواج اللذين
يكونان منفصلين غريبين ثم يقرنان مع بعضهما وهما مخلوقين من نفس واحدة وهذه آية أخرى كما جاء في قوله تعالى : “هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليكن إليها “
وقال كذلك ” خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها “3
فالعلماء يحاولون جاهدين تتبع الإعجاز العلمي الوارد في القرآن الكريم مبرهنين على عظمة الخالق في البحار والأنهار والسموات وتكوين الإنسان والليل والنهار وغيرها من الآيات الكونية ، لكن قد لا نتدبر جيدا المعجزة في تكوين الأسرة ، فاين هذه الآية مما حدده العلماء لي لفظ الزواج على اعتبار أنه عقد على البضع بعوض وانبنت عنه جملة من الأحكام . يجب ان نوظف المنهج السليم الى العلم الصحيح حتى لا نضل الطريق بمراجعة اطلاقات واصطلاحات الفقهاء في أول مراحل بناء الآسرة المسلمة حتى يكون هناك تلائم بين المنهج والموضوع .
فالمطلوب منهج لمراجعة هذه الأقوال التي بنيت عليها احكام فقهية متعلقة بحقوق الزوجين وحدود علاقتهما مع بعض من الناحية الشرعية لايمكن لعلاقة ذكرت في القرآن الكريم على أنها آية من آيات الخالق أن نقصد من إنشائها المتعة قصدا ، هي نفس العلاقة التي يأمرنا عز وجل في حال استحالة الوفاق ، وعدم الإمساك بالمعروف ان تنتهي بتسريح بإحسان.
خــــاتمـــــــــة.
++++++++++ إذن عود على بدء أي منهج مراجعة لأي فقه الأسرة ؟
إن مراجعة هذا الباب من الفقه يجب أن يكون أساسه القرآن الكريم باعتباره المصدر المنشيء للعقيدة والشريعة لأن للقرآن الكريم مقاصده وخصائص فهمه وفقهه وسننه في بناء العلاقات المتنوعة فإلى أي حد اعتمد فقه الأسرة في بنائه وتكوين مسائله وأحكامه على القرآن الكريم ؟
إن المراجعات تستحق التأييد والتشجيع على أن تكون مراجعات شاملة للأصول والفروع والمنهج ، بحيث يترتب عليها تصحيح مناهج النظر في الأصول والقواعد والمنطلقات التي انطلق منها العلماء وأسسوا عليها ذلك الفقه المرجوع عنه.
إن بناء ثقافة ومنهج المراجعة يجب أن يتكفل به علماء في جميع مجالات العلوم النقلية والعلوم الاجتماعية وغيرها من العلوم مقتبسين من نور القرآن وهديه ، ونور السنة والسيرة النبوية الشريفة ومنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين والتدين لتستقيم الحياة.
ذة : للاغيثة غزالي
استاذة الفقه الاسلامي بجامعة الحسن الثاني
– كلية الآداب – المحمدية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى