مقالات

التحديث والتنمية السياسية العربية


الاثنين:22/12/2014
برزت مؤخراً ظاهرة الإصلاح في المجتمع العربي وبرزت عملية التغيير الاجتماعي نحو تحقيق الإصلاح السياسي. إن هذا التطور المصحوب بالتغيير التي تتخذه عملية التنمية والتحديث والإصلاح السياسي، قد يأخذ أشكالاً عديدة ومتفاوتة، كأن يكون على شكل ثورة أو يكون مفاجئاً وجذرياً وعنيفا.
وتعد الأمة العربية من الأمم الفريدة في المجتمع الدولي التي حققت وضعاً متقدماً من خلال إسهامها الماضي في الحضارة البشرية أو تردد الحديث عن صفاتها القومية، ولكن بعد سقوط الدولة العرية الإسلامية، نرى سريان التخلف على هذه الأمة ولعدة قرون. ولأجل السيطرة والقضاء على هذا التحدي المتمثل بالتخلف يجب الإسراع بتنمية وتحديث سياسي شامل، أي إجراء عملية تغيير وتقدم جذري في كل مجالات الحياة العربية، وعلى كافة الأصعدة السياسية والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، وهذا وحده يجعلنا نعيش حضارة العصر بما تحمل من تنمية وتحديث.
ولأجل السير نحو تحقيق تنمية وتحديث عربي، ينبغي الانطلاق من خصوصية البيئة العربية ليتسنى لنا الإلمام بها لكي نظهر الشخصية العربية في أي خطوة نحققها إلى الأمام، خاصة ونحن نعيش في تجمع مع (الكيان الإسرائيلي) التي يعدها الكثير أوروبا الشرق الأوسط، وكذلك نعيش عقدة التفوق الأوروبي التي تغذي أطماع أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، لأجل التوسع وفرض المزيد من التبعية والسيطرة على سياسات الأقطار العربية واقتصادياتها.
إن كل ذلك يدعونا للقول إن شرط إزاحة التأثير الاستعماري من المنطقة، وإلغاء أو تخفيف تبعية الاقتصاد العربي ومن ثم استثمار الناتج القومي العربي الذي يفيض عن حاجة المجتمع الضرورية في زيادة الإنتاج الذي يجب أن يتم بقوى سياسية تقود التنمية والتحديث السياسي. أي ربط عملية الاستقلال السياسي والاقتصادي بعملية التحرر الذي به تسترد حرية الإرادة الوطنية المهيمنة على القطاعات المسيطرة على الاقتصاد القومي. وثانياً خلق قيادة وطنية قادرة على استثمار وسائل الإنتاج الأساسية، وتوجيه النظام الاقتصادي. وأخيراً إزاحة القواعد العسكرية الموجودة في المنطقة العربية الذي أخذت الدول الخليجية العربية، خاصة بعد أزمة الكويت، تعويض المستعمر عن نفقاته.
إن شرط التحرر من الاستعمار سوف يكفل مستوى معيشيا أفضل لغالبية الشعب العربي وحياة أفضل الى المستوى المادي والاقتصادي والثقافي، مما يؤدي إلى وضع أهداف للسياسة الاقتصادية تتجاوز الناتج القومي لتمتد بتحديد أهداف قيمية يتفق عليها المجتمع العربي نفسه، ومن أهمها قيمة الحرية والعدالة الاجتماعية، وقيمة التواصل الإنساني، وبتحقيق هذه القيم، يمكن أن تتحقق معدلات مرتفعة من التنمية والتحديث السياسي الذي يؤمن الرفاهية الاجتماعية والاقتصادية.
ولأن الدول العربية تتميز بعجز في مورد أو اكثر فإن تحقيق عملية التنمية والتحديث في كل قطر يفرض أن تبحث عن مصادر لاستكمال هذه الموارد، والأولى بها أن تعتمد على موارد بعضها البعض، لأن ذلك يحقق زيادة المنافع لمجموعها، خاصة وأن العالم يسير وفق نظام العالمية، وذلك النظام الذي يمكن بتداخل وتنافس اقتصاديات البلدان الواحدة بالأخرى، وأن هذا التدخل يؤدي إلى تنافس اقتصاديات البلدان المتقدمة الضخمة مع اقتصاديات البلدان العربية الصغيرة التي قد تكون متخلفة. إن ذلك يمكن أن يغري بلداً عربياً في القبول ببعض القيود لأجل الاقتناع بأن المزايا التي سيحققها من جراء هذا الاندماج سيساهم في تعجيل التنمية الاقتصادية والوطنية، خاصة عندما تقتنع الحكومات والرأي العام بضرورة احترام قواعد المشاركة القائمة والوفاء بالتزاماتها، حينئذ يمكن أن يتحقق الكثير من التحديث على المجتمع العربي خاصة عندما توضع صيغ لإقامة مؤسسات إقليمية تكفل بالقضايا الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية.
إن نجاح المشاركة السياسية العربية يتوقف على جملة من المستلزمات والقيم الثقافية، فالديمقراطية تفترض إطاراً ثقافياً لها، وهذا الإطار الثقافي يتمثل في عدد من القيم أبرزها العقلانية، أي الايمان بمحورية العقل الإنساني في تنظيم المجتمع، وأيضاً الحرية الفردية كقيمة أساسية في المجتمع، وعدم التطرف في الأفكار السياسية نحو الدين والأيديولوجيا، وإن كان إخفاق تجارب المشاركة السياسية الشعبية، وديمقراطية تعدد الاتجاهات في الأحزاب السياسية والتنظيمات السياسية، التي عرفتها بعض الأقطار العربية، بسبب غياب هذا الإطار الثقافي القيمي.
يمكن اعتبار المشاركة السياسية أهم صيغة للتعبير عن التحديث والإصلاح والتنمية السياسية لأنها تعني إمكانية مساهمة الفرد أو الجماعة، ولكن الذي نراه في أغلبية الأقطار العربية تركز السلطة السياسية، واتخاذ القرار في يد فئة حاكمة، وأن أمر تداول السلطة محتكر بيد الفئة الحاكمة، كما ويتجلى الانفراد بالرأي دون احترام رأي الآخرين، بأنها صيغة مستمرة ودائمة في المجتمع العربي. ويمكن أن نرى أن غالبية الأقطار العربية سواء تلك التي لا تعترف بالحياة الحزبية، وتلك التي لها حياة حزبية، بأن الحاكم أو الحزب الذي يمارس السلطة لا يمارس الديمقراطية مع نفسه في حياته الداخلية، ولا تمارس الديمقراطية في التعامل مع الأحزاب الأخرى، مع العلم أن التعامل الديمقراطي بين الاتجاهات السياسية، وهي في المعارضة، هو أفضل المدارس لتربية النشوء الديمقراطي.

تارودانت نيوز
أيمن هشام عزريل
ا ق ع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى