مقالات

لماذا تعتبر السعودية المشاريع السنية أكثر خطرا من نظيرتها الشيعية؟


الخميس :02/10/2014

لا تشكل المشاريع “الشيعية” مثل هذا الخطر الذي تمثله مشاريع الإسلام السني لدى المملكة وإن كان كليهما يصنف في خانة الخطر، حيث أن المشاريع الشيعية هي بالأساس مشاريع “أقليات” في المناطق السنية الواسعة وقلما تكتسب مشروعية “شعبية” كونها مغايرة لأساس المعتقد السني وهويته، وبالتالي يُنظر للشيعي في العقل الجمعي السني على أنه “آخر” وليس من نسق واحد، بل هو نسق تنافسي تصارعي تاريخي يرى كليهما في الآخر عدوا، وتضخم الخطر والمد الشيعي يزيد من أسهم المشروعية في الداخل السعودي حيث تلوح المملكة دوما بأنها حامية الإسلام السني وبالتالي كلما زادت مساحات الخوف الداخلي من التشيع كخطر داخلي وخارجي كلما زادت اللحمة الوطنية حول شرعية النظام السياسي الداخلي، ولطالما وظف النظام السعودي مشاكل الشيعة في المنطقة الشرقية لتكثيف رسم صورته كحامل اللواء السني في مواجهة الخطر الإيراني، إلا أنه وبعد ظهور خطر الإسلام السياسي في مصر وغيرها باعتباره حركة حيوية ستنتقل طال الوقت أم قصر لمحيطها الإقليمي في حال نجاح التجربة و اكتساب مشروعية “الإنجاز”، وتلاقي “إيران” و”السعودية” في توصيف النظام الجديد في مصر بأنه خطر على كليهما، اتفقت الدولتان لأول مرة على مباركة ودعم إزاحة الإخوان عن هرم السلطة في مصر كون هذا المولود الجديد يشكل خطرا على مشاريع كليهما ، حيث لم تتلاق رؤية مصر وإيران في الملف السوري وكذلك لم تتلاق رؤية المملكة لمستقبل المنطقة مع استمرارية وجود الإخوان .

كذلك مع تضخم الملف السوري وخروجه خارج إطار السيطرة وانتقال شظاياه إلى العراق أصبحت السعودية ترى الخطر داهما أمامها في نموذج داعش و بنيتها البشرية حيث تعتمد بشكل رئيسي على السعوديين والمصريين كعنصر بشري بجانب جنسيات أخرى متعددة و مع مركزية “تجاوز الحدود” و إقامة المرجعية الإسلامية في دولة سنية سلفية أصبح خطر المرجعية الذي كان يمثله الإخوان متمثلا بل يزيد في داعش ونموذجها حيث تنطلق داعش من إقامة دولة خارج النطاقات الوطنية القديمة وببنية خلاف البنية الحديثة للدولة، كذلك تنطلق من مفهوم متمركز حول القوة الموظفة لا لخلق بيئة الفوضى كما في المنظومات الجهادية القديمة، بل في خلق نظام جديد منافس للأنظمة الإقليمية ويراها بالأساس خصمه الرئيس و المباشر، وبالتالي تلاقت الرؤية السعودية مع الإيرانية في ذات الوجهة وهو التلاقي الثاني في السياق الإقليمي.

مؤخرا شكل الملف اليمني أحد أهم الحلقات في سلسلة التفاهمات الضمنية السعودية – الإيرانية، فبعد إزاحة إخوان مصر وخطرهم و كذلك إفشال التجربة السياسية للإسلاميين في الكويت وتعاون الكويت مع الشيعة وإيران لإحداث توازن سياسي ومجتمعي ضد الإسلاميين، و تراجع الدور السياسي لإسلاميي تونس مقابل تهدئة هشة للاشتباك السياسي هنالك، كانت اليمن هي آخر المحطات التي مازال “الإخوان” يشكلون فيها عصبا رئيسيا للحياة السياسية، فإخوان اليمن متغلغلون مجتمعيا وقبليا ولهم منظومة ولاءات عسكرية وهم جزء من مشروعية النظام السياسي في اليمن بعد الوحدة فهم أحد أهم عناصر الوحدة اليمنية وقد خاضوا الحرب بسلاحهم ودمائهم لضرب الانفصال و توحيد اليمن وكان مركزيتهم تضرب بأطنابها في الحياة السياسية اليمنية حتى بعد أن أنقلب عليهم علي صالح بعد بروز ملفات الحرب على الإرهاب وطموحات ولده في السلطة، فقد كان الإخوان هنالك يمتلكون وزارات كالمخابرات والدفاع وغيرها من ملفات ثقيلة لم تكن لأي فصيل إخواني في أي دولة أخرى.

لم تكن المملكة ترى فيهم هذا الخطر الكبير حيث كانت هي الأخرى تمتلك حصة في التوازنات والتفاهمات داخل اليمن و كانت ترى في الحراك الحوثي في الشمال الخطر الأكبر وقتما كانت إيران تمثل العدو الأول للمملكة في سلوكها السياسي الخارجي، وقد مولت المملكة حروب اليمن ضد الحوثيين بل وخاضت بنفسها حربا مباشرة ضد الحوثي، لكن بعد بروز خطر الإسلام السياسي و”الإخوان” بخاصة وإمكانية تحول المملكة إلى دولة محاصرة بالإسلام السياسي من جوانبها فمصر واليمن والأردن وفلسطين كلها تعج بذات المرجعية الحركية وبإمكانها في لحظة من الزمن وتمكن النظام الإخوان في مصر أن تتحول لمنظومة خطر، أصبح في ضوء كل هذا “الإسلام السياسي” هو الخطر الأول، توجهت المملكة حينها إلى اعتبار التجمع اليمني للإصلاح “الإخوان” هو الخطر الأكبر في الجنوب، وحاربت بجوار حليفتها “الإمارات” لإعاقة المسار السياسي في اليمن وحصاره من كل الجهات وشراء ذمم الجيش والقبائل في محاولة للالتفاف على عملية الانتقال السياسي، إلا أن تكرار نموذج كنموذج الانقلاب المصري متعسر بسبب اختراق الإخوان للجيش كذلك بسبب البنية المهتلهلة للقوة العسكرية وتشتت ولاءاتها، لذلك كان الطريق الوحيد لتكرار هذا النمط هو الاعتماد على القوة العسكرية الأهم في اليمن وهو جيش الحوثي، وتكررت زيارات الحوثيين للإمارات و تطورت معها تحركاتهم في اليمن إلى أن وصلوا إلى صيغة توازنات تحفظ مصالح الجميع في اليمن، فعلي عبدالله صالح وحزبه سيمثل مصالح كلا من السعودية والإمارات و الحوثي سيمثل مصالح إيران وسيحدث التعاون لإسقاط مركزية الإخوان وآل الأحمر ثم تدبر “الاتفاقية” ترتيبات مراكز القوة الجديدة.

وهكذا دخل الحوثي صنعاء وسط صمت سعودي وترحيب إماراتي، بل حتى تصريحات المعلقين السعوديين كانت ترحب بالوضع الجديد في اليمن باعتبار أن الحوثي هو ابن النسيج الوطني اليمني وعلى اليمن تجاوز خصوماته القديمة، ولكن لم تصمد هذه الصيغة طويلا فطموحات الحوثي أكبر من أي اتفاق؛ كذلك طموحات إيران وإن كانت صيغ الصراع قد تغلب صيغ التوافق، إلا أن المملكة وللمرة الثالثة تتفق هي وإيران استراتيجيا في إقصاء الإسلام السياسي كخصم شريك لكليهما، ويتضخم لدى الإسلام السياسي والجهادي ومؤيدوه الوعي بكون المملكة الخصم الرئيسي لهما في المنطقة، ولهذه الرؤية انعكاسات على السلوك والتصورات ربما ستظهر على المدى القريب.

وفي ضوء تطورات الحرب ضد داعش والنصرة وحركات “الجهاد السني”، تندمج يوما بعد يوم السعودية وإيران في التوافق حول مثل تلك الملفات وتتزايد فرص التفاهم بينهما على أرضية الشراكة في حرب التطرف والإرهاب كما يسميانها، وبهذا تتحول المملكة إلى العدو الأول لحركات الإسلام السني إقليميا بجوار إيران وإسرائيل وتقود حلفا عربيا لمواجهته ودعم الأنظمة العسكرية والأمنية ضده.

تارودانت نيوز
ج -المسلمون

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى