مقالات

عن عنصرية “النخبة” المصرية


الاحد :23/11/2014
لم يكن إسقاط جماعة الإخوان المسلمين في مصر مجرد لعبة سياسية خبيثة، أدارتها أجهزة الدولة العميقة، بالتعاون مع “حلف الثورات المضادة” فى المنطقة، وإنما، أيضاً، كان تعبيراً عن عنصرية اجتماعية وطبقية بغيضة لدى قطاع كبير من النخبة المصرية، من مثقفين وإعلاميين وكتّاب. وهي العنصرية التي أفصحت عن نفسها فى مواقف ومناسبات كثيرة، قبل إسقاط الرئيس محمد مرسي، بعد انقلاب الثالث من يوليو/تموز 2013. أذكر جيداً حين التقيت بنفر من هؤلاء، على هامش مؤتمر في أثناء وجود مرسي في السلطة، وتجاذبت أطراف الحديث مع واحدة منهم، فوجدت حديثها عن الرجل، ينضح بالعنصرية والطبقية المقززة، إلى الدرجة التي شعرت فيها بالخجل من الزملاء والمثقفين العرب الذين كانوا يجلسون إلى جوارنا. وأذكر مما قالته هذه السيدة، والتي تعمل، للأسف، أستاذة جامعية في كلية مرموقة، إنها “تشعر بالعار لأن شخصاً، مثل محمد مرسي، هو من يحكم مصر” لأنه، بحسب ما قالته حرفياً، “جاي من ورا الجاموسة”، وهو تعبير عنصري بامتياز، يعكس احتقاراً وطائفية اجتماعية، تمارسها النخبة المصرية، أو نخبة القاهرة، حسبما يسميهم الصديق محمد المنشاوي، تجاه غيرهم من أبناء القرى والريف المصري. حديث السيدة، والذي حمل، أيضاً، ألفاظاً أخرى يعفّ اللسان عن ذكرها، ذكّرني بقصص وروايات السينما المصرية القديمة التي كانت تعرض لحال الانقسام المجتمعي والطبقي فى مصر تحت الاحتلال البريطاني، والذي عكست جزءاً منه أفلام رائدة، منها “رُد قلبي” و “الأيدي الناعمة” و”دعاء الكراون”. وقد كنا نتندر على هذه الأفلام، ونتعاطى معها باعتبارها تعكس جزءاً من الثقافة المصرية التي انتهت وولّت، بعد انتهاء عهدي الإقطاع والاحتلال، أوائل الخمسينيات، ولكن، أثبتت الحوادث أنها متأصلة في قطاعٍ، لا بأس به من المجتمع المصري.
عنصرية الأستاذة الجامعية لم يكن منبعها الخلاف السياسي مع مرسي، وهو أمر طبيعي، بل وكان واجباً، بسبب أخطائه وجماعته في إدارة شؤون الحكم، وإنما بسبب الأصول الاجتماعية لمرسي وعائلته. وهي نظرة تكاد تكون منتشرة وطاغية لدي شريحة مهمة ومؤثرة من الطبقة العليا في مصر، والتي كانت ترى مرسي مجرد “فلاح” (لفظ فوقي يُستخدم دليلاً على الإهانة، وتواضع الخلفية الاجتماعية للمخاطُب به)، ولا يليق به أن يكون فى القصر الرئاسي. وهي الطبقة نفسها التي دعمت، بالمال والإعلام والنفوذ، جزءاً مهماً من حملة إطاحة مرسي وجماعته. أذكر أنني ذهبت لإنهاء معاملات بنكية في مصر، قبل أسابيع قليلة من انقلاب 3 يوليو، وفوجئت بالموظفة (وكانت خريجة الجامعة الأميركية في القاهرة، وتقطن في أحد الأحياء الراقية) تسب مرسي وتلعنه، ليس بسبب فشله السياسي، وهو أمر يمكن فهمه وتقبله، وإنما بسبب أنه “جعان جاي يسرق البلد”، حسبما قالت حرفياً. وأذكر موقفاً أخر مع أحد رموز الليبرالية “الدولتيين” (أي المتماهين مع السلطة)، حين التقيته قبل الانقلاب بأسبوعين، فكان مما قاله إن التخلص من مرسي بات أمراً حتمياً، ليس بسبب فشله السياسي، وإنما لأنه وجماعته “أساءوا لمقام الرئاسة بهمجيتهم، ولصورة مصر بتخلفهم الحضاري”.
“أفصحت العنصرية عن نفسها فى مواقف ومناسبات كثيرة، قبل إسقاط الرئيس محمد مرسي

بعد سقوط “الإخوان”، تحولت العنصرية الاجتماعية ضدهم، والتي كانت نخبوية وفي دوائر ضيقة، إلى عنصرية سياسية شعبوية بامتياز، وعلى نطاق واسع متجاوز للطبقات. وهي العنصرية التي تم، من خلالها، تمرير مذبحتي “رابعة العدوية “وميدان النهضة”، وتسويقهما في الإعلام للجمهور من الطبقات كافة. ونتذكر، هنا، كل ما كان يُقال حول “الفلاحين اللي احتلوا القاهرة” و”الروائح الكريهة فى ميدان رابعة”…إلخ. وهي العنصرية والفوقية التي كان يتعامل بها نظام حسني مبارك وإعلامه مع “الإخوان”، والذين كانوا يُنظر إليهم باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية، فلا يحق لهم دخول الجيش، أو اعتلاء المناصب الحكومية، أو الحديث باسم الدولة، وذلك ضمن سياسة إقصائية بغيضة، كانت سبباً مهماً في انغلاق “الإخوان” وتقوقعهم على ذاتهم طوال ثلاثة عقود.
الآن، لا يوجد للسلطة ونخبتها ومثقفيها وإعلامييها أي وسيلة لتبرير قمع “الإخوان” وقتلهم واجتثاثهم، سوى استخدام نفس اللغة والسياسة العنصرية البغيضة تجاههم، من خلال “التخوين” والطعن في وطنيتهم، لمجرد الاختلاف السياسي معهم. وهي اللغة والسياسة التي تجاوزت “الإخوان”، وباتت سيفاً على رقاب كل من يجرؤ على معارضة الحكم السلطوي في مصر، حتى ولو كان من المخالفين للإخوان، سياسياً وفكرياً، مثلما حدث، أخيراً، مع الفنان خالد أبو النجا الذي انتقد أداء الجنرال عبد الفتاح السيسي، وطالبه بالرحيل، بسبب فشله، فقامت عليه الدنيا ولم تقعد، وتم إطلاق لائحة الاتهام الطويلة ضده كـ “التخوين والتآمر والعمالة للخارج”، وهي، أيضاً، لائحة الاتهامات نفسها التي طالت من كانوا في الصفوف الأولى لانقلاب الثالث من يوليو، واسألوا الدكتور محمد البرادعي.

تارودانت نيوز
خليل العناني
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة جونز هوبكنز الأميركية. عمل كبير باحثين في معهد الشرق الأوسط، وباحثاً في جامعة دورهام البريطانية، وباحثاً زائراً في معهد بروكينجز.من كتبه “الإخوان المسلمون في مصر ..شيخوخة تصارع الزمن”. ا ع ج

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى