مقالات

قتلة عرفات الكثيرون


15 نوفمبر 2014

في الذكرى العاشرة لرحيل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، يكثر الحديث عن دوره وفداحة الفراغ الذي تركه غيابه، ولا سيما مع تشظي القضية الفلسطينية. هذه المعطيات باتت معروفة ومكررة، لكن، ما لا يزال مكتوماً هو من قتل أبو عمار، وأين أصبح التحقيق في اغتياله، وخصوصاً أن اللجنة المكلفة بهذا الأمر لم تصدر أي تقرير رسمي، واكتفت بتوجيه الاتهام إلى إسرائيل.
الاتهام المباشر لإسرائيل مفروغ منه، على اعتبار أن دولة الاحتلال كانت أكثر الراغبين في التخلص من الزعيم الفلسطيني. لكن، لا بد أن التحقيق يدرك، وتوصل إلى نتائج، بأن دولة الاحتلال لم تكن وحدها من ترغب في ذلك، ولم تنفذ العملية إلا بعد أضواء خضراء متعددة ومتنوعة، صدرت من العالمين العربي والغربي، إضافة إلى ضوء أخضر تنفيذي من الداخل الفلسطيني نفسه، ومن الحلقة الضيقة المحيطة بالزعيم الراحل.
اغتيال عرفات قرار كبير، لم يكن من الممكن للدولة العبرية المضي فيه منفردة، من دون الحصول على موافقات عدة، في ظل أجواء كانت ممهدة لنيل ذلك بأقل قدر من الجهد. أجواء رافقت عدوان “السور الواقي” على الضفة الغربية، والحصار الذي تعرّض له الزعيم الفلسطيني. لكن، الحصار لم يكن إسرائيلياً فحسب، بل شاركت فيه جميع القوى الفاعلة في القضية الفلسطينية، من دول عربية أو غربية. لا يمكن نسيان أن الولايات المتحدة كانت أول من لجأ إلى عزل الرئيس الفلسطيني، حتى قبل انطلاق العدوان الإسرائيلي، بعدما حمّلته مسؤولية إخفاق العملية السياسية في كامب ديفيد بقيادة بيل كلينتون. وجاء جورج بوش الابن ليتابع ما بدأه سلفه، وزاد عليه بعد أحداث “11 سبتمبر”، عبر تصنيف عرفات ضمناً في محور الشر، بتحريض مباشر من أرييل شارون. وعلى هذا الأساس، نظرت الإدارة الأميركية إلى ما كانت تقوم به الدبابات الإسرائيلية في الضفة الغربية، على أنه جزء من الحملة على الإرهاب التي كانت قد بدأتها الولايات المتحدة وحلفاؤها في أفغانستان.
لم يكن الأمر عربياً أشفى حالاً بالنسبة إلى الزعيم الفلسطيني، الذي منعت كلمته بأمر سوري في قمة بيروت العربية في عام 2002 في ذروة الحصار الذي كان يتعرض له. لكن، الأمر لا يقف عند حدود منع الكلمة، بل يتعداه إلى رفض الرد على اتصالاته من المسؤولين المصريين، وفي مقدمتهم الرئيس المخلوع حسني مبارك، الذي كان الراعي الرسمي عربياً للقضية الفلسطينية.
في الداخل الفلسطيني، كانت الأمور أسوأ في ظل حركة التمرد التي كانت قائمة على الزعيم الراحل، بقيادة محمود عباس ومحمد دحلان. شكل الاثنان، في ذلك الوقت، تحالفاً بدعم أميركي لنزع الصلاحيات من أبو عمار، واستحداث منصب رئيس وزراء، كان من نصيب أبو مازن، قبل أن يقيله عرفات لاحقاً، ليعتكف في منزله، ويسقط بالمظلة مباشرة، بعد رحيل عرفات، على كرسي رئاسة السلطة الفلسطينية. ولا يمكن، أيضاً، نسيان التظاهرات التي قادها دحلان ضد أبو عمار، في تلك المرحلة، متهماً إياه بالفساد والديكتاتورية.
مجموعة من العناصر والمعطيات الداخلية والعربية والدولية تكونت، لتوصل إلى اغتيال الزعيم الفلسطيني الراحل. قد يكون القرار إسرائيلياً. لكن، ماذا عن الممهدين والمنفذين والموافقين. من المؤكد أن مثل هذه الحسابات تجعل لجنة التحقيق الخاصة باغتيال الزعيم الفلسطيني ليست إلا كياناً شكلياً لذر الرماد في العيون، خصوصاً أن الحقيقة، لو أريد فعلاً الوصول إليها، تطال أطرافاً عدة، بعضها لا يزال في مراكز القرار العربي والفلسطيني.
هذا لن يمنع بقاء اللجنة وتحقيقاتها، وتصريحاتها الموسمية حول السعي إلى كشف الحقيقة كاملة. لكن، الحقيقة الوحيدة التي كشفت هي أن القضية الفلسطينية تفتقد أبو عمار.

تارودانت نيوز
حسام كنفاني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى