مقالات

ماذا نريد من هذه المواقع؟!


الجمعة 29/08/2014

مع انتشار التقنيات الاتصالية الحديثة، وكثرة عدد مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي وبالخصوص تويتر، تأتي الحاجة الماسة إلى ترسيخ ثقافة تواصلية مثمرة، ونشر وعي رشيد، يجعل هذه الأدوات وسائل هادفة في أيدي أصحابها، يستعملونها بوسطية واعتدال في ما يعود عليهم وعلى الآخرين بالخير والنفع، ويتجلى فيها صور التواصل البنَّاء والمحاورةُ بالتي هي أحسن، امتثالا لقول الله تعالى: {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن} أي؛ ليستعملوا الكلامَ الحسنَ والكلمةَ الطيِّبةَ عند المحاورة والمخاطبة مع الخلق جميعا على اختلاف مراتبهم ومنازلهم، فإذا تردَّدوا بين كلامين حَسَنين فعليهم أن يختاروا الأحسن والأفضل، ثم علَّل الله سبحانه هذا الأمر بقوله: {إنَّ الشَّيطان يَنزَغُ بينهم} أي؛ فإنهم إذا أساءوا في الحوار والتخاطب فإنَّ ذلك سببٌ لوقوع الفرقة والتنافر والتباغض بينهم، وسبب لرفض المخطئ قبول الحق الذي مع غيره. وحينئذ نقول:

أولا؛ لنسأل أنفسنا: ما الهدف الذي من أجله دخلنا هذه المواقع؟ هل نحمل أهدافا راقية نسعى إلى تحقيقها أم أنَّ الأمر لا يعدو مجرَّد تسليةٍ وتمضية وقت؟ هل راعينا في هذه المواقع تحقيق أحد الأهداف الآتية: (1) حسن التواصل مع أبناء المجتمع وبث أسباب المحبة والتآلف والتعاون على البرِّ والتَّقوى. (2) تعزيز الثقافة الإيجابية ونشر المعلومات النافعة. (3) الدفاع عن الوطن بالكلمة الطيبة، كلٌّ بما يملك من علم ومعرفة. (4) المساهمة في وحدة الصف وترسيخ الانتماء الوطني.

(5) أن نكون سفراء لدى من يرصدوننا من المجتمعات الأخرى، نعكس لهم ثقافتنا الراقية وقيمنا الناصعة ونُظهِر لهم قوَّة تلاحمنا وتآخينا.

ثانيا؛ لنسأل أنفسنا: هل نستشعر مسؤولية الكلمة؟ هل نعرض عباراتنا قبل النشر على الموازين الصحيحة التي ننتقي على ضوئها أصلح الكلمات وأجملها، أم أنَّنا نبادر إلى النشر من دون نظر ولا تدقيق؟ هل نتثبَّت من الأخبار والمعلومات ونعتمد فيها على مصادر موثوقة ودقيقة؟ هل نتحرَّى الأمانة في النقل؟ هل نمتلك الفكر النقدي الذي يجعلنا نتأكد من المعلومات والأفكار قبل نشرها؟ أم أن الأمر بعكس ذلك، وأنَّ من السهولة أن ننخدع بالإشاعات والأخبار غير المؤكدة، وأن نقع ضحايا الإثارة والتضخيم والمبالغة والنشر غير الواعي، فضلا عن الأفكار المضللة التي تدمِّر معتقداتنا وتوقع بيننا العداوة والبغضاء؟ ففي الحديث الصحيح: »إنَّ الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم القيامة«.

ثالثا؛ لنسأل أنفسنا: ما مدى التزامنا بالبعد الأخلاقي في “تويتر” وترفعنا عن الحظوظ الشخصية والانتصار للنفس؟ هل نراعي الأخلاق الإسلامية الرفيعة في تعاملنا مع الآخرين، أم أننا نضعف عن ذلك ونقع في شراك الإساءات والتجاوزات؟ ما قيمة العفو والتسامح والصفح في نفوسنا تجاه من أخطأ علينا؟ هل نجاهد أنفسنا ونرتقي بأخلاقنا لنحقِّق في تعاملنا مع الآخرين قول الله تعالى: {ولا تستوي الحسنةُ ولا السيئةُ ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم}؟ رابعا؛ لنسأل أنفسنا: ماذا قدَّمنا لديننا ووطننا في هذه المواقع الاجتماعية؟ هل حافظنا على هويتنا وثقافتنا وعقيدتنا السوية ووسطية ديننا الحنيف؟ هل ساهمنا بصدق وإخلاص في دفع من يريد زعزعة أمننا وتعكير استقرارنا؟ هل ناصرنا مجتمعنا وقيادتنا في حماية وحدتنا والمحافظة على منجزاتنا ضد من يريد بنا السُّوء؟ هل اجتهدنا في تحقيق قول ربنا سبحانه: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا}؟ هل ساهمنا في ترسيخ ثقافة البيت المتوحد الذي أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم في قوله: »مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد«؟

وأخيرا فإنَّ علينا أن نحاسب أنفسنا وننظر في واقعنا: هل نتعامل مع هذه المواقع الإلكترونية بوسطيَّةٍ واعتدالٍ ونجعل منها وسيلةً هادفةً بمقدارٍ موزون؟ أم أننا نسرف فيها ونجعلها شغلنا الشاغل، ونترك بسببها من حولنا ونستعيض بها عن التواصل العادي مع محيطنا؟ إنَّ كثيرا من الدراسات يحذِّر من الإفراط والمبالغة في استخدام هذه المواقع وما في ذلك من سلبياتٍ عدة، ويحثُّ على الاستخدام المعتدل الإيجابي، وهذا هو دَيدَنُ العاقل دائما أن يتوسَّط في الأمور كلِّها، فلا يترك بابا يستطيع أن يفيد المجتمع فيه، ولا يبالغ في ذلك حتى يضيِّع أبوابا أخرى، بل يجمع بين المصالح والمنافع، واضعا نصب عينيه قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفسٌ ما قدمت لغد واتقوا الله إنَّ الله خبير بما تعملون}.

تارودانت نيوز
أحمد محمد الشحي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى