مقالات

المُثقَّف والإطْفائِـيّ


السبت:27/09/2014

بقدر ما نُحاوِل إبْعادَ الدور الرُّسُولِيّ عن المثقف، أي باعتباره من يقود «الجماهير»، ويُرْشِدُها، وهو الدور الذي كان سائداً في فترة من فترات التاريخ الحديث، ليس في الثقافة العربية وحدَها، بل وفي غيرها من الثقافات الإنسانية، بقدرِ ما نَرَى أنَّ المثقفَ، ليس في مَنْأًى عن الواقع اليومي، وعن المجتمع الذي يعيش فيه، وهو جزء لا يتجزَّأ من هذا المجتمع، مهما تكن طبيعة المهام والوظائف التي يقوم بها.
كنتُ في فترةٍ ما أُدافِع عن اهتمام المثقف بمجالِ اشتغاله، وبما في يَدِه من أفكار ومشاريع فكرية وإبداعية، دون أن يذوب في العمل السياسي، أو يكون ما يُفَكِّر فيه، وما يكتبُه جزءاً من عمله السياسي هذا، بالمعنى الذي يجعله غارقاً في السياسة على حساب الإبداع، أو أن يصيرَ صَدى للسياسة، باعتبارها آلة، تأكل المثقف، وتمتصُّ فكره، وقدرتَه على أن يبتكر ويَبْتَدِعَ، لأنَّه، في هذه الحالة، يكون محكوماً بانتماء أيديولوجي، لا يمكنه أن يخرج عنه، بقدر ما يكتفي بتبريره، أو تسويغ ما فيه من اختياراتٍ. فما رَفَضْتُه، حتَّى وأنا، في فترة ما، كنتُ أنتمي لحزبٍ يساريّ طليعي في المغرب، هو أن يتحوَّل الفكر والإبداع إلى أداةٍ، وإلى كتابة بالتَّبَعِيَّة للحزب، ولفكر هذا الحزب. وهو ما كان سائداً في مرحلَتَيْ الستينيات والسبعينيات، ليس في المغرب فقط، بل في العالم العربي كُلِّه، وخُصوصاً في الخمسينيات من القرن الماضي. فطبيعة المرحلة، كانَتْ تفرض هذا النَّوْع من حُضور المثقف في ما يجري، أي بدخول الشِّعر والفكر، بشكل خاص، في سياق هذا الوضع العام، الذي كانت فيه «الثورات» العربية، التي قام بأغلبها الجيش، تدعو للفكر الاشتراكي، أو تَتَبنَّى الاشتراكية كاختيار فكري وسياسي واقتصادي. وكان المثقف، بطبيعة تكوينه يميل إلى هذا الفكر، وإلى الانخراط فيه بحماس شديد. لكن، اليوم، ومنذ أن تَبَيَّن أنَّ هذا الفكر أَخْفَقَ في القيادة وفي التغيير، وتَبَيَّن أنَّ ما حدث من إخفاقات، بدايةً من هزيمة 67 هو حاصِل اسْتِفْرادِ هذه الأنظمة «الثورية» بالسلطة، وبالقرار السياسي، ما أدَّى إلى دخول بعض المثقفين ممن أدْرَكُوا منذ وقتٍ مبكر خطَر هذه الاختيارات، القائمة على تمجيد الفرد، وتحويله إلى وَثَنٍ، أو إِلَهٍ على الأرض، في مواجهة مع هذه الأنظمة، التي تنكَّرَتْ لكثير من شعاراتها، واعتَبَرَتْ المثقف خَطَراً عيها، فعملت، إمَّا على سجنه وقمعه، أو على تهميشه وإقصائه، كما عَمِلَت على إنتاج نوع من المثقفين الذين كانوا على استعداد لتوظيف فكرهم في خدمة هذه الأنظمة، وتحويل الهزائم والإخفاقات، إلى انتصاراتٍ وأمجاد.
المثقف، هو بطبيعته، صاحِبُ فِكْرٍ حُرّ، وهو ليس آلةً للدِّعايةِ، لترويج أفكار الحزب أو النِّظام، مهما كانت طبيعة تَعاطُفه، أو مَيْلِه لهذا الطَّرَف أو ذاك. فهو صاحب مشروع فكري، وله موقفٌ مِمَّا يجري حَوْلَهُ، وليس مُجرَّد كاتِبٍ، يَنْشُر كُتُبَه ويعود أدْراجَه إلى بَيْتِه، أو إلى حياته الخاصَّة، لا يَهُمُّه ما يجري في الواقع، أو ما يطرأ من أحداث ووقائع. بل إنَّ وجُود المثقف، بفكره، في قلب العاصفة، هو ما يمكنه أن يضبط إيقاعَ الأحداث، ويكون تأثيره فيها قوِيّاً، شريطةَ أن يكون لفكره مكان في طبيعة القرارات التي يَتَّخِذُها الحزب، أو تتَّخِذُها الدولة، سواء في إصلاح التعليم، بكل أسلاكه، أو في وضع البرامج والمُقرَّرات، أو في ما يتعلَّق بالشأن الثقافي والإعلامي، وغيرها من القضايا الشَّائِكة، التي طالما اعْتَمَدَتْ فيها الدولة على إطْفائِيِّينَ مِمَّن تُسَمِّيهم بـ «التقنوقراط»، أو «الخُبراء»، وهؤلاء، في أغلبهم، يعملون بدون فكر، وبدون وعي نظري، وبدون معرفة بالسياقات التاريخية والاجتماعية، أو هُم ليسوا مثقفين، بالمعنى الذي يجعل من المثقف صاحِب فكر و»بُعْد نَظَرٍ»، بتعبير سقراط.
لاشيء من هذا يَحْدُثُ في الواقع، لأنَّ المثقف، بطبيعته، مُزْعِج، وما يقترحُه من حلول لا يقبله الحزب، كما لا تقبله الدولة، لأنَّ فيه جُرْأة، ونوعاً من المُغامرة التي هي قَلْبٌ للِتّرَب، وهذا ما لا ترغب فيه الأنظمة التي تكتفي بالتُّربِ القديمة، وتعمل على حَرْثِها بنفس المحاريث، التي تكتفي بمُلامَسَة السَّطْح، دون النزول إلى قاع هذه التُّرَب، وإلى طبقاتها العميقة، والبعيدة.

تارودانت نيوز
صلاح بوسريف

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى