مقالات

دروس من وفاة عبد الله باها


المتتبع للواقعة الحزينة التي ألمّت بالوزير المغربي، عبد الله باها، قد يقف مشدوداً إلى حجم التضامن والأسى الذي لحق بالوسط المغربي، جراء فقدان رجل يُجمع الجميع على نبله ورصانته وتواضعه، حيث ليمكن القول إن الصفة الرسمية التي يحملها الشخص، باعتباره “وزير دولة” في حكومة البلد، قد توارت إلى الخلف لتترك مكانها، لما كان يتحلى به الأستاذ باها من فضائل وحسن سلوك، وهو مؤشر مهم لطريقة قياس وترتيب الأولويات عند رجل الشارع المغربي، حيث غالباً ما يتم تفضيل دماثة الأخلاق والسلوك على باقي الخصال الأخرى، وهو أمر يؤكده حتى عبد الإله بنكيران نفسه في بعض كلماته التوجيهية لوزراء حزبه، إذ لم يكن يتردد في دعوتهم إلى الحفاظ على نظافة اليد وحسن التعامل والابتعاد عن المال الحرام، ربما بحكم الطابع المحافظ لحكومته، أو لإدراكه أن الحفاظ على أمر من هذا القبيل يحتل حيزا مهماً في طريقة تقييم رجل الشارع لمن أعطيت له فرصة تدبير شؤون حياته وأحواله. من جهة أخرى، كشفت جنازة الراحل عن شيء جميل، يحصل عندنا هنا في المغرب وخصوصاً بالنسبة للطبقة السياسية، حيث غالباً ما يتم وضع تشنجات السياسة ومشاداتها جانباً، ليتم تقديم واجب التضامن والعزاء، ومحاولة اقتسام محنة اللحظة والتخفيف منها قدر الإمكان، وهو سلوك ينم عن قدر من التعايش بين مختلف الفرقاء السياسيين، ويؤشر إلى أن هناك خطوطاً حمراء، نحمد الله أن الطبقة السياسية عندنا لا تسمح لنفسها بتجاوزها. وإذا كانت جنازة المرحوم قد عرفت حضورا لكل الأطياف، فإن تقديم الأمين العام لحزب الاستقلال واجب العزاء في الرجل، يندرج تقريباً في المنحى نفسه، إذ على الرغم من كل ما قاله ويقوله في حق بنكيران وصحبه، إلا أنه وجد نفسه وهو يترجل لتقديم التعازي، في سلوك لا يمكن إلا الإشادة به، على الرغم من أن حميد شباط كان سيبقى معزولاً وشاذاً عن سلوك المغاربة، لو اختار أن ينهج سلوكاً مغاير، وربما سيكون عليه أن يشكر بحرارة المرحوم باها، لأنه أخرجه من عنق الزجاجة، إذ من خلال أسلوبه في الضرب، من هنا هناك، انتهى به المطاف، لكي يعزل نفسه نهائياً، وهو ما جعل الإعلام ينسج حكايات وصلت حتى إلى التلميح عن غضبة ملكية على شباط إثر “الفوضى” التي كان قد اقترفها في قبة البرلمان، حين ضرب عرض الحائط كل الكلام التوجيهي الذي كان قد تفضل به ملك البلاد، وهو يتحدث عن الترفع عن المزايدات والصراعات السياسوية. على أن أمراً مهماً قد يستوقف كل متابع للتعليقات التي واكبت الوفاة، وإذا كانت هذه التعليقات في جزء منها تعبر عن مقدار الصدمة النفسية التي ألمّت بمتابعين كثيرين لما جرى، وقد تتضمن، في ثناياها، نوعاً من “الشمتة” التي يحس بها المرء، إثر انتزاع الفاجعة لشخصين عزيزين في ظرف شهر واحد تقريباً، وفي المكان نفسه، إلا أن عديدين يبدو أنهم لا يريدون الاعتقاد في التوصيف الذي يقدم لهم في طريقة حصول الفاجعة. بالنسبة إليهم، هناك دوماً أمور يتم تدبيرها في الخفاء، وهناك مؤامرة تحاك بشكل من الأشكال، المهم ليس هناك تصديق للرواية الرسمية، ما يدعو كثيراً إلى التأمل والبحث عميقاً عن سر غياب الثقة والتوجس في كل ما يريد “المخزن” أو “الإدارة” ترويجه، وهو ما يعكس أن الإدارة ربما لم تتصالح بما فيه الكفاية مع المواطن، إذ على الرغم من المجهودات التي بذلت، سواء من خلال محاولة اعتماد المفهوم الجديد للسلطة، وإقرار هيئة الإنصاف والمصالحة، وديوان المظالم ودستور 2011، إلا أن الإدارة، في منطق جزء من الشعب، لازالت عاقة وفي حاجة إلى إقرار تعديلات عديدة، لكي تحظى بالرضى، إن لم نقل بثقة رجل الشارع المغربي. تقتضي الموضوعية تأكيد أن جزءاً من قياديي حزب المصباح، وفي محاولة منهم لإيقاف التناسلات التي بدأت تعرفها المواقع الاجتماعية، قد كانوا سباقين إلى الدعوة إلى الاتزان والتبين، كما دعت الأمانة العامة للحزب إلى “الكف عن الخوض المبني على الظنون والإشاعات، وانتظار النتائج النهائية للتحقيق من الجهات المسؤولة”. وهو سلوك ينم عن نوع من التدبير الحكيم لفاجعة كبرى ألمت بالحزب، وإلى أن الدولة العميقة في منطق الحزب ربما ليست موضوعة أصلاً في قفص الاتهام، والمؤمن ما ينبغي أن يلقي الكلام هكذا على عواهنه وأن المنطق السليم يقتضي انتظار نتائج التحقيقات، الدولة حاولت أن تظهر بمظهر الحريص الأول على محاصرة هذه النازلة، بالمتابعة الرسمية لمجريات الأمور من أكبر سلطة في البلاد، ومن خلال سرعة البلاغ الذي أصدرته وزارة الداخلية، والحرص الذي أبدته، لكي تكون سباقة لمباشرة الملف، حتى تملأ الفراغ الذي يمكن أن تتسلل منه الريح، ويفسح فيه المجال للتأويلات، خصوصاً في اللحظات الأولى من وقوع الفاجعة، ما يبرز أن الحزب، ومن خلال “مؤشر الوفاة”، قد يكون ربح نقاطاً في مسار تطبيعه مع الدولة. كانت جنازة الراحل عبد الله باها مفيدة من زاوية التذكير “بقيمة الصداقة”، كل من كان يتابع علاقة رئيس الحكومة بالأستاذ باها لا يمكنه إلا أن يبقى مشدوداً لقوة الرابط الذي كان يجمع بينهما، ما دفع بعضهم لكي يتحدث أن بنكيران فقد جزءاً من روحه، من حيث إنه فقد أخاً عزيزاً له، لم تلده له أمه، ويشهد الله وحده كم ستكون “معاناة” بنكيران، وهو محروم من نصح صديقه الذي كان يعتبر ضمن العوامل المكملة لشخصيته، قمة الصداقة يمكن التأكيد عليها من خلال المكانة التي كان بنكيران يضع فيها صديقه باها، حيث لم يكن يلاقي أدنى حرج، وهو ينعته برئيس الحكومة الفعلي، وكان يعتبره في قاموس الفضل “أفضل منه”، “وبالرجل الرباني”، وقد سبق لبنكيران أن أشاد بالسيد إدريس جطو لأن الأخير كان متفطناً لصداقة الرجلين، وهو ما دفعه لتأثيث المكان المخصص لرئيس الحكومة “بمقعدين”، في إشارة منه إلى أن لبنكيران، “بنكيران آخر”، اسمه باها، لا يمكنه الاستغناء عنه، وغالباً ما يلعب دور المفرمل وضابط إيقاع للسرعة، وكذا لاندفاعات بنكيران… رحمك الله الأستاذ باها، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

تارودانت نيوز
سعيد الزغوطي / اع ج

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى