الأخبار

حديث مع الصورة: دار البارود بتارودانت قلعة من زمن قطع الرؤوس بالفؤوس/ج2


الاثنين 30 رمضان 1435ه /28/07/2014
عبد الرحمن ابن خلدون الإشبيلي مؤرخ عربي توفي سنة 1406 م/808 هـ أي قبل 500 سنة من تاريخ تشييد قلعة دار البارود بتارودانت، يعد أول من وضع أسس علم الإجتماع الذي نحن بصدد الحديث عن جزء منه وهو العمارة العربية من خلال مدونة قلعة دار البارود وبعض القصور والقصبات والرياضات بتارودانت، جال بلاد شمال افريقيا في القرن الخامس عشر الميلادي/ التاسع الهجري أيام الدولة المرينية، كان حدق النظر في تدوين التفاصيل الكبرى و يقظ التنبه للجزئيات الصغرى من العمارة العربية التي أبدعت وأتقنت وتفننت وتفردت فيها يد الصانع والحرفي المغربي من خلال مزج فنون تلك الحضارة العمرانية ودمج قواعدها وتقاطع هندستها العربية المشرقية بالاسلامية الأندلسية، لتعطينا نسخا فريدة ونماذج عجيبة تجسدت في الرياضات والقصور والقصبات التاريخية المغربية ومنها قصر دار البارود بتارودانت.
في كتابه “مقدمة ابن خلدون” الباب الرابع الفصل الخامس صفحة 220 يقول في وصف عمران دوي السلطان: “فأما الحماية من المضار يراعى لها أن يدار على منازلها جميعا سياج السوار، وأن يكون وضع ذلك في متمنع من الأمكنة إما على هضبة متوعرة من الجبل، وإما باستدارة بحر أو نهر حتى لا يوصل اليها إلا بعد العبور على جسر أو قنطرة، فيصعب منالها على العدو ويتضاعف امتناعها وحصنها” في الصفحة 88 :” أما العدوان الذي من خارج المدينة فيدفعه سياج الأسوار عند الغفلة أو الغرة ليلا أو العجز عن المقاومة نهارا، أو يدفعه ازدياد الحامية” في صفحة 116:” فإذا حصل المُلك أقصروا عن المتاعب التي يتكلفونها في طلبه، وآثروا الراحة والسكون الى المباني والمساكن والملابس، فيبنون القصور ويجرون المياه ويغرسون الرياض ويستمتعون بأحوال الدنيا ويؤثرون الراحة على المتاعب”.

هكذا كان القواد والباشوات وخلفائهم مطلع القرن العشرين يتخذون لأنفسهم مسكنا معزلا عن العامة فوق ربوة عالية أو منطقة نائية كما هو الحال بالنسبة لقصبة تيوت وقصبة تالوين ورياض اولاد برحيل ورياض فريجة وهي المتبقية تئن في صمت آخر أيامها بعدما اندثرت وزالت الى الأبد العشرات أمثالها بأحواز تارودانت مما سجلته الاستعلامات الفرنسية تمهيدا للحماية، “وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ۖ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ” ،
أما داخل مدار سور المدينة فالرياضات بمفهومها التاريخي وهندستها المعمارية ـ تمييزا لها عن دور الضيافة المستحدثة من قبل الأجانب مؤخراـ تقارب العشرين يمر يوميا جوارها صباح مساء الرودانيون – الرودانيون بالجدور ولا استثني نفسي منهم- دون أن تثيرهم بنظرة الى أن تنبهت للأجانب الأوربيين يتوقفون قبالة رياض آل خاي بمجمع الأحباب، بين من يمسحه بنظرة ومن يلتهمه باستغراب وانبهار، فيما بعض بني جلدتنا، سامحهم الله، يتبولون على بعضها كما هو حال حائط رياض آل لمزالي بصابة درب الأندلس .
تسمى هذه المساكن الضخمة القصبة أو الرياض أو القصر تزيد من هيبة صاحبها وتمنحه الأمن، الداخل اليها مفقود والخارج منها مولود خاصة القصور وهي في الواقع متاهة مشي Labyrinthe؛ بعد مجيء الاستعمار استولى على بعضها المحتل الفرنسي بل الأقرب للصواب أن أصحابها ” باعوها” للمعمرين المحتلين الجدد، ولاء لهم وضمانا لبقاء الامتيازات والحظوة التي شبوا وشابوا عليها، لينتقلوا لتشييد قصور أخرى في مناطق أضيفت لسيادة نفودهم وهو حال سكن حيدة الذي تخول أيام فرنسا الى فندق مرحبا وبعد الاستقلال أصبح فندق قصر السلام بتارودانت، آخر مالكيه الملياردير البيضاوي المرحوم البلغمي، بعد وفاته شهد أزمة إفلاس عرض فيها للمزاد استقر سقفها في14 مليار بين شركة اسبانية وبنك CIH، وكذلك صار رياض حيدة ميس بأولاد برحيل من يد الى يد حتى وصل الى البلجيكي مسيو كازبير؛ مطلع التسعينات بعدما تناهى الى علم شخص جمع بين السلطة الادارية والنفود الشخصي بتارودانت أن كازبير اشتد به مرض الوفاة ورحل من المغرب، هرول ليستطلع الوضعية العقارية للرياض وصدم بعدما سقطت يداه في التراب أن مالكه البلجيكي وهبه عقدا موثقا رسميا لمياوم البستنة القاطن به بعدما خدم البلجيكي لعقود بإخلاص،،،
ونفس المقال عن قصر دار الزيدانية – فندق الغزالة الذهبية منتجع مشاهير الفن والسياسة في العالم- تحفة من الجبص المخروط والزليج البلدي الفاسي والأبواب المنمقة بزخرفة التوريق مستوحاة من محيطه الطبيعي، أرض قبة الاستقبال الشرفية مكسو بقطع الرخام من مختلف الأنواع والألوان والأشكال، أرفعها ” لم يعد له وجود” في تضاريس ايطاليا هو اللون الأحمر الملكي rouge-betterave ؛ قصر دار الزيدانية اشتراه مدير المخابرات السعودي كامل الأدهم وسماه قصر الغزالة الذهبية قبل أن يؤول لشريكته غيثة بنيس بعد وفاته، ليسترجعه ورثته مؤخرا…

دار الحصن التي شيدها معمر فلاح سنة 1930 هو البارون الفرنسي Mr le Baron على نمط تقليدي زاوج بين المعمار الأوربي والمغربي بمحاذاة ضيعة حوامض قوامها 100 هكتار، بعد الاستقلال أضحت الضيعة ملكا للدولة مما سمح لأول كاتب عام لعمالة إقليم تارودانت أن يدخل اليها كسكن وظيفي وتم تفويتها له، ومن يده الى يد الروداني الحاج محمد دعداع الرجل الكريم، عدد كبير من الرودانيين يحلون بها، أتأسف وأقولها من دون أدنى حرج كون أغلبيتهم الساحقة يستهويهم الكرم الحاتمي في ضيافة صاحبها دون أن تثير فيهم مجرد التساؤل عن تاريخها وما ارتبط بها من أحداث !!!
ثم رياض البلاليع الذي بناه أحد قضاة رودانة هو محمد بن عبد الرحمان بن اليزيد صهر سلفه القاضي عبد الكريم التملي، كانت أيام هذا القاضي ايام تعدي، فبمجرد ما يتناهي الى علمه أن شخصا اشتد به مرض الموت حتى يرسل أعوانه وعدوله لإحصاء التركة ونهب ما يمكن نهبه، وليس هذا بغريب عنه لأنه اشترى ظهير القضاء من الحاج الودن المتوكي جليس خليفة السلطان بمراكش الذي باع أيضا ظهير الباشوية للكابا، ما إن استولى الكابا على السلطة أول ما قام به أن سجن هذا القاضي الذي بقي في السجن حتى وصلت حملة الهيبة تارودانت، وفتحوا سجن القصبة وخرج مع من خرج، ولم يتعظ لما رأى الناس ينهبون متاع حيدة بعد ذهابه بجيوشه لتازة، عقب رجوع حيدة ميس من حرب بوحمارة، ألقى القبض على كافة من نهبوا دياره وطالبهم برده، فصير له القاضي رياض البلاليع طلبا للنجاة من ضرب الرأس بالفأس، ليكتفي بسجنه ونسيانه حتى غرس شجرة وأكل ثمارها وهو مسجون، فخلفه كولاية أولى له الفقيه الورع السوسي القاضي موسى بن العربي الرسموكي، أما رياض البلاليع فاشتراه لاحقا القايد محمد بن ابراهيم التيوتي من ورثة حيدة ليصادر منه مدة طويلة لفائدة الدولة المغربية مباشرة عقب الاستقلال ، ليسترجعه ورثة التيوتي بعد صدور ظهير شريف جماعي في الموضوع– الحيثيات ليست موضوع حديث الصورة-، لكنه بقي تحت تصرف العصبة المغربية لرعاية المكفوفين الى أن دشن محمد السادس نصره الله المقر الجديد الحالي، واتصل بورثة التيوتي سماسرة العقار ليبيعوا رياض البلاليع ” للنصارى” في صفقة خيالية حملت خلالها الأوراق المالية في كرطون وعُدّت “بالبريكات” وليس “لوريقات”.
image
أما قلعة دار البارود، ففي الوقت الذي كان حيدة ميس سيد منطقة اولاد برحيل، شيد الكابا القسم الأكبر منها خلال فترة حكمه تارودانت ما بين 1903 و 1909، لم يذكر أن أحد اعتمرها بعده سوى الفرنسي المعمر الفلاح مسيو هنري جرمانHenri Germain الذي باع نصفها الغربي مع حديقته الرائعة المترامية الجوانب الى مستثمر فلاحي مغربي هو الحسين الدمناتي والد عثمان الدمناتي وزير الفلاحة في حكومة محمد كريم العمراني، الدمناتي الأب سبق أن وضع دار البارود رهن الإشارة ونزل بها السلطان محمد بن يوسف ضيفا كريما عزيزا في أول زيارة تاريخية لتارودانت يوم الخميس 28 مارس 1945، زيارة حملت ثلاث أنشطة رسمية ومبادرة تنسيقية سرية مع وطنيي تارودانت تستلزم لاحقا بإذن الله ورقة موضوع خاصة؛ أما النصف الآخر الشرقي من قلعة دار البارود فقد اشتراه صاحب السمو المرحوم مولاي عبد الله مع ضيعة فلاحية ستسمى لاحقا البورة بكل من تارودانت ومنطقة أيت عبد الله شمال تارودانت.
دار البارود بتارودانت تبقى متفردة بين كل ما شيد بالمدينة حتى الآن متميزة في هندسة بنائها وعمارته الداخلية، لا يوجد لها مثيل بالمغرب فيما أرى باعتبارها قلعة، تشييد صرحها جاء في مرحلة انتقالية وحساسة ما بين سلطة حكم محلية مطلقة العنان تصل حد قطع الرؤوس بالفؤوس كتأديب انتقامي، وبوادر تنافس ثنائي بين فرنسا من جهة وألمانيا من جهة أخرى قوامه التمهيد لاستيطان أجنبي، جمعت دار البارود بذلك معالم عمارة إسلامية عربية وأندلسية وهندسة أوربية خاصة على مستوى الهيكل وضع الأساسات ورفع صرح الجدران عاليا شاهقا فوقها مما يفيد أن امتداد الأساسات تحت مستوى الأرض هو في الواقع جدران عريضة بحجر الصلصال جيد الإتقان والخدمة لذلك صمد صرح البرج ككل طيلة قرن من الزمن دون أن تنال من صلابة اتقانه صروف الدهر وتعاقب الأزمان.
image
من جهة أخرى فضلت تسمية دار البارود بالقلعة وليس الحصن، لأن المصطلح الأول أقرب من ناحية الهندسة العمرانية لمرادف تسمية château في العمارة الأوربية للقرون الوسطى، خاصة أن الباشا الكابا صاحب السلطة المطلقة وسيد قراره وقتئذ كان يتقرب ويميل ليستفيد أكثر الى زمرة الطلائع الأولى للبعثات الأجنبية خاصة الفرنسيين منهم الذين كانت مهمتهم وضع تقارير استخباراتية عن كل شبر من تارودانت من بينهم المهندس مسيو دوري Dore؛ أما الحصن، من دون أن أتعمق في التفاصيل على وجه المقاربة والمقارنة بقلعة دار البارود، هو المعروف تاريخيا في تخوم سوس العميق بالتسمية الأمازيغة ” أكادير” ويجمع على صيغة “إكودار” كان يوجد منه المآت وربما أكثر بالأرياف الجبلية المحيطة بتارودانت، بقي منه القليل يعد بالعشرات خاصة بالأطلس الصغير ما بين منطقة أيت باها وتافراوت، جلها اندثرت سقوفه وتبعثرت جدرانه في أقل من نصف قرن، تأسفت بحرقة شديدة وليس يربطني بالمنطقة سوى بطاقة الهوية الوطنية المغربية، لما وقفت على بعضها في زيارة تنزه، كيف يعقل أن عشرات مليارديرات الدار البيضاء سماهم وجمعهم مؤخرا عمر أمرير في كتاب عنونه” عصاميوا سوس بالبيضاء” يدفعون المال بأقدامهم هم أبناء المنطقة ولا يلتفتون الى هذه الحصون منطلق أجدادهم ومجدهم وأساس ثروتهم، وهذا مكمن بيت القصيد كما يقال؟؟؟
image
قلعة دار البارود على غرار بقية القصور مثل قصر الباهية بمراكش وأغلب دور الباشوات والقواد وخلفائهم تنقسم الى عدة أروقة أهمها كفضاء رحب للتنزه والإسترخاء عرصة غنّاء فسيحة، بها ممرات أرجل بعرض الخطوة أو الخطوتين تجانبها أغراس الزينة تغطيها الكروم الظليلة، تقاربها أشجار الغلل الموسمية، وكفضاء مشيد للسكن نجد دار التموين أو الخزين ودار الخدم من عبيد وإماء ودار “الطياب” ودار “الضياف” طبعا ودار القايد هاتين الأخيرتين تكونان أجمل رونقا وعمارة فنية، دار القايد على طرف منها منزو تسكن زوجاته كل منهن بغرفتها وفناء فسيح خاص لا يلج جناحهن أحد عدى خدم الحريم المقربون هو المسمى” فناء الحريم” مشترك على شكل حديقة مربعة الأحواض تلتقي في الوسط عند النافورة الشامية المنحوتة من رخام الكرانيت الأبيض أو الرمادي أو الحجر الإسفنجي الأصفر ، لها صحن مقعر صغير نسبيا يرفع فوق عمود يسمى ساق النافورة؛ النافورة الشامية تمييزا لها عن النافورة المغربية التي تنحث هي الأخرى من الرخام الأبيض يكون صحنها عريض جدا يقارب الخطوتين، بعمق ملحوظ توضع مباشرة فوق الأرض، نماذج منها توجد بالمساجد الجوامع الأثرية شاهدة حضارة الأمم المغربية السابقة كمسجد الأدارسة القرويين بفاس والمريني لأبوعنان بمكناس والكتبيين الموحدي بمراكش ومسجد مولاي سليمان بالسويقة في الرباط ،،، لتأدي دور نافورة وسقاية ماء الوضوء على السواء. دار البارود بها ثلاث قباب كبيرة تسمى “الصالة” ذات طول وارتفاع تعلوه سقوف هرمية مسطحة القمة منمقة بزخرفة التربيع والتوريق والتشبيك فوق خشب العرعار، وممرات مكسوة السقف والحواشي بخشب الأرز المنقوش عليه مسحة من طلاء البرنيز البني، كذلك زخرفة الجبص بالألوان الزاهية تتربع تاجا عجيبا فوق الأبواب والنوافذ ما بين نقش المخروط والمفتول والضفيرة والشهدة بالجبص الأبيض فقط أو المزخرف بالألوان الزاهية الأخادة، وصاريات مستديرة مضلعة تعلوها تيجان الحبص يشد عليها خشب الأزر المذكور…
دكر لي سابقا المرحوم الحاج عبد الرحمان الكجبوط الذي كان يُحضر الى الدار بعض التموينات في فترة ما، أن سلطات الاستعمار اقتطعت طرفا من بستان دار البارود من الجهة الجنوبية بمحاذاة دار نقطة الحليب وشيدت به ” الكوميسارية جديدة” لتسترجع بعضا من هيبة سلطتها الأمنية بعدما كانت “الكومسارية” منزوية في حومة درب أقا في دار من تراب – الفترة التي تحدث عنها المرحوم الكجبوط هي نهاية عقد الأربعينات وهو ما وقفت عليه في رواية الوردة الزرقاء “لإبن” دار نقطة الحليب المرحوم الروداني موسى حميمو- انظر المدونتين السالفتين-، كما دكر لي أنه كانت بها زربية عرضها يربو عن الخطوتين وطولها يقارب الثلاثين خطوة، قطعة واحدة منسوجة من الصوف الأحمر زينت حواشيها “بزواقة اللواية” تمدد بالمدخل في الاستقبالات الكبيرة، وأضاف أغلب الظن رُحلت قبل الاستقلال الى فرنسا، لما سألته مستغربا هل يتم طيها أم لفها وكيف يتم حملها؟؟ !! أجابني هي أصلا تمدد فوق مصرف صغير مغطى بقطع مسطحة من جدوع النخيل، وعند نهاية الاستقبال تنزل في المصرف على طوله وترص فوقها قطع الجدوع من جديد ” كي تنديرو فدفن الميت”؛ كما دكر لي شخص آخر مدخل “عواد الحطب” ، وفرن الشواء، وقبو كبير كالكهف، وعدد كبير من موائد بنية ثقيلة مصنوعة من خشب العرعار زين وجهها وجوانبها وأرجلها العريضة بقطع منحوتة من عود أصفر، يمكن أن يتحلق حولها “سربيس دْ الناس” يقصد اثنى عشر شخصا، وعدد غير معلوم من أواني الطهي والتقديم وديكورات التزيين ثقيلة من النحاس الأحمر والأصفر…
image
طرح علي سابقا لغز محير: أين توجد في تارودانت دار بنيت “بدفال” ؟؟ !! أجبت مازحا، ولم لا البول لأن “دفالة” ناشفة !!! أجابني هي دار البارود !! قبل أن يُعرف ميزان الخيط الذي ظهر بظهور الآجور الإسمنتي في البناء العصري، كان يحضر صاحب دار البارود كل مساء ويصعد فوق سرير البناء ويضع خده ملاصقا للحائط ويرسل بصقة/دفالة اذا استقرت فوق الأرض جنب الحائط، فالحائط مستقيم، يتنفس العبيد الصعداء ويستمرون في الغد في البناء، أما اذا لصقت على نقطة ما بالحائط قبل الأرض فالحائط أعوج مائل يُأمر بعبيد الخدمة للجلد ويهدم الجدار ويعاد البناء من جديد !!! كما يروى أنه يُأمر عبيد/خدم اللبن الطيني “اللوح” عدم فك الألواح في المساء عند نهاية العمل، نتيجة استنفاذ الجهد البدني لإتقانه، فيفرغ الماء بكثرة فوق آخر “مدية” مدكوكة؛ في الصباح تفك الألواح، إذا صمد عمل الأمس يستمر البناء، إذا تهمد جله أو بعضه يُجلد العبيد ويعاد الكل من الأصل.
هي روايات شفوية بدون مبالغة تحمل نسبة من الصحة في شق جزاء الخدمة الناقصة، مادامت عقوبة الانتقام لا تقل عن قطع الرؤوس بالفؤوس، فجلد العبيد بالسياط أهون وأرحم كعقاب عن التهاون والتراخي في اتقان الخدمة، في كلا الحالتين لنفترض مجازا أنها مجرد روايتين للمبالغة من نسج الخيال، فهي لا تخلو من عبر ودروس تجسد معاناة أولئك الزنوج موشومي الخد بالكي أو مشروخي صيوان الأذن لوضع خرص حديدي ثقيل كالأقراط النسوية يزيد مع الزمن من تمدد صيوان الأذن أسفل الرقبة، ولا يفك الخرص إلا حين يُعتق العبد وهو ما يسمى تحرير رقبته أو عتق بدنه بعد سلب انسانيته، هذه الأوصاف التشخيصية، الى القراء الأعزاء، نقلا عن صورة عثرت عليها سابقا لشخص ـ من دون تسميته صونا لكرامة فروعه ـ كان بتارودانت أيام فرنسا حارس سجن القصبة، ألتمس له عدرا بعدما نزعت الرحمة والشفقة من قلبه بسبب ماض كهذا، عبثا حاول معه الرودانيون بعد الاستقلال إزالة الخرص من أذنه اليسرى، فيجيبهم ” خلوه بلاصتو حتى لكدام الله باش نحاسب دوك لي داروه، ما سمحت ليكم إلا حيتوه لما أموت” ؛ أما الحراطين ـ انظر صور المدونة السابقةـ من عبيد السخرة وعبيد العسة وعبيد الخدمة تكون بشرتهم سوداء بينما راحة اليدين وأخمص القدمين أبيض، ومفرده حُرطاني، أصل الكلمة حر ثاني تمييزا له عن الحر الأول وهو السيد، والإماء تكن خدم وحشم من مستضعفي نسوة سبي الغارات، جميعهم عبيد وإماء عاشوا تحت تسليط السياط على رقابهم لاخضاعهم وانصياعهم في غابر زمن قطع الرؤوس بالفؤوس بتارودانت.
كل زمن بعدما قطع دابر العبودية وتارودانت بألف خير

تارودانت نيوز
علي هرماس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى