الأخبارفلسفة و أدب

3 صحف مصرية أمام اختبار استعادة دورها في الحياة الثقافية


العدد الأخير من مجلة «الهلال»

الثلاثاء 27 ذو الحجة 1435 هـ – 21 أكتوبر 2014 مـ
image
غلاف جريدة {القاهرة}

تاريخ طويل من المد والجذر، والصعود والانكسار، قطعته المجلات الثقافية في مصر، بلغ ذروته في الستينات من القرن الماضي، من حيث الكم والكيف، الذي شهد باقة متنوعة من المجلات الثقافية استطاعت أن تقدم وجبة دسمة لجمهور المبدعين والقارئ المتذوق العادي، في السينما والمسرح والقصة والشعر والفن، وقضايا الفكر الإنساني والثقافة بشكل عام، كما استطاعت هذه المجلات في تلك الفترة أن تشكل امتدادا حيا لجذورها القريبة والبعيدة، مثل مجلة «روضة المدارس المصرية» التي أسسها رفاعة الطهطاوي عام 1870. لينقل من خلالها الثقافة الأوروبية، التي عاشها خلال بعثته في أوروبا إلى القارئ المصري والعربي.

وتقاطعت هذه المجلات مع عدد من المجلات المهمة صدرت في خضم الحرب العالمية الثانية، من أبرزها «التطور» لأنور كامل 1940، «المجلة الجديدة» التي كان يصدرها المفكر سلامة موسي، ثم أصبح رمسيس يونان رئيسا لتحريرها عام 1943. وقد أفردت مساحات أكبر للفنون التشكيلية، ثم مجلة «الكاتب المصري» لطه حسين في عام 1945. كما شهد مخاض الحرب العالمية الثانية صدور 3 مجلات مهمة في تاريخ الحياة الثقافية المصرية والعربية، وهي مجلة «الرسالة» لأحمد حسن الزيات في عام 1933، و«الثقافة» لأحمد أمين في عام 1934، و«أبوللو» 1932، التي أسسها الشاعر أحمد زكي أبو شادي.

ربطت هذه المجلات قضايا الأدب والفن والفكر بالمجتمع، ودافعت عن حرية الرأي والتعبير، ورفضت التبعية لنظام الحكم، وكانت صوتا معارضا للاستبداد السياسي، وحفرت ركائز أساسية لأفكار التنوير والتأصيل والتغيير، وشكلت منابر حقيقية للكتاب والأدباء والشعراء في تلك الفترة، كما كشفت عن الكثير من المواهب الطليعية في شتى مناحي الإبداع.

ومع بداية حقبة السبعينات، بدأ نجم هذه المجلات في الأفول والانحسار، وطغت هزيمة 1967 العسكرية على مجريات الحياة في مصر، ووضعت النكسة المثقفين والمبدعين على المحك أمام سؤال الهوية بكل تبدياته الملتبسة، وكان لا بد من البحث عن صيغة لوضع المثقفين في خندق السلطة، لمواجهة هذه الهزيمة، وبوصف هذه المواجهة خيارا ثوريا وحيدا يتضمن ضمنيا الإجابة عن سؤال الهوية الشائك.

لكن، مع ذلك، جرى البطش بالمثقفين والكتّاب المعارضين للسلطة آنذاك، ومطالبتهم بمحاكمة المسؤولين عن الهزيمة. وعلى أرض الواقع أسفر هذا المناخ عن إغلاق وتصفية عدد من المجلات المحورية، كان أبرزها مجلة «الطليعة» صوت اليسار المصري، التي كان يرأسها الكاتب اليساري لطفي الخولي، كما جرى السطو على مجلة «الكاتب» ذات الطبيعة الاشتراكية التقدمية التي كان يرأسها الكاتب أحمد عباس صالح، وتحويلها إلى مجلة أدبية برئاسة الشاعر صلاح عبد الصبور. وكلتا المجلتين تصدر عن مؤسسة حكومية؛ الأولى عن مؤسسة صحيفة «الأهرام»، والثانية عن وزارة الثقافة.

خيمت أجواء هذا المناخ المعادي للثقافة على حقبتي الثمانينات والتسعينات، حتى إن البحث عن نقطة توازن بين التبعية الكاملة أو التناقض أو الصراع مع السلطة، كان بمثابة تهمة تصم المثقفين بالتميع والانتهازية، ومحاولة إرضاء كل الأطراف، التي تكرسها سياسة «مسك العصا من الوسط».. وفكريا، برزت قضايا الفن للفن، والعلم للعلم، والعودة للجذور الثقافية في تراثنا المحلي، ومراعاة قيم المجتمع وأعرافه وتقاليده، بل إن الإبداع الرفيع أيا كان، مسرحا أو شعرا أو رواية، أو قصة، أو فيلما سينمائيا أو فنا تشكيليا، اتهم بالغموض واحتقار وعي الجماهير العريضة.

وباستثناء مجلتي «إبداع» في فترة رئاسة الدكتور عبد القادر القط، و«القاهرة»، في فترة رئاسة الدكتور غالي شكري، لم يكن ثمة نافذة ثقافية تُذكر في البلاد، خلال فترتي الثمانينات والتسعينات، ورغم دورهما النشط، فإنهما لم تتمكنا من سد الفراغ الثقافي، وحين توقفتا وتغير مسارهما برحيل الرجلين خلت مصر تقريبا من مجلة ثقافية حقيقية، فتكلست «إبداع» على يد مجلس تحرير رأسه الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، وأصبح مقياس النشر فيها يخضع في المقام الأول لذائقة مجلس التحرير نفسه، على عكس رحابة الدكتور القط، الذي أنشأ بابا خاصا بالمجلة سماه «تجارب»، أصبح سجلا للتجريب والحداثة الشعرية، كما تحولت مجلة «القاهرة» إلى صحيفة أسبوعية برئاسة الكاتب الصحافي صلاح عيسي، لكنها ظلت بمثابة عين لوزارة الثقافة أولا، تفسح المجال لكتبتها وسدنتها، ثم الحياة الثقافية ثانيا، وعلى استحياء بعيدا عن الدخول في معارك حقيقية يفرزها الحراك الثقافي وحركة الإبداع، وهو ما جعل الكتاب والمثقفين الجادين ينصرفون عنها.

وفي مسعى لاستعادة مجلات وزارة الثقافة دورها المفتقد في الحياة الثقافية، وجذب المثقفين والمبدعين للالتفاف حولها، ولتصبح نبضا حقيقيا لواقع مجتمع خاض ثورتين خلال السنوات الـ3 الأخيرة، أصدر الدكتور جابر عصفور وزير الثقافة المصري قرارا بتولي الكاتب الصحافي الشاعر سيد محمود رئاسة تحرير صحيفة «القاهرة» الأسبوعية، لكن مشرط عصفور الإصلاحي أبقى على الكاتب الصحافي صلاح عيسى في منصب رئيس مجلس إدارة الصحيفة، وهو ما أثار انتقادات جمة في أوساط المثقفين، الذين تضافروا مع الصحيفة في ثوبها الجديد برئاسة محمود، بل راهنوا على أنها ستشكل إضافة حقيقة للثقافة المصرية.. ونجحت الصحيفة في هذا الرهان مع أول عدد جديد يصدر منها، محققا أعلى عائد توزيع لها على مدار تاريخها، وهو ما أشار له سيد محمود نفسه، في متابعته لمنافذ التوزيع في القاهرة والأقاليم.

وصف محمود مهمته الجدية في افتتاحية هذا العدد بـ«الشاقة»، واختتمها قائلا: «لكن ليس أمامنا سوى خيار المغامرة والتمسك بنور الخيال».. وحفل العدد بموضوعات ونصوص وتحقيقات وشهادات تؤكد روح المغامرة والحداثة والتجريب.

وفي مجلة «إبداع»، اتسم مشرط الوزير عصفور بروح ثورية، حيث أطاح بمجلس تحرير المجلة القديم برئاسة الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، وأصدرا قرارا بتولي الكاتب والقاص الروائي محمد منسي قنديل رئاستها، وكذلك تولي القاص الشاب طارق إمام مسؤولية مدير تحرير المجلة، على أن تصدر بشكل شهري كما كانت في السابق. وكانت مجلة تحولت إلى مجلة فصلية نظرا لتدهور أوضاعها وتدني أرقام توزيعها.

يكمل هذا المشهد الذي يراه كثير من الكتاب والمبدعين بمثابة صحوة ثقافية تولي الكاتب الروائي الصحافي سعد القرش مسؤولية تحرير مجلة «الهلال» الشهرية، وهي واحدة من أقدم المجلات الثقافية في مصر، أسسها جورجي زيدان في عام 1892، ومن ضمن إصداراتها «روايات الهلال»، التي تصدر بشكل شهري، وتُعد سجلا للأدب الروائي الرفيع سواء في نسيجه المصري أو العربي أو العالمي. وأيضا عانت «الهلال» طيلة السنوات الماضية من رؤساء تحرير لا علاقة لهم بالثقافة والإبداع بمعناهما الحقيقيين، حتى تحولت إلى مجرد قالب فارغ من القيمة الفكرية والإبداعية في شتى المستويات.

دشن القرش هذا المعنى الحقيقي عن علاقة الإبداع بهموم الوطن، في افتتاحية عدد «الهلال» لشهر أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، قائلا: «مصر كبيرة، ولا يكاد قارئ تاريخ مصر يصدق أنها ما زالت تحيا، بعد قرون من الاستعمار والاستنزاف. لا يدرك هذه الحقيقة كثير من أبنائها، بمن فيهم المرضى بالشوفينية. بعد جمعة الغضب 28 يناير 2011 كان العرب، في بلادهم وفي المنافي، يرون جوهر مصر التي يحلمون بها (مصرهم) القادرة على صنع المستحيل، الناهضة من رماد الموت».

تارودانت نيوز
جمال القصاص/ الأناضول

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى