مقالات

أعلى قمم الفساد العربي: من تحرر الأوطان إلى مغامرات امتلاكها..


الأحد:26/10/2014
في أصل الفساد أن الناس يفهمون من لفظه أنه يعني الرشوة التي تعني بدورها الإستيلاء على أموال غير مشروعة وتكون مساحتها المفضلة هي الدولة كأجهزة إدارية ونخب حاكمة. هذا هو المنشأ الطبيعي والأول للفساد، وقد يبدأ سلوكاً عابراً ويحققه أفراد، قبل أن يتطور إلى ظاهرة جماعية. في طورها الأول يحرص متعاملو الفساد أن تكون أفعالهم خافية ومحجوبة عن المجال العام، لكنها في حال تحولها إلى ظاهرة فلن تهتم بطاقية الإختفاء والتواري ليس عن أنظار المتطفلين فحسب، أو المراقبين الرسميين، بل عن أعين عامة الناس.
أمراض الإرتشاء لا تكاد تخلو من أعراضها أية بروقراطية حاكمة في هذا العصر. هذا ما تؤكده أبحاث ميدانية ودراسات إحصائية جامعية ودولية متداولة. وبالطبع تتقدم دول العالم الثالث إلى الصفوف الأولى من حيث قابليتها «الطبيعية» لتلقي هذه الأمراض، وتحويلها إلى أوبئة اجتياحية لمؤسساتها جميعها. وقد يتفوق عالمنا العربي على أنداده في انتاج أرقام قياسية بمعدلات اللصوصيات في مختلف أنواعها القديمة الموروثة والحديثة المكتسبة. ولا بأس من المجازفة بالقول أن فساد الدولة العربية قد فاق كل أندادها من دول الفقراء الشرقيين والأفارقة بخاصة. ولا بأس هنا من ترداد معزوفة أن الدولة العربية لا تزال ترفض التمييز بين مالك السلطة وحاكمها. خاصية التملك هذه هي التمييز الموضوعي والتاريخي لنشأة الدولة العربية، وتطوراتها خلال مرحلة الاستقلال. فهذه البنية الفريدة تفرض تصحيح مصطلح (تحرر الأوطان) إلى المصطلح المسكوت عنه: تملّك الأوطان. ولقد عانت نهضة الاستقلال الوطني المعاصرة العربية، من تمارين شاقة ورهيبة لجولات هذا المصطلح، بل يمكن للفكر السريع أن يحكم أن هزائم هذه الجولات كان مرجعها الفاضح غالباً هو سقوطها العاجل في شبكيات الارتزاق الفئوي بل الفردي والشخصي. صحيح أن جولات السياسة إبان هذه التجربة الإستقلالية كانت محملة بأثقال من أيديولوجيات عصرها، صحيح أنها كانت تخترع جسوراً وهمية بين الأفكار (الثورية) والوقائع الشوهاء والمتمردة على التعقيل المجدي، إلا أن هناك حزمة أخرى من العوامل المتوارية التي يمكن الرمز إليها بالمصالح الآنية للنشطاء والمستحوذين على ما كان يسمى بقيادة المرحلة ، هذه الحزمة ستكون لها الكلمة الفاصلة وحدها إزاء مفهوم المنعطفات التاريخية.
آنذاك لم يكن العالم العربي متقناً لفنون التجارة العصرية. كانت الانقلابات وأشباهها الثورات هي بضائع تلك الأزمنة. وعندما تطورت هذه الحركات الفوقية فوق أكتاف الجماعات لتصبح أفعالاً جماهيرية، كانت إرادات الأفراد أسرع في التقاط الأيديولوجيات (البضائع)، وتحويلها إلى ثروة فاعلة، من مناصب ومراكز قوى ومصالح سرية لإنتاج شبكيات يومية حية من فنون التسلط والابتزاز والاغتصاب وهتك الكرامات. فالفساد ليس في سرقة الأموال العامة فقط. لم يكن لمثل هذا الوباء أن ينتشر لو لم يسبقه الفساد السياسي؛ فاللصوصية السائدة، لا قوة لها ذاتية إن لم يحمها سلفاً نظام سياسي حاكم متمتع بالقدرة المطلقة على تعطيل فاعلية الرقابة والمعاقبة القانونية. ذلك أن اللصوص لا يستبيحون أموال الناس وأملاكهم إن لم يكونوا مطمئنين إلى أن السلطة قد استباحت من قبلهم حقوقَ هؤلاء الناس وحولتهم إلى مجرد ضحايا مستكينة لضعفها فحسب.
فالفساد الاقتصادي ليس هو الوجه الآخر للفساد السياسي، بل هو عينه جوهر الفساد السياسي. ذلك أن تحريف مبدأ الصراع على الحكم إلى مجرد صراع على التملّك أعفى المسؤولين عنه من كل مسؤولية وطنية قبل المسؤولية الأخلاقية. فالمتاجرة بأهداف الأوطان والتلاعب بمصائر المواطنين ومؤسساتهم الحقوقية هو التهديد الأكبر لمصطلح الأمن الإنساني لكلية المجتمع. ثم يصير هذا التهديد مصدراً فائضاً بالمبررات والتسويغات الزائفة لحرمان المجتمع من أمنه الاقتصادي معطوفاً على تجريده من أمنه السياسي.
من هنا لا جدوى لمطالب عابرة تنادي بإصلاح الفساد. فليس هو مرضاً عرضياً، ولا يمكن عزله هكذا في بيئته المباشرة. فإن دولة لا يمتلكها مجتمعها دستورياً أولاً لن تكون جديرة بمرجعية حقوقية تؤمّن حماية طبيعية لمصالح شعبها. أي أن الدولة التي تنخرها يومياً صفقات الزبونيات المتسلطة على مواردها الأصلية. لن تمارس إصلاح نفسها بنفسها. لن ينتحر الفساد بأعطاله المتراكمة وحدها، وإن كانت تساهم واقعياً في تدمير مناعته تدريجياً. وعلى هذا الأساس فإن الدول المتقدمة لم تعد تثق بثقافة الإصلاح ودعواته، وإن كانت تتعاطى شيئاً من ثقافته في أنديتها الفكرية؛ حتى تكاد بعض طلائعه الشابة تتطلع إلى أبجديات الثورة باعتبارها هي الجديرة وحدها بتركيب اللغة القادرة على إعادة فهم جذرية لمصاعب التقدم، وذلك بعد أن تراكمت في طريقه سدود كتيمة من العجز عن اجتراح حلول جديدة لإصلاح أجزاء من الكل. وهو الأمر الذي أدركه كثيرون من مثقفي النهضة العربية خلال العقود الأربعة والخمسة الأخيرة، مع الفارق الكبير بين نموذجي الإجتماع العربي والإجتماع الغربي.
فالنهضة التي تنازعتها دائماً أفكار وتنظيمات وحركات مع الثورة، أو ضدها ومع الإصلاح أو ضده، هاهي تخرج صفر اليدين من نوعي هاتين المعركتين الكبيرتين معاً. تكاد تتراجع إلى المربع الأول حيثما كان شعار «الواقع الفاسد» هو الإسم الجامع المانع لأحوال التخلف العربي، وذلك في حال الإنتقال من مرحلة الإحتلال الأجنبي إلى التحرر الاستقلالي. هذا بالرغم من أن الإنتقال الأول كان مفعماً بالمطامح الكبرى المؤيَّدة بثقة مطلقة في استعادة العرب لوحدتهم الحضارية الكاملة. فلم يكن جيل الاستقلال يتسلّم من الإنحطاط مجرد نفايةِ أمةٍ.. كانت النفاية حاضرة في كل ما هو ظاهر لحواس الإنسان. ومع ذلك رفض الجيل صورة الظاهر، تَطَلَّع إلى عمق الصورة. رأى أمة شابة عريقة تجاهد لتحطيم العقم القديم. لم يكن عليه أن يتعامل أبداً مع عجوز شمطاء، بل كان يحاول أن يغسل عن وجهها وعثاءَ الزمن. أن يطرد ما علق بأذيالها من حشرات العتْق والموت. كان عليه أن يعيد اكتشاف العذراء البيضاء الطاهرة تحت جلد الشيخوخة النَخِرة.
كانت «النهضة» تقر « بالواقع الفاسد» لكي تقهره. تعترف به ولا تنكره. فما دامت قادرة على تسميته، على التدليل عن ظواهره، فلا بد أن تفضح مناوراته ودسائسه.. مثل هذه الأفاعيل لن تكون انتصارات نهائية تنضاف إلى رصيد الفساد العام وكأنها في الوقت عينه تزيد من رصيد الهزائم في جعبة التجارب الهنضوية الخائبة. كأنما معارك الحرية في هذا العصر، لم يعد لها من مغزى أنطولوجي، سوى تأكيد وجود أعدائها. وفي كل منعطف قادم لمعركة حرية آتية لن يكون لها من هدف مباشر سوى إنتاج شر جديد آخر، ضدها.. عليها أن تكتشف في ذاتها الإمكانية القادرة على مكافحته.
ثورات «الربيع العربي» محصوُلها هو أرهبُ جيل آخر من الفظائع. فهل هو « الربيع» الذي أنتج هذا الهول، أم أنه هو فضيحته الكبرى، هو الربيع الذي يكشف الشرور الأفظع الخبيئة وراء سُجُف ظواهر الفساد الزائفة. هو الذي يضع أمام «النهضة» عدوَّها الحقيقي.. هو الذي يفرض عليها أن تكون أهلاً لتحمل أعباء التحدي. لم يعد «الشر المحض» خبيئاً وراء التاريخ، بات مقذوفاً به أمام النهضة، هي معركة كبرى لمواهب الحرية الأصيلة.. وعلى النهضة أن تتقبل التحدي لكي لا يتبقَّى في مجتمعها الجديد من حاكم آخر سوى قانونها وحده يوماً ما../القدس العربي

تارودانت نيوز
مطاع صفدي
٭ مفكر عربي مقيم في باريس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى