مقالات

“النموذج المغربي” ومستحقات الربيع الديمقراطي


الاحد:23/11/2014
من المتوقع أن يستمر النقاش طويلاً بشأن الكيفية التي تعاطى بها المغرب مع حدث الربيع الديمقراطي، وطبيعي أن تتوزع ذلك النقاش أطروحات سياسية متعددة ومختلفة، ينتصر بعضها “للنموذج المغربي”، وينوّه بقدرته على إيجاد الترياق المناسب لمعادلة “الإصلاح في إطار الاستقرار”، ومنها ما قد يذهب في الاتجاه المناقض تماماً، فيتنبأ بفشل هذا النموذج “المخزني” الذي لا يعدو أن يكون محاولة لـ”لالتفاف على التغيير”.
ومن دون محاولة الانتصار لهذا الطرف أو ذاك، يحسن بأهل الفكر وصناع الرأي الانخراط في هذا الحوار، بروح علمية وموضوعية، متحررة من كل المواقف المسبقة والجاهزة، بعيداً عن أنماط الأدلجة والتنميط التي تؤدي إلى تعميق أزمة الفهم والتحليل والنقد. وليس المقصود مقاربة التفاعل المغربي مع قضية الإصلاح السياسي بمنطق الحياد المطلق، فذلك مستحيل، ما دامت كل كتابة في السياسة، كما يقول الراحل محمد عابد الجابري، كتابة متحيزة بالضرورة، فلا عجب أن يتحيز هذا القول لمطلب المواطنة القائمة على أساسي العقلانية والديمقراطية.
وفي هذا الصدد، يكون مفيداً الوقوف عند المعالم الأساسية التي رسمتها المؤسسة الملكية المغربية، لمشهد الإصلاحات السياسية التي أقدم عليها المغرب، انطلاقاً من مدخل كتابة أول دستور لمملكة محمد السادس. وأي حديث عن التأويل الديمقراطي لدستور الأول من يوليو/تموز 2011 لا يأخذ في الحسبان وجهة نظر المؤسسة الملكية، باعتبارها فاعلاً أساسياً في معادلة الإصلاح الجاري، سيفوّت على نفسه فرصة مقاربة الواقع السياسي المغربي كما هو، وتفاعلات القوى الفاعلة فيه، وفي مقدمتها، المؤسسة الملكية، وما تملكه، بين يديها، من أوراق مختلفة، تجعلها متحكمة في مختلف مجريات هذا الإصلاح ومآلاته.

مراجعة الدستور الذي وضعه الملك الحسن الثاني سنة 1996 تجاوزت حدود التعديل إلى مستوى الإقرار بدستور جديد مختلف

يقف المحللون عند مضامين الخطاب الملكي في التاسع من مارس/آذار 2001، لكنهم لا يتوقفون عند خطاب السابع عشر من يونيو/حزيران من السنة نفسها، والذي قدم فيه الملك للشعب الدستور الجديد، وبيّن فيه عناصر الجدة والتغيير التي جعلته يدعو شعبه إلى التصويت عليه بالإيجاب. ولسنا ندري ما هي المبررات العلمية التي تجعل باحثين ودارسين لا يقفون عند مضامين هذا الخطاب إلا قليلاً، بالمقارنة مع عناية كبيرة حظي بها لديهم خطاب التاسع من مارس، والذي تضمن تصريحات نيات حول الإصلاح الدستوري، في حين حمل خطاب السابع عشر من يوليو مضامين هذا الإصلاح، كما تمت بالفعل، وتأويل المؤسسة الملكية للأسس والدعائم التي قام عليها هذا الإصلاح والمقاصد والأهداف التي يرمي إليها.
في خطاب تقديمه دستور 2011، اعتبر الملك محمد السادس أن المغرب، بهذا الاستحقاق الإصلاحي، سيعرف “تحولاً تاريخياً حاسماً”، تتمثل خطوته الأولى في أن مراجعة الدستور الذي وضعه الملك الحسن الثاني سنة 1996 تجاوزت حدود التعديل إلى مستوى الإقرار بدستور جديد مختلف، كل الاختلاف، عن الدساتير السابقة، منهجاً وشكلاً ومضموناً. فمن حيث المنهجية، كانت منهجية تشاركية، يقول الملك، إنه حرص على أن يكون الدستور، ولأول مرة، “من صنع المغاربة، ولأجل جميع المغاربة”. ومن حيث الشكل، فقد تميز بـ”هندسة جديدة، همت كل أبوابه”، أما مضمونه فقد تميز بأنه “يؤسس لنموذج دستوري مغربي متميز”. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هنا، وبإلحاح كبير، هو، ما هي عناصر هذا التميز وتلك الجدة؟
يحدد الخطاب ذلك كله، في محاولة إيجاد التوليفة الملائمة بين المحافظة على ثوابت المملكة، وإقرار نظام ملكي برلماني. فأما ثوابت المملكة فهي كونها “دولة إسلامية، يتولى فيها الملك، أمير المؤمنين، حماية الملة والدين، وضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية”. وهي، بموازاة كونها دولة إسلامية، تتمسك بتقاليدها المرعية، فهي، أيضاً، يقول الملك، “دولة عصرية متشبثة بالمواثيق الأممية”.
ومن أجل الجمع بين صفتي “الإسلامية” و”العصرية”، عمل “الدستور الجديد” على “تكريس مقومات وآليات الطابع البرلماني للنظام السياسي المغربي”، وفق المعايير المتفق عليها كونياً، من قبيل “سيادة الأمة” و”سمو الدستور، مصدراً لجميع السلطات”، و”ربط المسؤولية بالمحاسبة”، و”الفصل بين السلط”، وذلك كله من أجل تحقيق الغاية التي تجمع عليها كل ديمقراطية حقيقية، وهي “حرية المواطن وكرامته”.

عمل “الدستور الجديد” على “تكريس مقومات وآليات الطابع البرلماني للنظام السياسي المغربي”، وفق المعايير المتفق عليها كونياً

هكذا، يرى الملك أن الدستور الجديد حدد بوضوح مهام الملك، لتصبح محددة وواضحة، ويمكن أن نضيف أنها غير مطلقة، وذلك للاعتبارات التالية:
تفكيك الفصل التاسع عشر من دستور الحسن الثاني، الذي كان يعطي للملك سلطات مطلقة وغير محددة، تتداخل فيها السلطتان، الدينية والسياسية، للملك، إلى فصلين اثنين، أحدهما يحدد السلطات الدينية للملك، باعتباره “أميراً للمؤمنين” و”رئيس المجلس العلمي الأعلى”، ونجد هذه الحالة شبيهة لما هو مقرر في النظام الملكي البرلماني البريطاني، حيث ترأس الملك الكنيسة الأنجليكانية، وإن كانت ملكية أخرى، مثل السويد، قد ذهبت في اتجاه انتخاب “المجلس الديني الأعلى” لرئاسته، من رجال الدين أنفسهم، رغبة في إيجاد مسافة أكثر تمايزاً بين الديني والسياسي.
أما المهام المدنية للملك، فيصفها بالمهام “السيادية والضمانية والتحكيمية”، غايتها “وحدة الأمة” و”استمرارية الدولة” و”استقلال المملكة وسيادتها” و”وحدتها الترابية” و”وخيارها الديمقراطي” و”حسن سير المؤسسات الدستورية”، ما يجعل الملك حكماً أسمى، “يعلو فوق كل انتماء”.
وإذا كان الملك، دستورياً، خارج دائرة الصراع الحزبي والسياسي، وفوق كل الفوارق والاختلافات، فإن الدستور الجديد وضع سلطة التشريع، وبشكل حصري، بين يدي نواب الشعب، من خلال البرلمان المنتخب ديمقراطياً. وفي الوقت نفسه، أصبحت للحكومة سلطات تنفيذية حقيقية وواسعة، ولم يعد دورها مقتصراً على تنفيذ التعليمات الملكية فقط.
هكذا وبعد مرور أزيد من ثلاث سنوات، على العمل بموجب الدستور الجديد، ما زال النقاش محتدما بين نخبنا السياسية، حول الكيفية المثلى لتطبيقه، علماً أن القوى المتنفذة في حياتنا السياسية المغربية غير جريئة، ومتحفظة أحياناً، ومحافظة في معظم الحالات، سواء كانت في موقع الحكومة أو المعارضة. لذلك، لا نستغرب أن كل “خطواتها” البطيئة في تنزيل البنود الدستورية تسير في اتجاه تأويله “تأويلاً سلفياً” مغرقاً في الماضوية والتقليدانية.

أصبحت للحكومة سلطات تنفيذية حقيقية وواسعة، ولم يعد دورها مقتصراً على تنفيذ التعليمات الملكية فقط

صحيح أن الدستور المغربي ليس كامل الأوصاف، لكنه يفتح صفحة جديدة لتعميق النضال الديمقراطي، من أجل المزيد من الإصلاحات العميقة، باعتبار أن أي دستور، وكما قال الملك نفسه، وفي الخطاب نفسه، “مهما بلغ من الكمال، فإنه ليس غاية في حد ذاته، وإنما هو وسيلة لقيام مؤسسات ديمقراطية، تتطلب إصلاحات وتأهيلاً سياسياً، ينهض بهما كل الفاعلين”.
وبالفعل، ارتقى الدستور الجديد، على كل ما يمكن أن يسجل عليه الملاحظون من عيوب ونقائص، بالفاعلين السياسيين إلى درجة شركاء حقيقيين للمؤسسة الملكية، في صناعة جل القرارات الاستراتيجية للبلاد، في الوقت الذي منحهم فيه السلطة الكاملة على ما دونها من قرارات قطاعية وجهوية ومحلية.
نحن، إذن، في حاجة إلى نخب سياسية تتعاطى مع سلطة القصر بمنطق المبادر والشريك، وتتحرر من لغة التابع المنفذ والخادم المطيع، وهو تمرين ديمقراطي صعب ومرير. إنه أشبه بمحاولة طفل يريد تعلم المشي على قدميه، اعتماداً على قدراته الذاتية، والتحرر نهائياً من عربة المشي، مع ما يرافق مثل هذه المحاولة من سقوط وضربات وآلام.
إن تمريناً كهذا، مهما كان ثمنه مكلفاً، هو القادر وحده أن يحرر قادة وكوادر الأحزاب المغربية من عطالتها السياسية، وأن ينقلها من حال الوصاية والقصور، الناجمة عن هيمنة منطق “الريع السياسي”، إلى حال “الإنتاج السياسي” للمشاريع والمبادرات الوطنية الخلاقة، ما يعيد إلى السياسة معناها النبيل، بما هي فن لمعالجة أمراض الواقع.

تارودانت نيوز
عبد النبي الحري
ا ع ج

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى