مقالات

المهدي يوسف كاجيجي: كيف يرانا الآخر؟!


السبت:27/12/2014
الاستاذ عبدالحميد البكوش، المحامى ووزير العدل ورئيس مجلس الوزراء، الشاعر والكاتب والمعارض حتى الموت، رحمه الله، كان يرى ان مشاكل الوطن لا تحل الا باهله، وعلينا، قبل أن ندخل عنصرا خارجيّا بيننا، ان نعرف جيدا : كيف يرانا الآخر؟ وهوفى الغالب لا يرانا الا بعين المصلحة. فالمشاعر والأحاسيس النبيلة تجاه الوطن لا يمكن، بل ومن المستحيل، ان يتفاعل بها الآخر نيابة عنّا، لأنها فى معظم الأحيان لا تثير اهتماماته، وردود أفعاله لا تحدث الا عندما تمس مصالحه مباشرة. والدليل: أعلن نظام سبتمبر مطاردته المعارضين فى الخارج، تحت اسم الكلاب الضالة، وأقر على الملئ القيام بملاحقتهم وتصفيتهم أينما كانوا. على الفور انتشرت فرق الاغتيالات فى كل أنحاء العالم، خاصة في أوروبا، فكانت البداية فى بريطانيا، وامام اكبر المساجد فى لندن وبعد صلاة الجمعة، وعند خروج المصليين، وامام العالم، تم اغتيال الشهيد محمد مصطفى رمضان، المذيع فى الإذاعة البريطانية، الحق به المحامى محمود نافع وغيرهما، فى روما وفى اكثر شوارعها شهرة “فيا فينتو” وفى اقدم واشهر مقاهيها “كافى دى باريس”، اغتيل رجل الأعمال عبدالجليل عارف، على قارعة الطريق وبين زوجته وأبنائه ثمّ فى ميلانووبون وأثينا وغيرها حيث تمّت تصفية العشرات من الليبين الأبرياء، بتهمة المعارضة السلمية للنظام. الاستاذ عبد الحميد البكوش نفسه تعرض لأكثر من محاولة اغتيال، من أشهرها قصة فريق الاغتيال المالطى الذى اعتقله الأمن المصرى عند وصوله الى مطار القاهرة وطلب منه الاستمرار فى المهمة، فى عملية تمثيلية تم تصويرها، فأذاعها التليفزيون الليبي “بعد ان اكل الطعم”، معلنا “وبكل فخر” قيام ابطال ليبيا، بقتل الكلب الضال المدعوعبدالحميد البكوش. وكانت فضيحة! ويا لها من فضيحة، عندما خرج وزير الداخلية المصرى فى مؤتمر صحفى عالمى، وبصحبته الاستاذ البكوش، ليعلن كل ملابسات الجريمة. كانت اخبار قتل الليبين يومية دون أية ردود فعل من جانب الحكومات الغربية. يقول الاستاذ: الآخر لا يرى فى قتل الليبين بعضهم بعضا شيئا هاما “كلب يقتل.. كلبا” المهم ان لا يجرح للآخر كلبا.
متى يشعر الآخر
استمر النظام الليبى فى قتل معارضيه جهارا نهارا، معلنا متبجحا بذلك دون اعتراض احد، سوى تصريحات كلامية هشة، وأصبح الدم الطاهر الذى أهدر لا قيمة له. معظم المجرمين الذين قاموا بعملية التصفية فى أوروبا، تم إطلاق سراحهم، فى مسرحية هزلية، تمت فيها مبادلتهم بمواطنين لتلك البلدان سبق القبض عليهم، وتلفيق تهم لهم فى ليبيا . لكن، عندما انطلقت رصاصة من مبنى السفارة الليبية، فى ميدان سان جيمس فى لندن، باتجاه مواطنين ليبين عزل، كانوا فى وقفة احتجاجية امام السفارة، لتنحرف وتستقر فى بطن الشرطية البريطانية “أيفون فليتشر” التى بموتها ظهر الوجه الحقيقى للآخر، انقلبت الدنيا، وحوصرت السفارة لمدة احدى عشر يوما، وقطعت العلاقات، وطرد كل موظفى السفارة، وأصبح دخول الليبين الى بريطانيا شبه مستحيل، مقابل شروط وتعهدات، وظلت قضية الشرطية فليتشر لسنوات طويلة، عائقا دون عودة العلاقات بين البلدين الى ان تمت تسويتها مقابل 30 مليون جنيها تم دفعها لأسرتها بطرق ملتوية، منعا لإحراج الحكومتين.
لوكربى.. عملية نصب
لم يتعرض شعب، فى العصر الحديث لعملية ابتزاز ونصب “مشروعة”، كما تعرض لها الشعب الليبى من قبل الآخر، إذ بالرغم من ضعف الأدلة والبراهين، فقد تم اتهام النظام الليبي بإسقاط طائرة الركاب “ألبان ام” الامريكية على قرية لوكربى الأسكتلندية، تعرض على اثرها الوطن التعيس لعقوبات دولية، وعملية حصار ظالمة، كان لها الأثر السئ فى كل نواحى الحياة. اعتقد النظام الحاكم وقتها انها رسالة بقرب نهايته، فكانت فرصة، لكل الأفاقين والنصابين فى العالم، ليتخذوا من ليبيا محجا، بادعاء تسويق وساطة بين النظام المرتعش والدول الغربية، صاحبة الشأن فى القضية، دفع فيها النظام، وبسخاء، الملايين، فى شكل صفقات تجارية، وقروض واستثمارات، ومبالغ نقديه، انتهت بإعلان قبول النظام الليبى المسؤلية عمّا حدث، والموافقة على دفع تعويضات مالية لأسر الضحايا، وصلت الى المليارات من الدولارات، اضافة الى الاتفاقيات السرية الغير معلنة، والتى تضمنت صفقات تجارية ونفطية ومالية.
إذن.. ماذا ننتظر؟
بعد كل هذا الخراب، وبعد كل هذا التمزق، بعد كل هذا الضياع الذى نعيشه، على اشلاء وطن يضيع منا، يوما بعد يوم، مندفعا نحو المجهول، بعد كل ذلك، ننتظر الحل بواسطة الآخر القادم من وراء البحر، ننتظر السيد برناردينوليون حتى يجمعنا، ننتظر السيدة ديبورا جونز حتى تقنعنا، ننتظرالسيد اوردغان حتى يرحمنا من طموحاته، ننتظر اخوتنا فى الخليج بتعدد اتجاهاتهم حتى ينتهوا من تصفية حساباتهم على أرضنا، ننتظر المبادرة السودانية والجزائرية والموريتانية، إلى آخر قائمة المبادرات المعلنة، والغير معلنة، ننتظر فينقسم المشهد الداخلى الى فريقين، اقلية اقوى تحمل السلاح وتواصل القتل والتخريب، وأكثرية صامته، ليس لديها سوى مواصلة بكائية النحيب على الوطن ألذى ضاع.
ايها السادة، الآخر.. لا يملك الحل، الآخر أيّا كان جنسه وعرقه ومعتقده، يعمل من اجل مصالحه، ولن يتم تحقيقها الا بمزيد من تمزقنا، وما سيترتب عن تدخله، سيكون له ضريبة باهظة التكاليف، سيدفع ثمنها وطن كامل، ولأجيال قادمة. إنّ الحل بين ايديكم، ولن يتم الا بمبادرة ليبية.. ليبية، ليس فيها للآخر مكان بيننا. هل عقمت ليبيا من العقلاء؟!، لا يزال فى الامل بقية، لم ينفرط عقد الولاء والانتماء الى ليبيا الوطن بعد، ما زالت أواصر ووشائج الرحم الليبى تربط بيننا، فلنجتمع معا، ولنتصارع معا، ولنختلف معا، ولنتفق معا، وتحت مظلة وطن ولدنا تحت سمائه موحدا، ونموت وندفن تحت ترابه موحدا. لم يبقَ لنا يا إخوتي غير ذلك وإلا.. ليرحمنا الله من الطوفان القادم.

تارودانت نيوز
المهدي يوسف كاجيجي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى