الأخبار

دعابة التقارب” في النيجر: طريقة الأجداد لحماية القيم


طريقة فريدة من نوعها في المزاح، يطلقون عليه في النيجر اسم “دعابة التقارب”.. شكل من أشكال الدعابة التقليدية يرمي إلى حماية القيم الثقافية المحلية وتعزيز التماسك الاجتماعي. ويعتمد هذا النوع من المزاح على تبادل كلمات وسلوكيات بغرض “إثبات تفوّق فئة اجتماعية معيّنة على حساب أخرى عن طريق النكات”، وفقا للأستاذ والباحث بجامعة نيامي، الدكتور “آدامو باركيه”.
جذور هذه الدعابة متفرّعة ومختلفة، وميلادها الأوّل قيل إنّه عائد إلى “الروابط الزوجية”، بما أنّ بدايتها انطلقت بتبادل النكات بين “الزوجة الجديدة وإخوة زوجها، لتتطوّر بعد ذلك وتشمل الجدّ وأحفاده، قبل أن تسري عدواها لتعمّ مختلف الطوائف التي تعيش ضمن محيط مشترك، بهدف خلق نوع من الوئام”، حسبما أوضح للاناضول الدكتور “باركيه”.
“مزحة التقارب”، يتابع الباحث الجامعي النيجري، “تسمح للمنخرطين فيها بالتطرّق إلى جميع المواضيع دون تحفّظ، والمهاجمة اللفظية لأيّ كان، دون أن يعدّ ذلك جريمة”، مشيرا إلى أنّ “هذا النوع من الممارسات الاجتماعية “الذي وضعه أسلافنا يرمي إلى تيسير عملية التعايش السلمي بين أفراد المجتمع الواحد، بغضّ النظر عن الفروقات الاجتماعية أو الدينية”، بل إنّ الأمر قد يتعدّى ذلك إلى “تشكيل علاقات بين أفراد الطائفة الواحدة وبين الطوائف، من أجل تيسير المبادلات التجارية والمهنية والعائلية”.
ومنذ ظهورها الأوّل منذ أجيال، كان هدف هذه الدعابة هو “الترفيه”، والابتعاد عن الضغوطات التي يولّدها الروتين اليومي، حيث تجيز للشخصين الذين قبلا الانخراط فيها بـ “قول كلّ ما يفكّر فيه بشأن خلافاته مع الآخر ونقاط ضعفه وكلّ ما لا يروقه فيه”.
دعابة شبيهة بالألعاب التقليدية الرائجة في مناطق مختلفة من العالم، ورغم ما قد تتسبّب فيه من إحراج، إلاّ أنّه يعود للمشاركين فيها تحويله إلى مرح وضحك، لأنّ الانسان بطبعه يجد متعة في الكشف عن مواطن ضعف الآخرين والتصريح بذلك دون مواربة. كما أنّ هذه الطريقة تساهم في خلق نوع من “التقارب” خصوصا حين تكون تركيبة المجتمع مزيجا غير متجانسا من الانتماءات والثقافات وطرق العيش، وهذا التقارب نفسه هو ما يقود نحو التوحّد ونبذ الاختلافات وتجنّب الانقسامات.. “إنّها تلعب دورا تعديليا يمكّن من احتواء الصراعات الاجتماعية”.
وتعقيبا عن الجزئية الأخيرة، أكّد الدكتور “باركيه” أنه “خلال التمرّد المسلّح الذي شهدته النيجر في عام 2007، لم يكن المتمرّدون الطوارق يطلبون الفدية من عرقية زارماس لأنّهم كانوا أبناء عمومتهم (وجميعهم ينتمي إلى شعوب سونغاي)”.
ووفقا للباحث والأستاذ الجامعي، فإنّ العرقيات العشر المكوّنة للمجتمع النيجري، تتقاسم ثقافة “دعابة التقارب”، رغم اختلاف اللهجات المستخدمة، غير أنّ ما يشوبها ويقلّل من قيمتها هو أنّها “تتعارض مع المعايير العالمية لحقوق الانسان”، لما “تكتنفه من شعور بالتفوّق وتحقير للآخر إلى درجة يمكن أن تصل إلى العبودية، وهذا أمر خطير”.
وارتأت الحكومة النيجرية استثمار الجانب المضيء من القصّة، حيث أقرّت، منذ عام 2008، تنظيم تظاهرات ثقافية تحت عنوان “دعابة التقارب”، لتصبح حدثا سنويا يفسح للسكان مجالا للترفيه عن النفس ومشاركة الآخرين المزاح والنكت والطرائف. ومنذ 2010، أصبح هذا الحدث يمتدّ على حيّز زمني معتبر يصل إلى الشهر، يجوب خلاله الفائز كامل مدن البلاد.
“شهر الدعابة نابع من المخزون الثقافي النيجري”، يقول المدير الوطني للتراث الثقافي والمتاحف بوزارة الثقافة في النيجر “آدامو دانلادي”، مؤكّدا أنّ الحدث يستقطب الكثير من السكان، ويبعث فيهم شعورا بالتقارب وبالتماسك.
ووفقا لـ “دانلادي”، فإنّ النيجر أعدّت وقدّمت، منذ عام 2011، ملفا إلى اليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة) لإدراج دعابة التقارب ضمن التراث الثقافي غير المادي للانسانية، ولم يتمّ قبول مطلبنا إلاّ في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي.
الدعابة تجاوزت حدود النيجر، لتسري عدواها إالى بلدان الغرب الافريقي الأخرى، وخصوصا إلى بوركينا فاسو ومالي وغينيا كوناكري. وبحسب مدير التراث الثقافي، فإنّ النيجر على استعداد تام للانضمام إلى بلدان أخرى من أجل ترشيح متعدّد الجنسيات لهذه الممارسة الاجتماعية التي تساهم في تعزيز التكامل والحوار بين الثقافات في بلدان المنطقة الغربية الافريقية.
وختم حديثه قائلا “بإدراج دعابة الأقارب ضمن التراث الثقافي غير المادي للانسانية، فإنّها لنتكون منتمية إلى بلد معيّن بل ستكون دعابة الانسانية جمعاء”.

تارودانت نيوز
الاناضول

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى