مقالات

مثقفون عرب و”شارلي إيبدو”


18 يناير 2015

أمّا وأن النخب العربية المثقفة أجمعت على إدانة جريمة الاعتداء المسلح على صحيفة شارلي إيبدو، واعتبرتها دليلاً على تطرفٍّ لا يخصّ الإسلام وقيمه، فذلك من عاديّ المتوقع والمطلوب. والظّاهر في كتاباتٍ وبياناتٍ، نشرها مثقفون عرب عديدون، أنها صدرت، في غالبها، عن شعور بواجب إشهار هذا الموقف، مع تأكيدٍ على إيضاح حيثياتٍ تخصّنا، عرباً ومسلمين (والعكس أصح)، وتتصل بطرائق تعامل الغرب مع الإرهاب وجرائمه في غير مطرح. وفي فرنسا، حيث سخونة الحالة أحمى، وبعد إصدار إمام مسجد باريس الكبير، دليل أبو بكر، ومجلس السفراء العرب ونادي الصحافيين العرب، بيانات في هذا الشأن، صدر باسم كتاب عرب، من أهل الأدب والفكر والفن، من المقيمين في فرنسا، بياناً، أظنه الأشد نبرة في لغته، وجاءت فيه إدانة ذلك الاعتداء “بشكل قاطع”، ووصفته بأنه عمل “موغل في الوحشية”، ورأى أن الذي تعرضت له الصحيفة الفرنسية “لا يستهدف فقط حقوق الإنسان وحرياته وكرامته، وإنما يستهدف كذلك معنى الإنسانية، والإنسان بوصفه إنساناً، في أعمق ما يميّزه عن بقية الكائنات”. وجاء طيبا في البيان أنه أحال إلى أن التطرف ليس صفة خاصة بدين أو شعب دون غيرهما، غير أنه لم يلتفت إلى اقتران واقعة استهداف المجلة الباريسية التهكمية بما لا يخص حرية التعبير، بقدر ما يتصل بتجاوز يخصّ ديناً ومعتقداً.
غالى البيان في علمانيته، وظهر متطرفاً بعض الشيء، في إغفال ما كان يحسن (أو يجب؟) أن يقال. ولا يشار إلى هذا هنا رفضاً لحرية الموقعين عليه في إبداء ما يشاؤون من آراء، بل للتمايز الذي يظهر عليه بيانهم عن غيره لمثقفين عرب آخرين، بدت بياناتهم على الموقف نفسه، لكنها لم تغفل عمّا يحسن (أو يجب؟) إشهاره، بصدد مسؤولياتٍ يتحملها الغرب في تغذية مشاعر الحنق عليه، ما يعدّ من أسبابٍ بيّنةٍ في الاندفاع الواسع نحو التطرف والغلو القاتليْن. ولأن هذه السطور في معرض تفسير وتحليل، بعد تأكيد البديهي من رفض جريمة الأخوين كواشي ضد “شارلي إيبدو”، فإن بياناً، يُشهره مثقفون عرب لهم أسماؤهم البارزة، ولا سيما في فرنسا، أدونيس والطاهر بنجلون وعبد اللطيف اللعبي مثلاً، كان مهماً أن يتضمن شيئاً من هذا الأمر، فالإنسان بوصفه إنساناً ليس مجرد كائنٍ لا يحتاج في حياته غير حرية تعبيره عن رأيه.
ما إن جاء الخبر عاجلاً وشديد الاقتضاب عن سقوط قتلى في اعتداء على جريدة في باريس، حتى، رحنا نحن العربَ والمسلمين، نحدّث أنفسنا، متمنين أن يكون الجناة من أولئك الخرقى من سويّة الذين يهاجمون مدارس في أميركا ويقتلون تلاميذ ثم ينتحرون، أو أن يكونوا غاضبين اختاروا هذا الأسلوب الهمجي تعبيراً عن احتجاجٍ ما. المهم أننا اشتهينا ألا يكون القتلة عرباً أو مسلمين، لأننا في موضع الشبهة المسوّغة بممارساتٍ وجرائم مستنكرة، تتراكم في أرشيفها فظاعات غير هينة، في غير بلد. ولأن الأمر كذلك، بدا طبيعياً السمت الدفاعي الظاهر في بيانات مثقفين عرب غير قليلين، وفي كتاباتٍ وتعليقاتٍ ومقالات عديدة. وهنا، تجوز الإحالة إلى أن جريمةً يرتكبها بروتستانتي، مثلاً، في بلد آسيوي، في مكانٍ عام، وبدافعٍ ما، لا تتطلب من البروتستانت إشهار براءتهم، ودفاعهم عن معتقدهم وثقافتهم. حالنا، نحن العربَ والمسلمين، غير هذا، فأسامة بن لادن وورثته، و”طالبان” في باكستان وغيرها، وداعش والقاعدة وأشباحهما في اليمن والجزائر وغيرهما، أنجزوا ما أنجزوا من أهوال، تجعلنا في حرجٍ من أمرنا. أمّا قول بعض مثقفينا وكتابنا إننا لسنا في حاجةٍ لإثبات براءتنا، فذلك مكابرةٌ لا بأس بها. لم يُكابر بيان المثقفين العرب في فرنسا، كان شجاعاً، حاذقاً في مقاطع منه، غير حاذق في أخرى.

تارودانت نيوز
ا ع ج
معن البياري كاتب من الاردن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى