أخبار محليةالأخبار

فسحة رمضانية رودانتية: الحلقة(25) من أعلام تارودانت مع الجزء الثاني والأخير لترجمة المرحوم القاضي إسماعيل بن محمد هرماس الروداني (ج٢)

الخميس26 رمضان1435ه /24/07/2014
…..
تكالبت الأقدار المفتعلة في المسار الإداري للقاضي اسماعيل ، فاضطر أواخر ربيع نفس السنة 1962، تجشم عناء السفر الى الرباط كمسلك ادري وسياسي وطرق جميع الأبواب ذات الصلة بالموضوع بحثا عن الحل ـ أو بالأحرى الحق ـ فاتضح له مند البداية أن المسؤولين المركزيين انما يماطلونه الى حين صدور ظهير الإعفاء ، فلم يجد بدا لربح الوقت الميت سوى طرق آخر الأبواب ، باب مكتب يحمل رقم 3 بشارع علال بن عبد الله بالرباط حيث يعمل محام من العيار الثقيل هو الآخر، ومناضل شرس ، ومقاوم فد، اسمه عبد الرحيم بوعبيد ( وعبد العلي بالحاج) الذي تقدم نيابة عن موكله القاضي اسماعيل هرماس ، بمقال أمام الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى للقضاء بالرباط يطعن في قرار وزير العدل و يعيب عليه الشطط في استعمال السلطة ، حيث يقضي بتوقيف المعني والتشطيب عليه….

بموازاة هذا المسلك توجه اسماعبل هرماس بتاريخ 8 ماي 1962 عبر رسالة مفصلة طلبا للانصاف موجهة الى صاحب الجلالة الحسن الثاني مبرزا فيها حيثيات القضية وملابساتها التي لا تستند على أساس واقعي ولا بحث موضوعي، الرسالة بعثت بالبريد المضمون تحت عدد 5927 بتاريخ 11 ماي 1962.

لا غرابة أن يكون القاضي المقاوم إسماعيل هرماس الروداني أول قربان مبدأ استقلالية القضاء ، لكن الأغرب ان تصادف سنة تعيينه 1956 سنة ميلاد القاضي الروداني مولاي حسون جعفر آخر قرابين نفس المبدأ المناضَل من أجله مند نصف قرن وزيادة . هل هو مكر الأقدار أم هما رجال المبادئ الذين يضحون بمناصبهم المرموقة اجتماعيا في سبيل قناعتهم وارضاء لضمائرهم ، خلاف رجال الأفكار الذين يتغيرون بتغير الإيديولوجيات ورجال الأشخاص الذين يتقلبون بتغيير أولي النعمة في مناصب القرار ؟؟؟

خريف نفس السنة 1962، على المستوى السياسي هذه المرة ، إلتأم أعضاء المجلس الوطني لحزب الإستقلال بسوس ، في إجتماع بضغط من أعضاء الحزب الملتزمين والمتعاطفين بتارودانت ونواحيها لمناقشة وتقييم ما آلت إليه وضعية أفراد الحزب بالقطر الجنوبي ، خصوصا بعض أطره المعدودين الذين يعتبرون أطرا حزبية مثقفة ويعول عليها في القيادة وتبني مبادئ الاصلاح ( جل المنخرطين أصحاب حرف ) بعد الصدمات واللطمات الواحدة تلو الأخرى لربما تكون الأخيرة التي يتلقونها من أعضاء الحزب بالرباط بين الفينة والأخرى ، و خرجوا بتقرير مفصل في ثلاث نسخ رفع الى كل من رئيس الحزب بالرباط واللجنة التنفيذية به ومفتشية الحزب لإقليم كادير وطرفاية – التسمية الإدارية القديمة – . طال أمد الانتظار، بقي التقرير بدون جواب، فكان الحل هذه المرة ليس طرق الأبواب ، بل دق آخر مسمار في النعش لتبرئة الذمة و إراحة الضمير ، فكان قرار تقديم إستقالة جماعية لأعضاء المكتب السياسي المحلي لحزب الإستقلال بتارودانت مؤرخة في 2 نونبر 1962 ، ومما جاء في مضمونها ” … وإنه لمن المؤسف أن نرغم أخيرا على اتخاد موقف عجزت السلطات الفرنسية وهي في أوج عزتها فرضه علينا ، فانقدنا اليه آخر الأمر طوعا واختيارا … بعد عشرين سنة قضيناها جميعا داخل صفوف حزب الإستقلال تحدونا الرغبة الصادقة في الإصلاح …”

للتذكير والأمانة التاريخية ، كان القاضي المرحوم اسماعيل هرماس يحضر خارج أوقات العمل الى المحكمة وهي بناية يعود تاريخها الى فترة الحماية الفرنسية توجد بحومة القصبة شيدتها سلطات الاحتلال قبالة تكنة تجردة اللفيف الأجنبي – كانت تسمى تداولا قشلة لاليجو- la légion estrangère، شيدت المحكمة بحجر الصلصال الأصفر، بسواعد وأكتاف المعتقلين من المقاومين الوطنيين المغاربة ، يحضر القاضي يوم الأحد ليس للاشتغال على الملفات ودراستها، بل للقيام بأشغال البستنة ، وقد كان بإمكانه إعطاء الأوامر لمن يقوم بذلك وهم كثر، أسهلهم تنفيذا المعتقلين أو المساجين المتواجدين بالسجن أمتار معدودة عن مقر المحكمة بحومة القصبة ؛ لكن إباءته الأخلاقية ومروءته الوطنية ضمير القضاء بالعدل يأبوا عليه بعضا من كل ذلك وهو المقاوم المخلص المعتقل سابقا بسبب أفكاره الوطنية بنفس السجن ، يأبى إلا أن يقوم شخصيا بغرس شتائل الورد جوار مكتب عمله وأشجار البرتقال بمدخل المحكمة يضعها في الأرض ويسقيها بيديه النظيفتين ، بقيت اشجار البرتقال شاهدة للتاريخ بمدخل المحكمة الابتدائية بحومة القصبة بتارودانت الى حدود سنة 2000 وثم اجتثاثها ، حيث عرف مقر المحكمة المذكور إصلاحات هيكلية خصصت بمقتضاها لقضاء الأسرة.

في إطار مسعى البحث عن مجال للعمل على تكريس المبادئ الوطنية والقناعات الشخصية التي تربى عليها وتشبع بها قدم بتاريخ 7 يونيو 1963 لرئيس اللجنة الادارية بتارودانت طلب الترشيح للانتخابات الجماعية الأولى في تاريخ المغرب المستقل، المزمع تنظيمها وتسلم وصل الايداع بتاريخ 26/6/1963 بصفته محايد غير منتمي / اللون الأزرق مرشح عن الدائرة الانتخابية 20 وهي حومة أكافي مقر السكنى، كان رئيس اللجنة الانتخابية هو المرحوم الوطني المقاوم مولاي عبد الحفيظ الوثير. يشار أنه في فترة الحماية كانت بتارودانت مجالس محلية تشرف عليها سلطات الاحتلال، كان المجلس في تارودانت يتكون من تسعة أعضاء 6 فرنسيين ينتخبون و 2 مغاربة يتم تعيينهم وليس انتخابهم وممثل الطائفة اليهودية يدعى الشيخ مسعود.

بعد القضاء التحق المرحوم اسماعيل بالتعليم في 1/10/1963 كانت الوزارة المشرفة عليه وقتئذ تسمى وزارة التهذيب الوطني والشباب حيث عين بصفته معلم اللغة العربية بثانوية ابن سليمان الروداني وهو من الأطر الوطنية المغربية الأوائل المعدودين آنذاك على رؤوس الأصابع الذين عملوا بالثانوية مع الأجانب الفرنسيين ، ولم يلبث أن غادره لأسباب لا تقل عن ما سبق ذكره، منها التدبدب الذي حصل على مستوى التطبيق لمطالب الحركة الوطنية في مجال إصلاح التعليم ضمنها قضية التعريب التي كانت الكثلة الوطنية ترفعها شعارا، ثم تبناها المجلس الإستشاري المعين أعضائه بظهير من قبل السلطان محمد بن يوسف (1956/1959)، هذا المجلس الذي يعتبر محمد هرماس شقيق المرحوم اسماعيل أحد أعضائه، بل التخلي الكلي أو التراجع النسبي عن مبادئ السياسة العامة التي كانت كتلة الحركة الوطنية تطالب بها، منها مراجعة المناهج بما يجعلها تنسجم مع الأولويات المغربية والروح الوطنية التي ما فتئت تطالب بها سابقا كتلة العمل الوطني ضمنها اصلاح التعليم وربطه بالتكوين التقني المهني و الزراعي. ولهذا السبب بعد عقد ندوة المعمورة من 13 الى 30 أبريل 1964، وهي ثاني ندوة وطنية لاصلاح التعليم بالمغرب ليصل عدد المبادرات مع عشرية التربية والتكوين الأخيرة الى ثمانية دون نتيجة ملموسة، ندوة المعمورة حضرها 300 مشارك يمثلون كل الجهات المغربية، انتدب اسماعيل هرماس لحضور أشغالها ضمن لجنة وفد اقليم اكادير وطرفاية ،حيث تقدم الوفد بمطلب تخصيص اعتماد مالي لبناء مدارس جديدة خاصة مع ولوج الفتاة المغربية مقاعد الدراسة أو على الاقل توسعة تلك الموجودة ببناء أقسام جديدة استجابة للطلب المتزايد على التمدرس، فكان جواب مدير التعليم ……… “انتم بسوس محظوظون تتوفرون على مدرستين كبيرتين – يقصد معهد محمد الخامس1958 وثانوية ابن سليمان الروداني1921 – والوزارة ليس عندها اعتمادات”.

في هذه المرحلة لوحظ أن اثقان اللسان الفرنسي يعتبر الجواز السحري نحو المناصب العليا الشيء الذي أدى بالمعربين الى الخيبة حيث أغلقت السبل أمامهم وتبخرت فرص التسلق الإجتماعي التي حظي بها نظرائهم من المثقفين بالفرنسية ، فالمناصب المهمة يحظى بها أصحاب الشهادات العصرية، ليبقى المعربون على الهامش ومكمن الخطأ هنا هو تحميل الازدواج اللغوي كل الآثام بينما مصدر الداء هو الازدواج الثقافي ، ليستمر التعليم بالمغرب على يد الأطر الأجنبية وما يشكلونه من رمزية فرنسية.

يشار أن في هذه السنة 1963 مر المغرب بلحظات سياسية عصيبة لم تكن لتمر دون التأثير على التعليم ورجاله باعتبارهم بوصلة توجيه ومنارة اتجاه، خاصة الصدى الذي خلفه تأسيس معهد اسلامي على يد مجموعة من السوسيين بتزكية من المجاهد الوطني والتربوي محمد بن يوسف وتموينه بجمع الأعشار واستقطابه للمتمدرسين الجدد بأفواج سنة بعد أخرى ، الى أن قيل للجمعية صاحبة المشروع والمشرفة عليه سنة 1963 كفى !!! من طرف العالم عامل اقليم اكادير وطرفاية، كما قال المرحوم عمر المتوكل الساحلي في كتابه المعهد الاسلامي ج 1 صفحة 98، يعتبر هذا أحد الأسباب التي جعلت المرحوم اسماعيل يعين سنة 1963 بثانوية ابن سليمان الروداني وليس معهد محمد الخامس لسببين متناقضين الأول أن حفل تدشين الدروس بالمعهد الاسلامي ألقيت خلاله محاضرة للعلامة المختار السوسي حضرها عدد من رجال المقاومة الوطنية وقدماء الطلبة اليوسفيين رفقاء الدراسة بجامع ابن يوسف للمرحوم اسماعيل هرماس منهم محمد بن سعيد الشتوكي /أيت يدر ومحمد البصري/ الفقيه وعبد الرحمان اليوسفي، بحضور الفقيه الغازي عن اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال وآخرون. نفس المرجع صفحة 146 ، أما السبب الثاني وهو نقيض ما ذكر أن الشخص الوحيد الذي عمل كمدرس بالمعهد عند انطلاقه رغم كونه من قدماء جامع ابن يوسف هو الحسين وكاك ، بعدها أصبح الانتماء لجامع ابن يوسف وجامع القرويين وهما مهد المقاومة الوطنية موجب عرقلة وقناعة فكرية مشبوهة يجب تفادي الوقوع فيها بدريعة تجنب التسييس الوطني. ص148 .

لما خرج إسماعيل هرماس مرفوع الرأس من الوظيفة العمومية سنة 1968، قرر خوض غمار الفلاحة العصرية (مبادئ الإصلاح الزراعي)، واستثمر لأجل ذلك ذكائه وحنكته وإرثه من والده الذي نازعته فيه الأيادي الخفية لما كان قاضيا ، فكانت أول مرة يبتسم فيها القضاء الإلهي له فيما عزم غير أن القدر عجل به، حيث توفي رحمه الله سنة 1977م وعمره 49 سنة في عز شبابه وأوج فلاحته. ومن بين الذين رثوه الأديب العلامة الحسن البونعماني في مرثية من بحر البسيط تضم 115 بيتا وهي من أروع القصائد بلاغة وفصاحة وأطولها نظما فيما قرضه الشاعر البونعماني، الذي كانت تربطه بالمرحوم المرثي علاقة أخوة جمعتهما عليها مبادئ فكرية وتطلعات وطنية وما هو أعلم به الواحد عن الآخر، أيام كان الحسن البونعماني عامل على اقليم اكادير ويملك سكن بانزكان واسماعيل هرماس قاضي مفوض بنفس المدينة، المرثية بعث بها البونعماني تعزية للحاج محمد هرماس شقيق المرحوم اسماعيل النسخة الأصلية بخط صاحبها طلبها المقاوم الحاج عمر المتوكل الساحلي لنسخها في مؤلف المعهد الإسلامي بتارودانت والمدارس العلمية العتيقة بسوس الجزء الأول طبعة 1985 من صفحة 377 الى 390 ، كما نسخها من الكتاب المذكور كمرجع الدكتور الحسين أفا في مؤلفه القيم ديوان الحسن البونعماني جمع وتحقيق ودراسة طبعة 1996 عن منشورات كلية الآداب والعلوم الانسانية جامعة محمد الخامس بالرباط.
image
image
تارودانت نيوز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق