مقالات

ذكاء جماعة العدل والإحسان


3 نوفمبر 2014
يصدق على حكومة عبد الإله بنكيران في المغرب المثل المغربي “خلاها معلقة، لا هي مزوجة، ولا هي مطلقة”. ولمزيد من الشرح لإخواننا المشارقة، فقصة المثل أطلقته والدة فتاة مغربية، لما سألتها جاراتها عن حال ابنتها المخطوبة، والتي طال الأمد ولم تزف بعد، وأصبحت رهينة محبس البيت، فكان أن أجابت، بحرقة الأمهات، إن الزوج المنتظر سافر ولم يعد، وأهله زهدوا في السؤال عن مخطوبتهم، وبالتالي، أصبح مصير فتاتها معلقاً، لا تعرف رأسها من قدميها، فلا هي متزوجة، ولا هي مطلقة.
والمثل يردد كثيراً في محاكم الأسرة في المغرب، ويعرف مرارته العميقة والجارحة القاضي والمحامي والقاصي والداني.

السبب الأول ارتفاع معدلات الطلاق في البلاد كما تبين ذلك الإحصائيات الرسمية، بفعل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالاستقرار الأسري، وهذه النسبة لم تتراجع في حكومةٍ نصف إسلامية، يقودها العدالة والتنمية.
والسبب الثاني أنه في ظل استحالة العيش تلك، يكون من الأفضل اللجوء إلى الخيار الحاسم والمريح، وهو أبغض الحلال.

ورئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، نفسه، مغرم بهذا المثل المغربي، ولطالما أشهره في قبة البرلمان في وجه المعارضة والنقابات، يردده حين تبدأ تداهمه التماسيح والعفاريت، في صحوه وفي نومه، لكنه، بدلا من الإقدام في جرأة نادرة على اقتراف أبغض الحلال والخروج بتجربته الحكومية من وضعية “لا هي متزوجة ولا هي مطلقة”، يفضل أن يرش ملحاً وينام، فقليل من ملح التهديد يطرد العفاريت والتماسيح وسائر الغيلان، أو أنه يبعدها على الأقل إلى حين.
ولكن، الناجز الآن أن التجربة الحكومية الوحيدة التي هي أغنية الجميع، بعد الموجة الأولى من الربيع، إن كانت قد قدمت الاستقرار للمغرب، فإنها لم تقدم الحلول، وإذا كانت قد جاءت محمولةً على أكتاف شعارات الشباب المغربي وشوارعه، فإنها، الآن، لا تلعب إلا دور الدواء المسكّن.

وليس حزب العدالة والتنمية غافلاً عما يُفتل له من حبال، ولا الفخاخ التي صادت ريشه، فهو، من حين إلى آخر، يطلقه صقوره، كي تحصد بنقدها أغلبية ومعارضة.
وحين يكون المردود غير مقنع، ينزل بنكيران بثقله وبراعة خطابه، ويمعن في التهديد، حين يدرك أن مساحات اللعب أمامه بدأت تضيق، وأن شعبية الحزب في تناقص، وهو ينجح في رد الهجوم، لكنه لا يفلح في جعل مقلاة السلطة تتلظى.

ومن أخطار هذا على “العدالة والتنمية”، أن تلعب داخل مشهد سياسي مفصل على المقاس، وتفشل، بالتالي، في الاقتراب من حلفائها في الحركة الإسلامية، عدا المجاملات المتبادلة، وخصوصاً جماعة العدل والإحسان، القوة الصامتة في البلاد، والتي صامت عن الحراك، بعد وصول “الإخوان المسلمين” إلى الحكومة، حتى لا يحسب عليها إفشال تجربة، وحتى لا تعطي ورقة مجانية لأحد، في السلطة أو في المعارضة.

إنه اللعب الذكي، من أكبر جماعة إسلامية في البلاد. يصنعه في صفوف “العدل والإحسان” شباب من خيرة الأطر المغربية، وهي إن كانت أفلحت في شيء فهو تجديد الآلة الاستقطابية وتوسيع مجالاتها، والتهيؤ للمراحل المقبلة، في الحزب أو ضمن هيكل الجماعة نفسه، وهو الإطار الذي بدأ يعي أهمية التنظيمات الموازية، من دون لحية وحتى بأقل الحجاب، بمغربية جميلة، عادت إلى الجلباب المغربي، كي تجعل الاختبار من صلب التقاليد، والهوية غير منزوعة عن السياق، تتطور مثل مجرة ملتهبةٍ في الكون.

تارودانت نيوز
حكيم عنكر
شاعر وصحافي مغربي، من مواليد 1968، عضو اتحاد كتاب المغرب، صدر له كتابان شعريان “رمل الغريب” في 2001 و”مدارج الدائرة” في 2006. سكرتير تحرير مساعد في “العربي الجديد”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى