مقالات

حاجتنا إلى مفهوم المواطنة…


الخميس:02/10/2014
تصاعد النزعات الطائفية في بعض البلدان العربية ينذر بصراع جهالات من نوع خطير، صراع قائم على التعصب المذهبي والانغلاق الفكري وإرادة التنميط الثقافي والديني.
بدون شك، أن هذه «الثورة الطائفية» هي صناعة أجنبية لعبت فيها الدوائر الخارجية دورا أساسيا، لكن ذلك لم يكن لينجح لولا القابلية للانشطار الطائفي والتشرذم الحزبي..
في المغرب تقيم أسرة عراقية مهاجرة الأب رجل أعمال «سني» والزوجة ربة بيت «شيعية»، والأبناء نشأوا على قيم الإسلام الجامعة وليسوا مهتمين بتفاصيل الخلافات الفقهية المذهبية وهم منصهرون في البيئة المغربية التي تقدّر آل البيت وتحترم مقامهم، وفي نفس تجلّ الخلفاء الأربعة وتعتبر بأن الإسلام هو دين الله الواحد الذي أنزل على محمد عليه السلام، ولا زال محفوظا في القرآن الكريم والسنة الصحيحة.
حاجتنا اليوم لمفهوم عميق في الاجتماع السياسي للمسلمين، رغم غيابه عن التداول العلمي أو الفقهي، ألا وهو مفهوم المواطنة.
بعد مؤاخاة المهاجرين والأنصار بادر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى وضع النظام السياسي «الدولة»، وذلك بالاتفاق مع اليهود على أساس الانتماء المشترك للمدينة.
ويذكر(ابن هشام) في سيرته عن ابن (إسحاق) أنه قبل موقعة بدر الكبرى، وقبل أن ينصرم العام الأول من الهجرة، كتب النبي عليه السلام كتابا بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه يهود المدينة وعاهدهم، فأقرهم على دينهم وأموالهم.
وعرف الكتاب بالصحيفة، وقد تضمنت تنظيما للحياة الاجتماعية في المدينة وتحديدا للعلاقات بين أهل المدينة المسلمين واليهود بها، كما عملت على ترسيخ قواعد المجتمع الإسلامي الجديد بإقامة الوحدة العقائدية والسياسية والنظامية بين المسلمين، وتنظيم علاقته بغير المسلمين، وذلك بهدف توفير الأمن والسلام والسعادة والخير للبشرية جمعاء، مع تنظيم المنطقة في اتفاق واحد وسن قوانين السماح والتجاوز التي لم تكن معهودة في عالم مليء بالتعصب القبلي والبغض العقائدي والتعالي العرقي .
فقد نصت الوثيقة على اعتبار الدين أساسا للمواطنة في الدولة الجديدة التي قامت في المدينة المنورة، وأحلت الوثيقة الرابطة الدينية محل الرابطة القبلية، فعبرت عن المسلمين بأنهم أمة واحدة من دون الناس. وكلمة الأمة هنا ليست اسما للجماعة العربية القديمة التي تربطها رابطة النسب، بل هي تدل على الجماعة بالمعنى المطلق، فقد اتسع مدلول لفظ الأمة في هذه المرحلة المبكرة ليشمل العرب مسلمين، ووثنين، ويشمل اليهود المقيمين في يثرب أيضا، ومعنى هذا أن الإسلام أصبح ملكا لمن دخل فيه وعلى الرغم من أن الصحيفة تجاهلت نظام القبيلة وأدمجت كل طوائف المدينة في الأمة الإسلامية، إلا أن هذا الاندماج لم يتم إلا عن طريق القبيلة، فكأن القبائل دخلت الأمة بتنظيماتها القبلية القديمة.. وألقي على كاهل القبائل عبء دفع الديات.
كذلك أبقت الصحيفة على رابطة الولاء وما يترتب عليها من حقوق الموالاة، فلم تجز لأحد أن يخالف مولى دون مولاه. وبالإضافة إلى ذلك أباحت الصحيفة حق إجارة أي شخص غريب ولم يستثن إلا قريشا ومن نصرهم.
والأمة في هذه الصحيفة ترعى مبادئ حماية الجار ونصرة المظلوم…وإذا كانت الوثيقة قد حددت أساس المواطنة في الدولة على أساس الدين، فإنها لم تحصر هذه المواطنة فقط على المسلمين وحدهم، بل نصت الوثيقة على اعتبار اليهود المقيمين في المدينة من مواطني الدولة، وإن كانوا لا ينتمون إليها انتماء وثيقا كالمهاجرين والأنصار، لذلك لم تكن تقع عليهم نفس الواجبات ولم تكن لهم نفس الحقوق، وقد ألحق بعضهم بنص صريح انسجاما مع الروابط التحالفية بينهم وبين الأنصار، ووضع بند عام لكل من يتبع الأمة بعد ذلك منهم، ثم عزز هذا البند بتحالفات خاصة بعد ذلك: «وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه، وأن لليهود دينهم وللمسلمين دينهم». وبذلك تقر هذه الصحيفة مبدأ حرية العقيدة والحق في التعددية الدينية داخل نفس البلد، وتضعه موضع التنفيذ، وهذا المبدأ أقره بالإضافة إلى هذه الوثيقة القرآن الكريم في قوله تعالى (لا إكراه في الدين).
كما أبقى الرسول الكريم على بعض الأعراف القديمة، وهي الأعراف التي لا تتعارض مع تعاليم الدين الجديد وكان يتعامل على أساسها العرب قبل الإسلام، فقد نصت صحيفة المدينة على بعض وظائف القبيلة، ومنها الضمان القبلي داخل كل قبيلة أو طائفة من المهاجرين والأنصار، فأصبحت القبيلة مسؤولة مسؤولية تامة عن أفرادها في سرائها وضرائها، «على ربعتهم يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين». أي أن الإسلام أبقى بعض وظائف القبيلة التي تحمل معاني الخير والتعاون والبر ، وعدل ما كان فاسدا أو متعارضا مع مبادئه الأساسية. وهذا يعني مسؤولية الدولة الإسلامية الأولى مسؤولية كاملة عن مواطنيها كافة بعد أن انصهرت القبيلة والعصبية في بوتقة الأمة الإسلامية الجديدة، وتسامى أعضاؤها عن اتخاذ مبدأ العصبية مقررا في العلاقات بينهم كما ورد في نصوص الصحيفة.
هذه المعاني تجسدت اليوم في مفهوم المواطنة الذي استقر في العديد من الدساتير الحديثة، وهو يحيل من الناحية القانونية على طبيعة العلاقة التي توجد بين الفرد و الدولة، والتي تتجسد في جدلية العلاقة بين الحقوق والواجبات.
المواطن / الفرد له حقوق إنسانية يجب أن تقدم إليه وهو في نفس الوقت يحمل مجموعة من المسؤوليات الاجتماعية التي يلزم عليه تأديتها بحكم انتمائه إلى الجماعة، وهكذا فإن فكرة المواطنة تتأسس على محتوى ومضمون ثقافي يعلي من قيمة العيش المشترك والاعتراف بالآخر وتقدير الاختلاف بين الشعوب والثقافات والحضارات.
في القرن العشرين اتخذ مفهوم المواطنة منحى عنصريا في ألمانيا على يد النازية، وقد اعتبرت القوانين الألمانية آنذاك أن المواطن هو ذلك النابع من دم ألماني، واعتبرت كذلك أن ألمانيا وطن لجميع الألمان حيثما كانوا، واعتبرت الشعب الألماني فوق الجميع، ولم يكن إنكار حقوق المواطنة بمعيار العرق مقصورا على ألمانيا، بل تعدى ذلك إلى جنوب أفريقيا والولايات الجنوبية من الولايات المتحدة الأمريكية، حيث خضع الشعب الأسود لنظام التمييز العنصري، وأنكرت حقوق المواطنة له بناء على كونه أسود..
لكن هذه الانحرافات الفكرية التي تتعارض مع قيمة المساواة لم تصمد أمام تنامي الوعي بحقوق الإنسان والمواطن وتقدم ثقافة حقوق الإنسان..
اليوم نعيش في المنطقة العربية تراجعا حضاريا كبيرا يذكر البشرية بويلات الصراع العرقي والطائفي وينذر بحروب لا معنى لها سوى صراع الظلم والجهالات..
حاجتنا إلى تعميق مفهوم المواطنة وتبيئته في تداولنا السياسي انطلاقا من تراثنا المشرق في حضارتنا العظيمة..

تارودانت نيوز
د. عبد العلي حامي الدين
القدس العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى