مقالات

غزة والتداوي بالسم


الجمعة 15/08/2014

كل أطراف اللعبة مقدمة على تجرع السمّ الذي لا بد منه ليس بهدف الموت أو القتل ولكن بوصفه الدواء الوحيد المتاح لإدارة الأزمة في غزة. إسرائيل تتجرع سم حماس، فليس بمقدورها القضاء عليها ولا حتى الاستغناء عنها، فبغير حماس لا يمكن إدارة وتدبير الأمور في غزة على النحو الذي تقبله/ تتجرعه كل الأطراف المعنية، أو يحمي المنطقة من الفوضى ومزيد من الصراع. ومصر أيضاً ستتجرع «حماس»، فلا يمكن أن تؤدي دوراً مؤثراً في الساحة الفلسطينية والإقليمية إلا بقبول «حماس» (فليس كبير القوم من يحمل الحقد!)، إذ لا تستطيع ذلك إلا بقدرة على الاستيعاب والتوسط، فالإقصاء والتهميش لا يلائم الكبار. وإن كانت مصر تريد الا تخلي مكانها لتركيا و/أو إيران فإنها يجب أن تكون مظلة أو مرجعية لجميع القوى السياسية والاجتماعية وقادرة على كسب ثقتها وتقديرها. وكما يقول هنري كيسينجر في تقييم السياسة الأميركية، وهو ما يصلح لجميع الدول والقيادات، يجب أن تتصرف كأنك شريك على قدم المساواة مع الشركاء، وتعمل على امتلاك القوة والموارد والفرص كما لو أنك تقود وحدك. و»حماس» هي الأكثر حاجة إلى عدم استعداء أو استفزاز أي دولة أو قوة سياسية، مصر ودول الخليج والأردن و»فتح» والسلطة الوطنية الفلسطينية… وإسرائيل أيضاً، ومؤكد أن ذلك يبدو أقرب إلى المستحيل، لكن تفكيك المشهد والبحث عن الفرص فيه يؤشر إلى إمكانية الخروج من الأزمة بمكاسب لجميع الأطراف.
في الحروب تبدو المسائل واضحة، ولكن الحرب ليست سوى أداة سياسية، ففي النهاية يتفاوض المتحاربون، والتفاوض يعني تسويات وتنازلات، وتتضمن الحرب في مسارها اليوم خسائر حقيقية وعسكرية لإسرائيل التي تبدو اليوم متيقّنة من أنها غير قادرة على التأثير في لى إرادة واختيار الفلسطينيين تأثيراً حاسماً، ولا مجال إلا للتسويات مع الفلسطينيين على النحو الذي يرونه مرضياً وكافياً. وبالطبع فالنهاية الحتمية والمنطقية للصراع يدركها العالم كله بمن في ذلك اليهود، وهي أنه لا يمكن الاحتفاظ بفلسطين دولة لليهود وحدهم إلا في ظل قوة قاهرة تستحيل إدامتها، وأن الحل النهائي الذي لا نعلم أوانه ولكنه قد يأتي قريباً، لن يكون سوى اقليم مستقر وآمن ومزدهر. فقانون الحياة هو الميل إلى الاستقرار، ولم يكن الصراع في التاريخ والجغرافيا الا لأجل الاستقرار.
غيّر الأداء العسكري لكتائب القسام/ «حماس» كثيراً في المشهد وطبيعته وسيجعل ذلك إسرائيل أكثر استعداداً وقبولاً لتسويات لا تعجبها وكانت تظن أنها قادرة على رفضها. حتى فكرة القلعة الحصينة الآمنة بدت في حرب غزة وهماً أو انها على الأقل غير قادرة على الصمود والاستمرار، فلا مجال لإسرائيل إلا أن تكون دولة طبيعية متقبلة، ويمكن أن تبذل وتنفق لأجل ذلك أقل بكثير مما تبذله لأجل القلعة، لن تستطيع القلعة أن تنأى بنفسها، وأما الصراع الدائم فسيؤول في النهاية إلى زوال إسرائيل أو ذوبانها! ولن يغير من مدى صحة هذه النتيجة التفوق الإسرائيلي والهزائم والخسائر الفلسطينية والعربية المتوالية.
وربما تكون النتيجة اللافتة في حرب غزة أن الجيش الإسرائيلي لم يعد متحمساً لقتال أو راغباً فيه كما في سابق زمانه. كانت الحرب برنامجاً سياسياً أو تنافساً انتخابياً أكثر مما هي مسألة دفاعية أو عملياتية، ولم تكن «حماس» وأنفاقها وصواريخها تمثل تحدياً أو تهديداً عسكرياً ولا هي تريد ذلك. كانت الحرب استعراضاً سياسياً ولم تكن حرب الجنود، ويبدو أن ليكود وحلفاءه يخسرون.

تارودانت نيوز
ابراهيم غرايبة
كاتب أردني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى