مقالات


نصيحة للتلفزيون المغربي: «يسروا ولا تعسروا وبشّروا ولا تنفروا»!

بين الفينة والأخرى، نجد بعض المسؤولين الحكوميين المغاربة يظهرون من خلال التلفزيون الرسمي، ليتباكوا مستنكرين «الحملات المغرضة» التي تتعرض لها البلاد من طرف الخصوم. ويبدو أولئك المسؤولون بمثابة العاجزين الذين لا حول لهم ولا قوة سوى استدرار عطف الأصدقاء الأجانب، وفي الوقت نفسه السعي نحو تحفيز المشاعر القومية لدى المواطنين تجاه وطنهم.
والواقع أن هذا السلوك قد نتجت عنه صورة عكسية تماماً، كما لو أن البلاد هشّة لدرجة أن مجرد حصاة صغيرة ترميها يد مغرضة قد تهدم أركانها الراسخة. كما أنه يترجم حالة القصور التي تعتري أهل الحل والعقد في مجال الاستثمار الأمثل لوسائط الاتصال المختلفة، ومن بينها طبعاً التلفزيون؛ ذلك أن المسؤولين الحكوميين المغاربة يكتفون برد الفعل فقط، دون أن ينتقلوا إلى الفعل المطلوب، لأنهم يوجّهون سهام النقد لبعض وسائل الإعلام الأجنبية التي تقدّم معطيات مغلوطة وآثمة عما يجري في المغرب، ولكنهم لا يتساءلون مع أنفسهم: لماذا لا يكون لدينا نحن إعلام مسموع ومرئي، قادر على نقل الحقائق وتنوير الرأي العام المحلي والدولي بكل موضوعية وبلا ديماغوجية؟
فالقنوات المحلية الأكثر مشاهدة، هي قنوات عامة، تقدّم كل شيء تقريبا، من الطبخ إلى الرياضة، مرورا بالمسلسلات والأفلام والسهرات الفنية وبالنزر اليسير من الثقافة والأخبار والوثائقيات. وهي، في توجهها، مسكونة بهاجس إرضاء المعلنين التجاريين الذين يضخّون تلك القنوات بالأموال مقابل الدعاية لمنتجاتهم. وحين تنجز المادة الخبرية تكيّفها بكثير من الطابع الرسمي الاحترازي، عملاً بالمثل الشائع: «كم حاجة قضيناها بتركها!». والنتيجة: حُزمة أخبار تُشبه ما تبقى من عشاء البارحة، لا طعم فيه ولا مذاق.
الحكومة في بلاد المغرب لا تملك قرارا شجاعاً إزاء التلفزيونات الرسمية، ولا توضّح موقفها المضبوط حول ما تنتظره منها، هل تريدها أداة لتمرير خطاباتها وترديد معزوفة «قولوا العام زين» فقط؟ أم تريدها وسيلة للإخبار الصادق والتثقيف المفيد والترفيه الراقي؟ وهل تترك الحكومة تلك التلفزيونات رهينة بين أيدي المعلنين يفرضون أذواقهم واختياراتهم البرامجية وفق مقولة «هذا ما يريده الجمهور»؟ أم تعمل على ضخها بالاعتمادات المالية الكافية والكفيلة بتحقيق مفهوم «الإعلام المواطن»؟
ومن ثم، تبدو التلفزيونات الرسمية عاجزة عن مواجهة الهجمات المتتالية التي تستهدف المغرب والمغاربة، والصادرة أحياناً حتى من تلفزيونات تنتمي إلى «العالم الثالث» («العالم الثالث» تجاوزا) مثل بعض القنوات المصرية التي تخصصت في شتم أهل المغرب الأقصى خلال الآونة الأخيرة.
من العار ألا يتوفر المغرب لحد الآن على قناة إخبارية واحدة، لا تستنسخ نشرات باقي القنوات، وإنما تنجزها بكثير من الحرفية والجدية والمصداقية. وأخوف ما نخاف منه أن تعجّل الحكومة بإحداث قناة إخبارية متخصصة، لكنها في النهاية تكون شبيهة بجل القنوات الموضوعاتية (الثقافية والرياضية وقناة الأفلام…) التي وُلدتْ حاملة أسباب فشلها معها، فكانت النتيجة أن وجودها أشبه بعدمها.

الحلقة الناقصة في حملة المغرب ضد الإرهاب

احتفتْ وسائل الإعلام المحلية بالتقرير الذي قدمه المغرب أخيراً في الأمم المتحدة، والذي يستعرض جهوده في مكافحة التطرف والإرهاب. وإذا كان مفهوما أن يتم تخصيص الحيز الأكبر من ذلك التقرير لإنجازات الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، فإن الحلقة الناقصة في ذلك التقرير هو الإعلام، ولا سيما المرئي والمسموع منه. فالجميع يعلم ـ بدون شك ـ أن التطرف والإرهاب المتستران وراء فهم مغلوط للدين ليسا مجرد أفعال إجرامية لترويع المجتمعات والدول، ولكنهما أيضا فكر وإيديولوجيا ولنقل على الأصح «ديماغوجية»، فكر ينتعش في بيئة الجهل والتخلف والتسلط، حيث لا تقوم المؤسسات المعنية بدورها المنوط بها كما ينبغي، ونقصد هنا ـ في الحالة المغربية ـ مؤسسات: الإعلام والثقافة والتعليم والشؤون الإسلامية والمجلس العلمي الأعلى وفروعه المحلية.
وحيث إن التطرف الذي ينتج عنه الإرهاب يعدّ نتيجة لفهم قاصر ومغلوط للمتن الديني الإسلامي، وحيث إنه ينتشر بين الأوساط الشعبية بالخصوص، من خلال «عظات» و»دروس» بعض أدعياء العلم والفقه، وأيضا من خلال الأسطوانات المضغوطة والكتب الصفراء وعدد من القنوات المشرقية المتخصصة في إشاعة الفتن بين الناس؛ فإنه ـ في المقابل ـ لا نجد استنفارا للقنوات التلفزيونية العمومية بالمغرب، من أجل تخصيص حصص للتوعية الدينية ولنشر القيم التي يدعو إليها الإسلام الحنيف والمتمثلة في الوسطية والاعتدال والتسامح وغيرها.
إنها مسؤولية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وكذلك المجلس العلمي الأعلى اللذين يُعوَّل عليهما كثيرا وفي هذا الظرف بالذات، من أجل إنقاذ طائفة من الشباب المغربي من الأفكار الهدامة، عبر برامج مكثفة يقدّمها علماء متخصصون في ذروة المشاهدة التلفزيونية وبلغة تواصلية بسيطة وفي متناول الجميع، عملا بالمبدأ النبوي: «يسروا ولا تعسروا وبشّروا ولا تنفروا». فهل من آذان صاغية؟

«بدعة» تلفزيونية تولّد الاجترار والتكرار

مَن هذا الخبير الفطحل النحرير الذي ابتكر بدعة تجميع أغلب الأعمال التلفزيونية الجديدة، وتقديمها خلال شهر واحد في العام: رمضان المعظم؟ والواقع أن هذه البدعة صارت قاعدة يعمل بها التلفزيون المغربي، ويحرص على أن يكون وفياً لـ»فلسفتها الخلاقة». والذي يشاهد جل القنوات المغربية هذه الأيام، يفاجأ بحالة التكرار والاجترار التي تسم أغلب الأعمال التلفزيونية من برامج ومسلسلات وأفلام، دون أن يفكر واضعو البرمجة في مدى ملاءمة تلك الأعمال مع الزمن والوقت والأحداث. ومن المثير للســخرية أن برنامجاً ثقافياً أُعيد تقديمه قبل بضعة أيام، استضاف مدير أحد المهرجانات الفنية الذي تحدث عن محاور الدورة «المقبلة» من المهرجان، والحال أن المهرجان أقيم قــــبل نحو أربعة أشهر. ألم يدر مسؤولو البرمجة أنه لا معنى لإعادة تقديم برنامج صارت مــادته الخبرية متقادمة ومتجاوزة؟

تارودانت نيوز
الطاهر الطويل
القدس العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى